الصفحة الرئيسـية  

بيـانـات

 

 

 
 

 

ســعياَ للخيار الثالث
 

عندما إلتقينا في 16 سبتمبر 2005 لتأسيس جماعة الوطنيـين الديمقراطيـين الليبـية، التي آمنت بالوطن وعزته وحريته، وذلك تواصلاَ لتاريخ نضالي بدأناه منذ أكثر من ثلاثة عقود، كان دافعنا الأساسي هو أن بلادنا تستحق نظاماً أفضل بكثير من النظام المفروض علينا، فليبـيا عامرة بالكفاءات، وعلى كل المستويات، فيما لو توفر لأبنائها الحياة الحرّة الكريمة، لكن نظامها صمّم منذ سنواته الأولى على مصادرة أي نوع من أنواع الحرية، وعلى هدر كرامة المواطن والوطن على حد سواء.
 

ورغم إن الزمن قد طال، ونحن بين منفي ومطارد ومعتقل، فقد بقت مواقفنا ثابتة على المبادئ التي حملناها صادقين في عهدنا الذي قطعناه على أنفسنا.

ولقد كتب علينا أن نواجه نارين في آن معاً، نار النظام المستبد الظالم الذي عانى منه كل الليبـيين، ونار الدوائر الاستعمارية التي حاولت استغلال معاناتنا من هذا النظام، وضيق السبل المحيطة بنا، من أجل إيقاعنا في شراكها وأفخاخها لاستخدامنا في معركة ابتزاز النظام للسيطرة على مواردنا ومقدراتنا.
 

ولقد صمد تنظيمنا ، جماعة الوطنيـين الديمقراطيـين الليبـية أمام النارين معاً فبقي محافظاً على مبدئيته الرافضة للاستبداد وللإرتهان في آن معاً، حتى انبلج فجر 17 فبراير 2011، معلنا إنتفاضة الشعب الليبي المباركة التي جاءت في سياق ثورة شعبية عربية كان من حظ ليبـيا أنها بدأت في قطرين مجاورين لها هما تونس ومصر، بكل ما بين الليبـيين وأشقائهم في مصر وتونس من روابط تاريخية وجغرافية وعائلية ومصيرية واستراتيجية.
 

وبدا مع الانتفاضة الشعبية الرائعة للشعب الليبي التي عمّت شرق ليبـيا وغربها في الأيام الأولى بأن فجر الحرية قد أطلّ وأن شمس الكرامة قد أشرقت، لكن سرعان ما بدأت الأمور تنحو منحى لم يتمناه الليبيون الثوريون ، فقد فرض عليهم التحول من ثورة سلمية، على غرار ثورتي تونس ومصر، إلى عسكرة الانتفاضة التى أدت الى مواجهات عسكرية أليمة أودت بحياة الآلاف من أبناء شعبنا، مدنيين وعسكريين، نساء ورجالاً و أطفالاً و شبابا وشيوخاً.
 

وبدلاً من أن يمتنع النظام عن سياسة القتل الجماعي لشعبه، والقصف المدمّر لمدنه، أعلن زعيمه وأعوانه الحرب على الشعب الليبي واصفاً إياه بالجرذان، متوسلاً الدعم الخارجي مقدماً نفسه كحاكم لأمن أوروبا والبحر المتوسط وصولاً إلى أمن الكيان الصهيوني ذاته.
 

وبالمقابل بدلاً من أن تهبّ الدول العربية والإسلامية إلى تحمّل مسؤولياتها في حماية الشعب الليبي، وجدناها عبر جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، تفتح الطريق واسعاً لتدخل عسكري خارجي، بدأ تحت اسم حظر الطيران و حماية المدنيين ليتحول إلى دمار شامل لمرافقنا ومدننا و سكانها سواء كانوا مدنيين او عسكريين ، وبدا التدخل في البداية تحالفاً دولياً ليتحول فيما بعد إلى حلف أطلسي يحاول أن ينفّذ في ليبـيا سياسات تدميرية مماثلة لما يمارسه في عدة أماكن من العالم، وخصوصاً في أفغانستان وباكستان، بعد ما فعله في العراق.
 

ووقع الشعب الليبي، ومعه تنظيمنا ، جماعة الوطنيـين الديمقراطيـين الليبـية ، من جديد بين نارين، نار استبداد النظام وجرائمه من جهة، ونار التدخل العسكري الاستعماري الذي استظل بعباءة الجامعة العربية، و شجع إطلاق النظام المستبد القمعي على استخدام  آلة القتل والدمار دون حدود و بوحشية لم تجعل ممكنا للشعب الليبي رفض التدخل للتخفيف من وحشية النظام و لعل هذا ما سهل لبعض الأفراد و التجمعات أن يصوّروا المحتل منقذاً، وأن يرفعوا فوق أرض ليبـيا أعلاماً ناضل الليبيون طويلاً، ومعهم أبناء أمتهم العربية والإسلامية، كي لا يروها ترفرف في سماء بلادهم.
 

ولكننا إزاء هذا الواقع المرير، والمعادلة الصعبة، تمسكنا بالمبادئ التي طالما استشهد في سبيلها الليبـيون وقدموا من أجلها الغالي والنفيس من المهج والأرواح، فرفعنا صوتنا عالياً: لا للاستبداد والفساد في بلادنا، ولا للتدخل الأجنبي بكل أشكاله العسكرية والسياسية والقضائية في شؤوننا الوطنية.
 

قد يأخذ البعض على موقفنا هذا مثاليته أو بعده عن الواقع، ولكن هل يريد منّا هؤلاء أن نشرّع للأجنبي تدخله باسم محاربة الاستبداد أو أن نسكت عن الاستبداد بذريعة رفض التدخل الأجنبي.

وقد لا يفهم بعض السياسيين موقفنا بمعايير السياسة الرائجة، والواقعية المخادعة، ولكننا ندرك أن موقفنا هذا هو موقف يعيه و يدركه الشعب الليبي بفطرته السليمة  و هو موقف تأسيسي للقادم من الأيام.
 

فإذا استمر الاستبداد – لا سمح الله – فنحن نؤسس لمقاومته بشعبنا وإرادته وتاريخه الزاخر بمقاومة الطغاة، وإذا حاول الأجنبي أن يعيد الاستعمار إلى بلادنا بذريعة أنه أنقذنا من الاستبداد، فنؤسس عبر هذا الموقف لمقاومة هذه المحاولات تحت أي اسم ظهرت، وبأي ذريعة سعت لتقديم نفسها.
 

إن موقفنا هذا هو المعبّر الحقيقي عن مكنونات شعبنا الليبي الأبي كما نراها، كما هو عون لكل الأحرار ممن يتسلمون هذه الأيام مسؤولية المجابهة، ناهيك عن أنه أيضاَ ضمانة لكي لا يستخدم الغزاة الاستعماريون أرضنا للتآمر على ثورات الأقطار المجاورة في تونس ومصر، ونهب ثرواتنا و ثرواتهم ومواردنا و مواردهم ولتمزيق وحدتنا، وضرب استقلالنا كما رأينا في العراق.
 

بل إن موقفنا هذا يحذّر من اللعبة المزدوجة التي تقوم بها القوى الغربية حيث تسعى لإطالة أمد الأزمة، لإضعاف ليبـيا أولاً، وتدمير قدراتها ثانياً، ولابتزاز طرفي الصراع لأطول فترة ممكنة، فيسعون إلى إجراء ترتيبات المرحلة القادمة على غرار ما حدث في قبرص " قبرصة ليبـيا " في أحسن الأحوال و في أسوأها تقسيم ليبيا وقد بات الشعب الليبي منهكاً مدمراً تواقاً إلى الخروج من محنته بأي ثمن.
 

إننا إذ نضع هذه الأفكار والحقائق أمام شعبنا الليبي العظيم، الذي يواجه شبابه بصدورهم العارية واحداً من أعتى ألآت القتل والدمار في عصرنا الحاضر، فإننا ندعو أبناءه عامة، والشباب منهم بصورة خاصة، أن يختاروا طريق الخيار الثالثً لمستقبلهم، طريقاً لا استبداد فيه ولا فساد، ولا استعمار فيه ولا وصاية.وإن ثقتنا بشعب ليبـيا المجاهد عظيمة، ورهاننا على انتصاره المؤزر كبير بإذن الله.

 

المجـد لشهدائنـا الأبـرار

 

وعاشـت ليبـيا

 

الاُثنـين 20 يونيه 2011