الصفحة الرئيسـية  

بيـانـات

 

 

 
 


فى ذكرى إعلان الإستقلال

 

إذا الشعب يوما أراد الحياة...... فلابد أن يستجيب القدر...... تلك الكلمات الخالدة خلود ليبيا وشعبها، تجسدت واقعا حيا، وحقيقة ساطعة، حين وقف شعبنا فى مواجهة الإحتلال الإيطالى البغيض، رافضا حياة الذل والعبودية، تحت طغيان إستعمارى وجبروت فاشى، فكان الجهاد والتضحية من أجل أستقلال الوطن، هو السبيل لاستجابة القدر لإرادة شعب، صمم على العيش فى كرامة وعزة..، لقد كانت للحركة الجهادية للشعب الليبى سابقات عديدة فى تاريخه، بدءا من العهد العثمانى، وحتى مطالبات الخلاص والكفاح الوطنى من أجل تحقيق الإستقلال، حيث ظل الجهاد والمقاومة، فى وجدان ونفس الشعب الليبى طيلة عدة أجيال، يجسد آماله فى الحياة الكريمة، وأمانيه فى التحرر والإستقلال، فكلما مرت السنون تزايد هذا الدافع وكبر، وتحول الى سبب قوى لبقائه، وصراعه الفريد ضد مستعمر يفوقه عدة وعتاد، وتعبيرا عن رغبة تحررية صلبة فى إقامة دولة مستقلة على أرضه.

 

ونجحت الحركة السنوسية بقيادة المجاهد أحمد الشريف، ومن بعده الملك إدريس السنوسى، وغيرهم من قادة الحركة الجهادية المسلحة فى مختلف أركان ليبيا.. نجح هؤلاء – رحمهم الله - فى ترجمة المشاعر والأحاسيس العميقة، التى كانت تدق فى قلوب الآلاف من الليبيين، وتحولها الى حركة سياسية نضالية، عرفت كيف تأخذ فى الإعتبار الإرهاصات التاريخية التى أفرزت قوة دولية جديدة، تملك مفاهيم ومصالح تختلف بالضرورة عن تلك التى كانت سائدة، فكان إدراكها لحقائق الواقع السياسى الدولى الجديد، وقواعد لعبة السياسة والتاريخ، إحدى المداخل الهامة والضرورية لتدعيم وتعزيز المقاومة الليبية فى نفوس رجالها وأبطالها، غير أن هذه التطورات والتغيرات فى الواقع الدولى – أثناء الحرب العالمية الثانية – والتى أفرزت عالما أكثر توازنا ، وتفهما لقضايا الشعوب، رتب فى المقابل على الحركة الجهادية الليبية، مسئوليات وتبعات على مستوى الأداء النضالى، أو على مستوى تحالفات حركة المقاومة دوليا، ومن هنا دخلت المقاومة الليبية معارك الإستقلال فى أسواء الظروف داخليا ودوليا، فرضت عليها تضحيات جسام، واستحقاقات دولية شكلت عبأ ثقيلا فى مرحلة ما بعد الإستقلال، وبفضل تلك النضالات والتضحيات التى بذلت طيلة سنوات الإحتلال، والحنكة السياسية والدراية الواعية، التى تحلى بها زعماء ورجال الكفاح الليبى، حيث تمكنوا من التعامل مع الواقع السياسى الجديد وأبعاده الدولية، ومن ثم إستغلال متناقضاته لصالح قضيتهم المصيرية.

 

نشأت الدولة الليبية لتكون حقيقة قائمة فى الرابع والعشرين من شهر ديسمبر 1951 ، وفى إحتفال مهيب فى دلالاته، بسيط فى مظاهره الإحتفالية، أعلن الملك إدريس السنوسى رحمه الله إستقلال الدولة الليبية الفتية، فجاءت الى العالم بعد مخاض مؤلم، ومعارك دامية خاضها الليبيين طيلة أربعين سنة من الحروب والمعاناة المريرة.

 

ان الدافع الوطنى الذى منح الإستقلال والحياة للدولة الليبية الفتية، شكل حافزا قويا عند رجال الإستقلال فى معركة بناء الدولة والنهوض الإقتصادى والإجتماعى للشعب الليبى، وكانت معارك بناء الدولة الحديثة أشد شراسة وأعنف فى قسوتها، بسبب شحة الموارد وإنعدام المقومات اللازمة لهذه المرحلة، وكانت الطريق مليئة بالصعاب، إلاّ أن مرحلة الكفاح والجهاد الوطنى، خلفت معين لا ينضب ينهل منه رجال الإستقلال، ومثلا للعزيمة القوية، والإصرار على إتمام المسئولية الوطنية، وتكريس الذات من أجل الدولة والشعب، دون التخلى عن الدور التاريخى المنوط بهم، أو التراجع عن التصدى لهذه المرحلة، وما تفرزه من مشاكل وقضايا سياسية وإجتماعية، بروح الجهاد وإرادة الإنتصار الذى تحقق، فأصبحت هذه المرحلة بحق، مرحلة امتداد لقيم ومضامين نضالية، لتكريس الإستقلال والسيادة الوطنية، وتحقيق العدالة الإجتماعية والبناء الإقتصادى، فبرغم التجاوزات والنقائص والعثرات والأخطاء التى ظهرت أو لاحت بين فترة وأخرى، إلاّ أن البلاد إجتازت فى فترة قصيرة، لم تتجاوز الثمانية عشر عاما، خطوات واسعة نحو مستقبل أفضل، وواصل التحول الديمقراطى السياسى، والنمو الإقتصادى والثقافى تطوره، ولاحت فى الأفق دلالات واقع جديد، يحمل معه آمال وآمانى مجتمع بدأت تتضح معالمه، وتتحدد أبعاده يوم بعد يوم،  وبدأت ليبيا تسير مع الزمن الى الأمام، وتتدرج مع الطبيعة فى النمو.

 

غير أن المصالح الدولية والمطامع الإقليمية، التى كانت تستهدف المملكة الفتية، كان لها التأثيرات السلبية على حركة النظام والمجتمع الليبى، فتم إستثمار الإنتكاسات والتجاوزات والعثرات والأخطاء، التى رافقت مسيرة التحول والبناء للدولة الليبية ، وتعرضت البلاد الى سلسلة من الدسائس والمؤامرات الخارجية، والضغوطات الداخلية، حتى نجحت قوى الظلم والظلام فى قلب نظام الحكم، والإستلاء على السلطة فى اليوم الأول من سبتمبر 1969 ، وبذلك بدأ عصر من الإنحطاط، والتخلف والجهل والفوضى، الذى أوقف عجلة التقدم، لتشمل كافة جوانب الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية، وعاد بالبلاد الى عهود الإستعمار، وإمتهان كرامة الإنسان الليبى، فعلى الصعيد السياسى، أبطلت سطوة الدستور، وسقطت البلاد فى قبضة حكم فردى فاشى مريع.. وعلى الركن الإقتصادى، عم الفساد المالى والإدارى كل مرافق الدولة، وبذلك فقدت الدولة قوة الدفع الإقتصادى التى أكتسبتها مع البدايات الأولى للإستقلال، وأصبحت العمولات والرشاوى المالية أسلوب التعامل، وأساس العمليات والمشاريع الإقتصادية.. وعلى الجانب الإجتماعى، تدهور التعليم، وعمت البطالة بين صفوف الليبيين، وصاروا يكابدون الدين، ويعانون الفقر، ويقاسون المذلة، وتفشّت فى أوساط المجتمع أمراض وآفات لم يكن يعرفها قبل مجىء سلطة الإستبداد الفاشية البشعة.

 

إن الواقع الليبى المرير الذى يعيشه ويحياه المواطن والوطن منذ قيام سلطة سبتمبر، أجهض بأفعال السلطة الانقلابية وممارساتها، تجربة رائدة، وسد الطريق أمام محاولات جادة للتقدم صوب إقامة مجتمع ديمقراطى، وساهم فى إنقطاع مسيرة التحول التى بدأها رجال الإستقلال، وهذا الواقع  البشع، هو الذى يدفعنا الآن الى إستدعاء الماضى المجيد، وإستحضار ذلك الجهاد والكفاح، لحشد العزائم، وتصعيد نضال شعبنا بمختلف فيئاته وتياراته الوطنية، لتحطيم مؤسسة الإستبداد.

 

إننا جميعا نتذكر يوم الرابع والعشرين من ديسمبر 1951 ، كمصدر للإلهام والإصرار على مواصلة المقاومة الفعالة، وإننا لن ننسى ذلك التاريخ المجيد، ميراث الأجداد والآباء، لنغرسه فى عقول ونفوس أبناءنا وأحفادنا بفخر وإعتزاز، فتحية تقدير وتبجيل فى يوم الإستقلال الى صناع تاريخ ليبيا الحديثة.

 

التحية والتقدير لرجالنا ونسائنا الذين يتحملون مسئولياتهم النضالية في مواقع متعددة داخل الوطن،  ضد أجهزة القمع والاستبداد والفساد، والتحية والتقدير لكل المناضلين الشجعان الذين يقفون منذ سنوات وسنوات خلف الأسوار وداخل السجون ومعسكرات الاعتقال في شموخ وكبرياء وإصرار، دفاعا مجيدا ونضالا بطوليا في سبيل قضية الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

 

عاش نضال الشعب الليبى من أجل اسقاط الاستبداد

المجد لشهدائنا الابرار

وعاشت ليبيا

 

24 ديسمبر 2005  

جماعة الوطنيين الديمقراطيين الليبية