الصفحة الرئيسـية  

مواد مترجمة

 

     
 

العقلانية البذيئة

  

Louis Gustave- Ratisbonne

         

العقلانية مفهوم استخدم في الفلسفة واللاهوت, بعيدا عن أية  صيغة منهجية كانت, بغية احترام عقل الإنسان كمعيار نهائي , ومصدر رئيس للمعرفة , هذا مع المعرفة المسبقة أن مثل هذه الموقف المنهجي في تحديد مفهوم العقلانية, سيتعارض بالضرورة مع كل العقائد التي استندت بشكل كامل على الرؤى المطلقة  . فالفرد وفق هذا الموقف المنهجي, أو الرؤية العقلانية , يجب عليه أن يبحث أو يتحقق عن كل شيء بنفسه , وهذا يتطلب منه في المحصلة أن يتخلى عن أي موقف - حتى ولو كان قانونيا أو شرعيا - غير قادر من خلاله أثبات عقلانية هذا الموقف. هذا وأن جوهر العقلانية في طبيعة الحال يكون متزامنا مع تطور الإنسان ذاته, وأن الدين نفسه ابتدأ أساسا كمحاولة عقلانية من أجل تحقيق العلاقات الودية ما بين الإنسان وقوى الطبيعة ذاتها غير المدركة أو المعروفة أسرارها آنذاك من قبل الإنسان , لذلك فكل ديانة من الديانات الميتة تلاشت في الحقيقة بعد أن كشفت أسرار وجودها , أي عوامل إنتاجها .

بيد أن تيار العقلانية قد كسب الكثير من العلاقات والارتباطات مع التفكير الحديث , وفي استخدامه الشائع, غالبا ما واجه كل من أعلن قبوله تطبيق سلطة الكتاب المقدس كمدوّن معصوم وموحى به كرؤى صالحة لكل زمان ومكان, كما ترادف أيضا وبشكل عملي مع التفكير الحر. مع ضرورة التنويه هنا, بأن هذا  الأنموذج من العقلانية راح يؤسس بشكل واسع على نتائج البحث التاريخي والأركولوجي الحديث , فقضية الخلق في كتاب سفر التكوين ‘ترى من خلال هذا المنهج العقلي, عبر قراءة السجل الزمني لهذا السفر, حيث شكلت مسألة الخلق قيمة شعرية ورمزية اكتشفت عبرها الحضارات المتمدنة والأكثر أهمية في قدمها, ومن جهة أخرى , إن دراسة الدين المقارن قد وضعت الكتاب المقدس في علاقة حميميّة مع الأدب القديم أيضا , وذلك لما احتواه من أحداث ذات طابع  قصصي, الأمر الذي جعل من  الكتاب المقدس وفق هذا التصور العقلاني  أقدم وثيقة أدبية .

إن الكتاب المقدس , وبالخصوص , العهد القديم  اعتبر حتى من قبل المسيحيين الأرثوذكس ومن وجهة نظر عقلانية, مختلف جدا في تفسيره ما بين مراحل الكنيسة المبكرة والوسطى , فالعقلانية داخل الكنيسة المسيحية تختلف, ومع ذلك ظلت العقلانية تيارا فكريا اشتغل إلى حد ما على توضيح الحقائق الأساسية للعقيدة المسيحية . أما العقلانية المتطرفة على الجانب الآخر من المسألة, فقد أنكرت بشكل قطعي القوى الخارقة للطبيعة , ومع ذلك, إن كانت هذه القوى موجودة أم لا , فهي تشكل مواضيع معرفة إنسانية .

إضافة إلى الصعوبات المتعلقة بالكتاب المقدس على اعتباره سجلا تاريخيا , وبالمشاكل الأدبية ( القص ) الظاهرة في النص المقدس , ومجموع الانتقادات الأخرى التي وجهت إلى النص عبر تيار العقلانية بشقيه المعتدل والمتطرف , فإن المفكر الحديث ينكر بأن مسيحية العهد الجديد , أو تفسير هذا العهد من قبل اللاهوتيين الجدد قادر أن يقدم نظرية واضحة عن حياة الإنسان وواجباته, أو حتى جزءا من الاستخدام العام للعقلانية باتجاه الدين خصوصا.

إن العقلانية الفلسفية هي ذاتها نظرية معرفة تحافظ على أن يكون العقل في ذاته وبذاته مصدراً للمعرفة , وأن تلك المعرفة المتحصلة هنا عبر هذا العقل, تمتلك سلطة جد عالية على المعرفة المتحصلة عن طريق الإحساس. وهذا الرأي يتعارض في الحقيقة مع العديد من المناهج الفكرية المختلفة التي تعتبر العقل في نشاطه المعرفي هذا وكأنه ( قرص مدمج ), والعالم الخارجي في داخله يطبع نفسه عبر الإحساس . ( نظرية المثالية الذاتية – المترجم ) . هذا وأن مسألة التناقض مابين النظرية العقلانية ( في صيغتها المثالية الذاتية – المترجم ) والنظرية الحسية  تبدو قضية مجردة  وبسيطة جدا, وكثير من المفكرين قد أقر بهاتين النظريتين , حيث دعي هؤلاء بالفلاسفة العقلانيين الحسيين, ووفقا لذلك راحوا يؤكدون بشكل خاص على وظيفتي العقل والإحساس في المعرفة .

بشكل عام, إن العقلانية الفلسفية تعارض هنا النظريات التجريبية في المعرفة , هذا في الوقت الذي اعتبرت فيه إلى حد ما أن المعرفة الحقيقية قد نتجت عن المفاهيم الأولية الأصيلة , وهذا الموقف طرح من قبل " ديكارت " و " ليبنتز " و " وولف " وقد أسس على قاعدة أساسية لـ " ديكارت " مفادها,  بأن المعرفة يجب أن تكون واضحة , وتمارس البحث من أجل أن تقدم للفلسفة اليقين , كما تقدم أيضا تلك السمعة أو الصيت الطيب عن الرياضيات .

أما الهجوم على العلاقة السببية التي قادت بشكل مباشر إلى العقلانية الجديدة لـ " كانت " فقد انطلق من " دافيد هيوم " , الذي قال بأنه من الخطأ اعتبار الفكر مجرد تحليلات مجردة , فالمفاهيم الأولية تكمن هناك , ولكن إذا كانت هذه المفاهيم ستضخم أو تفصل أكثر في نطاق المعرفة , يجب إخضاعها للنقد , أو بتعبير آخر ربطها بالمعطيات النقدية .

هذا وأن مفهوم العقلانية في الوعي اللاهوتي الضيق , قد استخدم بشكل خاص العقائد التي استخدمت من قبل مدارس اللاهوتيين الألمان , ومدرسي الكتاب المقدس الذين اشتهروا بالقسوة ما بين أعوام / 1740 – 1836 / , ومع ذلك اعتبرت هذه العقلانية بمظهرها اللاهوتي داخل الكنيسة في ذلك الوقت تيارا فكريا تنويريا , عرف بـ ( audklarung ) . بيد أن جوهر المشكلة الصعبة,  كانت مسألة العقيدة الخارقة للطبيعة .. مسألة طبيعة العلاقة بين ما يوحى به والدين الطبيعي .

لقد اعتبر " ج – س – سيملير " (J. S. Smeller ) , وهو أول قائد عقلاني, أن الدين الحقيقي ينبع من الروح الفردية , وهاجم سلطة الكتاب المقدس بروح نقدية عالية, وقد وصل إلى قناعة راسخة بأن الكتاب المقدس بالنسبة له يعتبر بكل بساطة واحدا من الوثائق القديمة , علما أنه لم يطعن في الكنيسة , بل اعتبرها شيئا نافعا استطاعت حفظ وحدة المجتمع الخارجية , وهذا الموقف الفكري تبناه الكثير من المفكرين الأوربيين , ويأتي في مقدمتهم الفيلسوف المفكر " كانت " حيث قام بعرض هذه الفكرة على المستوى الفلسفي .

إن التيارين العقلانيين العظيمين اللذين جئنا عليهما هنا, وفي اتجاهيهما النقدي والفلسفي قد تعايشا في النهاية مع بعضهما , أو بتعبير آخر ترافقا مع بعضهما بعضا , بيد أن الملفت للنظر هو أن هذه العقلانية قد أطلق عليها " العقلانية البذيئة " في فترة زمنية من تاريخ الفكر الأوربي امتدت من عام /1800   إلى 1833 / . 

 

ترجمة : عدنان عويّد

15 يوليو 2009