الصفحة الرئيسـية  

بيـانـات

 

 

 
 

منصور رشيد الكيخيا

ضحية القمع والخياتة

 

فى مثل هذا اليوم من أيام شتاء القاهرة، وتحديدا فى العاشر من ديسمبر 1993 ، نفذت أجهزة القمع القذافية جريمة إختطاف المناضل منصور رشيد الكيخيا، الذى كان يشارك فى فعاليات مؤتمر المنظمة العربية لحقوق الإنسان، حيث كانت مشاركته تلك، إحدى المساهمات المتكررة والصادقة التى تنطلق من إحساسه الهادى والعميق بالواجب القومى الهادف الى تدعيم استقلال الوطن، واحترام وتقديس حرية المواطن، فى مواجهة السلطة الحاكمة وطغيانها المستبد بكل قيم ومفاهيم العدالة الاجتماعية والحرية السياسية، والرافض لممارسات قوى الظلم والظلام فى أوطاننا العربية الغير مشروعة، بداية من إنتهاك الدساتير ( إن وجدت ) وانتهاء بإنتهاك المقدسات والحريات، مرورا بالاعتقال والتعسف والقتل والاختفاء القسرى ... وغيرها من أبشع صنوف القمع تكريسا لسطوتها وهيمنتها، وفى هذا تبذل الأنظمة العربية أقصى مستويات التعاون فيما بينها، وتتجلى أعلى درجات التنسيق بين أجهزتها القمعية، دون النظر الى أى إختلاف أو تباين فى طبيعة وأشكال نظمها السياسية، أو تحقيق أدنى مستويات التعاون بينها فى مجالات أخرى تكون أساسا سليما للارتقاء بالحياة السياسية والاجتماعية داخل أوطانهم.

 

إن الجريمة التى ارتكبت ضد منصور، هى واحدة من جرائم القمع والترويع والتطويع، التى ارتكبت فى مواجهة كل مواطن ليبى غيور، يقف متصديا لسياسات وممارسات قمعية وتعسفية، حيث كان منصور أحد الضحايا الذين سقطوا بفعل سياسات القمع والتواطؤ التى توصم بها هذه الأنظمة، وتم بحقه الاختفاء القسرى دون النظر لأية اعتبارات مستقبلية أو إنسانية.

 

لقد أسهم منصور فى خلق جبهة معارضة واسعة لمناهضة الفكر السلطوى والممارسات الفردية التى أنتهجتها سلطة سبتمبر فى النصف الثانى من السبعينات، فقد كان من الأوائل ممن كان لهم شرف تحرير أنفسهم، وممن عملوا على تحرير غيرهم من قبضة النظام فى ليبيا، فقد ترك النفوذ والسلطة التى ترتكز على تكريس عبادة الفرد، وتقوم على امتهان كرامة المواطن وإنتهاك حقوقه الأساسية، وتنـتقص من حرية الوطن، وتجعل من قدرات وإمكانيات المجتمع فى خدمة طموحات وأحلام فرد ( ثم العائلة بعد ذلك ) يعبث بها كيفما يشاء، وفى الوقت والاتجاه الذى يريد، دون الالتـفات الى الدواعى المستقبلية، والاحتياجات الحضارية التى يفرضها الواقع السياسى العالمى اليوم، والتى لا مناص من أن يتسلح بها أى مجتمع يسعى للبقاء والاستمرار، فى عالم يملك مخزونا هائلا من التناقضات فى المصالح والأهداف، ومن هنا فقد إنحاز منصور الى صفوف الشرفاء ممن سبقوه فى خنادق العزة، ومواقع الشرف الوطنى، الرافضين لسياسة الاستبعاد والاستعباد، التى يمارسها القذافى على معاونيه وأتباعه قبل غيرهم. فقد تبنى منصور منهجا سلميا فى معارضته لمؤسسة الإستبداد، داعيا الى نبذ العنف والعنف المضاد، ساعيا الى تحقيق وحدة العمل الوطنى وبلورة أهدافه، فكانت الكلمة الحرة الشريفة سلاحه، والحوار العقلانى منهجه، وكان التواصل والتفاهم بين الجميع إحدى ركائز صراعه مع قتلة العقل والمنطق، فكان مناضلا بمواقفه، قويا بإيمانه بقضايا شعبه، فاجتمعت ضده كل عناصر الغدر والخيانة، وتمكنت منه وهو واقفا بصلابة فى الموقع الذى اختاره، من أجل تدعيم الحريات وإرساء قواعد الديمقراطية وإعلاء حقوق الانسان، ليس فقط فى وطنه ليبيا بل داخل وطنه العربى.

 

إن عداء نظام سبتمبر المبكر للدستور والقواعد القانونية، كان تعبيرا واصرارا على الانفراد بالسلطة، وشكل بعد ذلك منعطفا خطيرا، رسم الصورة المظلمة لمستقبل الحركة السياسية فى ليبيا عندما نصبت المشانق فى الميادين والساحات، وأمتلأت السجون والمعتقلات بسجناء الرأى والضمير، الذين قضوا سنوات داخلها دون مراعاة لأبسط القواعد والإجراءات القانونية التى تكفلها القوانين والأعراف والدساتير الديمقراطية... وغيرها من الجرائم والمآسى عاشها ويعيشها شعبنا منذ أكثر من ربع قرن، تحت مسمع ومرئى المؤسسات والهيئات والأجهزة والمنتديات الدولية والعربية المعنية بمواجهة إنتهاكات الحريات الأساسية، والحامية لحقوق الإنسان، والمتباهية بمواقفها المناهضة لحكم الفرد، ودعواتها لإرساء المجتمع الديمقراطى، وإعلاء قيمة الإنسان.

 

فالجميع إزاء الحالة الليبية يمسك بجدار الصمت، ويتوارى خلف كثبان اللامبالاة وتجاهل لما يحدث، إن هذا الموقف المدان، والمتكرر تجاه سياسات نظام سبتمبر، وكذلك المواقف الانتقائية والمعايير الإزدواجية التى تعتمدها هذه المنظمات والهيئات الدولية والعربية، يدفع الجميع الى فقدان الثقة بمصداقية القضايا التى تطرحها، والمقاصد والغايات المرجوه منها، ومن خلال الفهم الصحيح، نصل الى إدراك طبيعة الأداء الوظيفى لهذه الأجهزة والمنظمات والمنتديات الدولية والعربية، والوعى بالأهداف والنوايا الحقيقية الكامنة داخل القضايا والدعاوى التى تتـبناها خدمة لمصالح سياسية واستراتيجية لقوة دولية، وتعطينا التفسير الحقيقى لأدائها الحركى فى منطقة جغرافية دون غيرها من المناطق، وتدفعنا لعدم الوقوع فى وهم مناشدتها، ومطالبتها لنصرة قضايانا العادلة والواضحة، فالإعتماد على المخزون النضالى لشعبنا وحده ( دون غيره ) يحقق لنا تعديل المعادلات الدولية وتغيير مسارها، ومن هنا فإننا نؤكد على مواقفنا الصريحة والجادة، فى مواجهة هذه المنتديات والمنظمات العربية والدولية عندما تتبدل المصالح وتتغير الأولويات وتبرز لديهم أهمية توظيف مآسى ومعاناة شعبنا.

 

إننا على ثقة، من أن الإرادة الصلبة والعناد النضالى لشعبنا لمواصلة البذل والعطاء فى سبيل إنتزاع حقوقه المسلوبة، وتحقيق دولة الديمقراطية والمؤسسات، والمساواة الإجتماعية، عندها سوف نجعل من يوم إختفاء منصور رشيد الكيخيا يوما لرد الدين ومحاسبة الجميع.

 

التحية والتقدير لرجالنا ونسائنا الذين يتحملون مسئولياتهم النضالية فى مواقع متعددة داخل الوطن، ووسط أجواء القمع والاستبداد والفساد. والتحية والتقدير لكل المناضلين الشجعان الذين يقفون منذ سنوات وسنوات خلف الأسوار وداخل السجون ومعسكرات الاعتقال فى شموخ وكبرياء وإصرار، دفاعا مجيدا ونضالا بطوليا فى سبيل قضية الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان.

 

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار

وعاشت ليبيا

السبت 10 ديسمبر 2005

جماعة الوطنيين الديمقراطيين الليبية