الصفحة الرئيسـية  

وجهـات نظـر !

 

 

 

تعويضات أم تصعيد للأزمة ؟

 

 

مُقدمة :

خرج النظام الليبي مهزوماً بمعركته ضد انصار حرية الكلمة والتعبير ، ومحاولته كسر شكيمة وإرادة رجال ليبيا ، الذين خطفهم و (طمرهم) بزنزناته . وكمهرب من هزائمه  وخساراته ، اراد النظام أن يتخلص من عبء الإعتقالات السياسية التي ارتكبها والتخفيف من فترة السبعينات المظلمة والدموية والتي لحقت ابناء ليبيا بالخارج وبالداخل ، فحاول إغلاق ملفات الإعتقالات الغير قانونية ، وإعلانه بدء مسار جديد مغلف بكلمات وبعبارات فضفاضة ، مثل الإصلاح السياسي ، والحرية والديمقراطية ، والحوار والتنمية وما اليها من شعارات لا تخدم سوى اهدافه . وبعيداً عن الأحقاد والثأر، دعى الى نسيان الامس وطي صفحته وبدء اخرى نظيفه . لذا تشهد ليبيا هذه الايام فصلاً جديداً من مسلسل التعويضات ، المقدمة من النظام للسجناء والمعتقلين السياسيين ، تعويضا ً لهم لما عانوه اثناء سجنهم . قرارات التعويضات شابها منذ البداية الإنحراف بالسلطة وإساءة إستعمالها ، ليصبح الامر مجرد تصعيد لأزمة قضية  السجناء و لما تعرضوا اليه من ظلم وحيف وأذى ، في شكل تعويضات بخيسة لا تفي بالغرض الذي انشئت من أجله . وحيث أن قضية التعويضات قضية مهمة  كونها تتصل بالحقوق ، فكان لابد من تسليط الضوء عليها . لا ننسى أن قضية تعويض السجناء السياسيين تُعد واحدة من أهم القضايا الخلافية بين القوى السياسية والأنظمة الشمولية ، كما أنها باتت مشكلة تؤرق بال الاسر ذات العلاقة وذات الصلة المباشرة بقضايا السجناء السياسيين . وما يجعل الموضوع صعباً هو تغليب الجانب السياسي على الجانب القانوني بها ، وحيث ما دخلت السياسة في قضية من القضايا  باي مكان ، الا وهُضِم الجانب الاضعف بها  فما بالك في بلد مثل  ليبيا..؟

 

وإبتداء وعلى الرغم من التحفظ على ما جاء في وثيقة النظام الخضراء الليبية لحقوق الإنسان (الدستور الثوري) ، وعلى ما جاء بالعهود الدولية والمعتمدة من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة ، خصوصاً المادة (9) التي نصت على أن( لكل شخص كان ضحية توقيف او إعتقال غير قانوني حق بالتعويض ) .عليه  فأن اسئلة كثيرة تقوم بطرح نفسها بنفسها لعل أهمها : فاذا ما نصت الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان على قداسة حرية الأفراد ، وعلى ان المجتمع الجماهيري يحرم إلحاق الضرر بشخص السجين مادياً ومعنوياً ، فلماذا اُلحقت الأضرار بالسجناء ؟ واذا ما نصت صراحة ايضاً على قداسة حياة الإنسان واوجبت المحافظة عليها ، فلماذا اهدرت حياة الكثيرون بالمعتقلات دون وجه حق ؟ وإذا ما ضمنت حق الفرد بالتعبير العلني وبالتفكير وبالحوار الديمقراطي ، فلماذا سُلبت هذه الحقوق من ابناء الشعب الليبي ، واودعوا المعتقلات والاقبية والسجون ، لمجاهراتهم بارائهم ومعتقداتهم ؟ وكيف يقوم موظفي الدولة بخرق قوانين الوثيقة الخضراء التي نصت على حق المتهم بالتقاضي ، لينتهي الكثيرون على أعمدة المشانق بعد صدور أحكام صورية لا تتوافر بها اية مقومات الحق او القانون أو العدالة ؟ ولماذا أعتقل المعتقلون  ؟ وما هي التهم المنسوبة اليهم ومن صاحبها ؟ ولماذا لم يواجهوا بها ؟ ولماذا لم يحالوا الى المحاكم لمحاكمتهم اذا ما توافرت بهم الصفة الإجرامية ؟ وهل عومل السجناء بمقتضى القانون داخل المعتقلات ؟ ولماذا تم تعذيبهم ؟ وكم كانت مدة سجنهم ؟ وهل سمح لذويهم بزيارتهم؟ وهل وصلتهم مقتنياتهم الشخصية من مأكل ومشرب التي زودهم بها اهاليهم ؟ ومن يقوم بتقدير قيمة التعويض ؟ وكيف ؟ ولماذا قرر النظام تعويض هؤلاء ؟ وغيرها الكثير من الاسئلة ذات العلاقة ..

 

اسئلة كثيرة تفرض نفسها  علينا والإجابة مرة مرارة الواقع الذي نعيشه في ظل هذا النظام الليبي . فنحن نعرف ان جميع الإعتقالات كانت نتيجة شكوك او بلاغات كيدية  ولم تخضع لأية ضوابط قانونية ، بل ان الامر في بعض الاحيان لم يتعدى مجرد اقوال مرسلة من قبل عضو بلجنة ثورية اراد الإنتقام من غيره ، او من أجل الوصول الى منصب ما او وظيفة معينة . فجميع السجناء لم يعرفوا لماذا اعتقلوا ، ولم يعرضوا على نيابة للتحقيق معهم ، ولم توفر لهم اية ضمانات اثناء الإستجواب الشرس على ايدي اللجان الثورية ، وعلى ايدي رجال أجهزة المخابرات ، وتعرضوا لابشع انواع التعذيب والإكراه البدني والنفسي الذي لا يمكن وصفه ، ناهيك عن ما تعرضت اليه عائلاتهم من تهديد وظلم وحرمان من زيارة ابنائهم ، وتكاليف باهظة نتيجة التنقل والسفر للبحث عنهم ..

 

مسؤولية النظام :

وإذا كان النظام الليبي هو المسؤول الاول والأخير بتحقيق أمن الوطن وكرامته وسلامته ، فهو ايضا مسؤول عن إنتهاكات موظفيه ،فأن مجرد ثبوت الإعتقال في حق السجناء المُفرج عنهم ، فهو داعي للتعويض . فالإعتقالات السياسية كانت إستناداً الى قوانين إستثنائية هدفها حماية النظام وقيادته . ومن المستقر عليه أن مناط المسؤولية هو جهة الإدارة التي يتبعها الامن الداخلي ، وجهاز المخابرات العسكرية ، واللجان الثورية ، أمر نتج عنه قرارات غير مشروعة ، اتسمت بقدر من الجسامة ، الامر الذي نتج عنه إلحاق الاضرار بالمعتقلين ، وإذا كان الضرر اساس المسؤولية المدنية والجنائية ، فأن مسؤولية ضرر النظام واجهزته يتحمله النظام الليبي دون غيره ، لأن جميع هذه الأجهزة تتبعه . فهو المسؤول عن اي ضرر يصدر من رجال امنه اثناء تأديتهم لوظائفهم ، ويكون مسؤولاً ايضاً إذا كانت الوظيفة قد هيئت الفرصة لرجال الامن للاضرار بالاخرين ، حتى لو لم يكن ما قاموا  به ، غير مطلوب منهم ، مادام النظام الليبي له سلطة فعلية في الرقابة عليهم وتوجيههم ومحاسبتهم ، وما دام يملك حق الإفراج عن السجناء ولكنه تقاعس عن ذلك ، او عزل وطرد موظفيه الذين عينهم لتولي امر سجن السجناء وإستجوابهم وتعذيبهم ، والذين تجاوزا الصلاحيات المنوطة بهم ..

 

تعريف السجين أو المُعتقل السياسي :

هو كل شخص تم تقييده  بمدة زمنية سالبة لحريته ، وكل شخص تم إعتقاله أو سجنه بسبب معارضته للنظام ، وكل صاحب رفض أو ممانعة للسلطة ، أو كل من تعاطف مع من يعارض النظام ، وكل من لا يوافق الوضع السياسي الراهن في ليبيا ، وكل من وضع موضع الشك بعدم ولائه للنظام الليبي ، وهو امر عرض الكثيرين للإعتقال والتعذيب لمدة طويلة ، بل وصلت العقوبات الى الإعدام والتصفية خارج نطاق القانون ، بسبب أيمان هؤلاء ، ومعتقداتهم النابعة من ضمائرهم . قد يرجع السبب وراء القبض على هؤلاء تهم كيدية او ملفقة تقوم بها أجهزة المخابرات ، من أجل فرض الهيمنة والسيطرة على البلاد . لينظر الى هؤلاء بوصفهم مجرمون من الدرجة الأولى ، فهم الخونة وأعداء الوطن وأعداء السلطة الشعبية . ويمكن التفريق في عجالة بين السجين السياسي والمعتقل السياسي . فالسجين هو من صدر في مواجهته أحكام بالسجن مدة ، قد تطول وقد تقصر ، حيث يتم تحديدها بناء على حكم محكمة معينة ، غالباً ما تكون محاكم إستثنائية تنعدم بها أبسط مقومات التقاضي , فغالباً ما يتم شرعنة اساليب التعاطي مع هؤلاء  عن طريق قوانين ومحاكم ونيابات أعدت لهذا الغرض ،طالما ان السطلة السياسية في ليبيا هي من يسعى الى إلصاق التهم بالنشطاء السياسيون كي تندرج بحلقاتها الى الخيانة العظمى . اما المعتقل السياسي ، فهو من تم إعتقاله دون محاكمته ، او صدور حكم قضائي يدينه، وفي كلتا الحالتين فأن السجناء السياسيين ، والمعتقلين السياسيين ، كثيراً ما يتعرضوا الى شتى صنوف التعذيب والأذى البدني والنفسي على يد جلاديهم .
 

إتلاف للجهاز العضلي ام النفسي؟

أثار الإعتقال :

تترك السجون أثاراً بالغة السوء بذاكرة وجسد المعتقل ، فبالإضافة الى ما يتعرض اليه السجين من إنتهاكات على يد جلاوزة النظام فأنه يتعرض الى التعذيب والإستجواب القسري الذي يمتد لشهورا عديدة وبظروف قاسية جداً  ، اثناء الإعتقال غير القانوني اصلاً . ويرافق ذلك عزل السجين ومنع الزيارات عنه ، بل وإيداعه بزنزانة إنفرادية ولمدة قد تصل الى سنوات . ليصبح الخطر دائماً غير منحصراً على مدة سجن السجين فقط ، بل يتعداها الامر ، الى ما بعد ذلك ، حين يخرج السجين الى الحياة الخارجية بعد الإفراج عنه . فكثيراً من المفرج عنهم اصابهم الإحباط والقنوط واليأس حين وجدوا ان كثيراً من المعايير التي سجنوا من أجلها اصبحت غير ذي فائدة ، نتيجة لتغيير مكانة وقيم الفرد بالمجتمع . بل ان المراقبة المستمرة عليهم من قبل الأجهزة الأمنية ، ومطالبتهم بمراجعتها ، وتحديد اماكن تحركاتهم وتصرفاتهم ، امر يترتب عليه ضغوط نفسية مزمنة ، تجعل كل واحد منهم حبيس الخوف والقلق ، ناهيك عن الشعور بالسجن ، خارج اسوار السجن لحصرهم بأماكن معينة ومنعهم من السفر والتنقل . وهناك التكيف بالواجبات الاسرية سواء الزوجية او الابوية ، لعل  أهمها كثرة حالات الطلاق بين الزوجين، اثناء فترة إعتقال السجين . وحالات تفاقم المشاكل بين الزوجين ، كون الزوجة قد تعودت الإستقلالية إقتصادياً واسرياً، ليصبح وجود الزوج بما يحمله من أرث نفسي ومعاناة والآلام مصدر للمشاكل وتفاقمها ، فالحرمان الذي تعرض اليه السجين بكل صنوفه ،واغتصاب أماله ،وشح الخيارات امامه والضغوط التي مورست عليه ، لها باع كبير في تشكيل نفسيته . وكثيراً ما ساهم وضع المعتقل الإقتصادي العامل الاكبر والحاسم بخلق المشاكل ، طالما أن السجين لم يجد عملاً  او انه لم يستطع الرجوع الى عمله السابق ، او انه خرج عاجزا ، او مريضاً بمرض مزمن يحول بينه وبين الكسب . وهناك ايضا علاقة المعتقل مع أطفاله الذين شبوا بعيداً عن توجيهاته وسيطرته ، لتنقطع تلك العلاقة والرابط بينهما ولينفصم مستوى التواصل مع الابناء الذين شبوا غرباء عن الأب  .

 

قرار ام حُكم ؟

 وعودة الى قضية قرارات التعويضات ، والتي هي عبارة عن قرارات وليس أحكام صادرة بموجب حكم قضائي ، اي ان التعويضات وما يقابلها من تنازل عن حق مقاضاة الدولة تدخل فيما يعرف عملية الصلح والتنازل عن الحق ، وحيث أن المعتقل يكون همه الاول هو خروجه من معتقله ، الا ان الامر يبدو مختلفاً بعد فترة من خروجه ، حيث يبدا سعيه من أجل اثبات برأته وتعويضه عما لحقه من أذى وعما فاته من كسب . علي الإشارة هنا الى ان الحكم ليس هو مصدر الحق في التعويض ، وإنما نشوء الحق يبدأ منذ وقوع الضرر على السجناء . فالحكم القضائي إذا صدر ، فأنه يكون مقرراً للحق ، لا منشيء له. والحق في قضية معتقلي ابوسليم نشاء اصلاً منذ اللحظة التي تم بها القبض غير القانوني ، والإستجواب غير القانوني ، والتعذيب الغير إنساني ، والسجن لسنوات طويلة بدون وجه حق . من هنا فأن النظام ملزم بالتعويض منذ وقت قيام اركان المسؤولية الثلاثة ، وإذا اردتم التحديد ، فأنه يمكني القول بأن التعويض يجب منذ وقوع الضرر لا منذ وقت وقوع الخطأ. فجرائم القبض التي قام بها أعوان النظام كان محققاً بها وقوع الضرر منذ اللحظة الأولي التي يستلم بها رجال الامن ، واللجان الثورية ، والبوليس السري السجناء . هذا القول يترتب عليه ان لجميع السجناء المفرج عنهم ، لهم بجانب التعويض الاصلي عما لحقهم ، لهم الحق بتعويض أخر عن (التأخير) يسري منذ وقت وقوع الضرر . فكلما زادت المدة كلما اصبح للسجين حق بالتعويض المتأخر ، لمماطلة النظام ولمحاولته دفع تعويضات لا تفي بغرضها ولا تناسب حجم الاضرار التي من اجلها دفعت التعويضات ، التي يجب ات تشمل جسامة الاضرار وليس الاخطاء .لأن الخطأ قد يكون بسيطاً ولكنه ترتب عليه ضرراً جسيماً للمضرور .

 لذا  فأن النظام مدعو وبشكل صريح ومُلِح ، للتعامل مع قضية السجناء السياسيين وتعويضهم بشكل قانوني تكتنفه روح العدالة وإحقاق الحق ، لا روح التكبر والغطرسة والإنتقام ، ومواصلة إنتهاكاته لهم في شكل تصرفاته وعروضه التي نسمع بها الان ، والتي اتت في شكل تعويضات زهيدة الثمن لا تفي بتقدير قيمة الضرر الذي تعرضوا اليه ، ولا الى ما فاتهم من كسب ولا الى ما اصابهم من خسارة .
 

الضرر :

الفقه الإسلامي عرف الضرر بأنه كل ايذاء يلحق بشخص ما ، سواء في ماله او جسمه او عرضه او عاطفته فتسبب له خسارة سواء بالنقص او بالتلف .. كما هو معروف فأن التعويض يجب ان تكون ركيزته قاعدة ( إزالة الضرر ) أو (ان الضرر يزال) أو (أن الضرر يدفع قدر الإمكان) هذا الأمر جعل الإهتمام بالضرر مناط الضمان سواء ارتبط به خطأ ام لا . فما دام الفعل الإجرامي ادى الى ضرر، فأن من وقع منه الفعل ، اي كل من قام بالتعذيب والامر بايداع بالسجن ،  مثل اللجان الثورية واجهزة الامن الداخلي وغيرها من مؤسسات الدولة البوليسية ، مسؤولين عن التعويض . و حينما اتحدث عن الضرر فأنني اتحدث عن الضرر المادي والادبي الذي لحقهم . فالضرر المادي هو كل ضرر نتج عن سجنهم ، وتعذيبهم وايلامهم وحرمانهم من اهاليهم وما ضاع عليهم من تجارة او عمل او ترقيات نتيجة سجنهم ، والامراض الخطيرة المزمنة التي اصابتهم اثناء فترة إعتقالهم مثل السل ومرض الكبد الوبائي والفشل الكلوي وغيرها من أمراض لا تعد ولا تحصى، لا ننسى أيذاء الشعور والإحساس بالالم النفسي والحسي ، والعجز والجروح والندوب نتيجة التعذيب المؤلم الذي تعرضوا اليه  . اما الضرر الادبي فأقصد به كل الم نفسي اصابهم كالشعور بالخوف والحزن والغم ومفارقة الاهل والاولاد ، فبعض السجناء فقد والديه اثناء سجنه ولم يتمكن من توديعهم ، والبعض الاخر كبر اطفاله اثناء سجنه ليخرج فيجدهم رجال ونساء ، ليفقد ذلك الحبل الوثيق الذي يربط العلاقة الابوية مع الابناء ،والبعض الاخر فات مرحلة الشباب ومن ثم فرصة تكوين اسرة له ، وجميع تلك الآلام التي تحدث أوجاعاً بصفة محسوسة ، او تلك التي تحدث الاما داخلية مثل الاذى الذي اصاب السجناء فجعلهم يشعرون بالقلق وبالإكتئاب وشعورهم بالقهر والهوان ، نتيجة لتسلط  إعتداءات رجال الامن واللجان الثورية عليهم والتي لم يستطع السجناء دفعها عن أنفسهم . من هنا كان موضوع التعويض هادفاً الى معالجة وضع هؤلاء وتعويضهم بما يتناسب مع حجم المعاناة والظلم الذي لاقوه جراء سجنهم او إعتقالهم غير القانوني والى ترضية المتضررين .

  

كم قيمة تعويض مثل هذا الأذى ؟

 

قيمة التعويض :

التعويض يجب أن يغطي الضرر الواقع على المضرور بالكامل بحيث لا يزيد ولا ينقص ، لأنه لو نقص اختلت موازين العدالة، ولو زاد لاثرى المتضرر على حساب المُضر او الضار. فأجدى وسيلة للوصول الى هدف إحقاق الحق او العدل هي محو ما أصاب المتضرر من أضرار كلية ، إن كان ذلك ممكناً . ولا اقصد هنا بمحو الضرر إزالته من الوجود . فالاثار النفسية التي لحقت بالسجناء لا يمكن محوها او إزالتها الا بالموت ، ولا يمكن ان تزول بإعطاء مبلغ من المال مهما كانت قيمته عظيمة . ولكن المقصود بالتعويض ان يجد المتضرر لنفسه بديلاً لما ضاع منه . فالكسب الذي سيتحصل عليه من التعويض قد يعوضه عن ما خسره من فقدانه لعمله او وظيفته او متجره ، نتيجة لسجنه . والغاية من التعويض ايضاً جبر الضرر بدرجة مساوية له ، والمساواة مساواة تقريبية . لأن المساواة الكاملة مستحيلة بالكامل . خصوصاً إذا ما علمنا ان النظام الليبي ينحو نحو تحديد مبلغ واحد ، محدد القيمة ، يطبق على جميع السجناء بغض النظر عن تفاوت محكوميتهم ، وعن طرق اصاباتهم ، وما لحق كل واحد منهم من أذى وضرر ، ورغم تفاوت أعمار السجناء . يبقى امر تقدير قيمة التعويض امر فوق قدرة من يقوم به ، عند النظر لمجال التطبيق العملي ، واعتقد ان تخفيف العبء على من يقوم بتقدير قيمة التعويض ، كانت الدافع وراء تحديد قيمة واحدة للسجناء الذين لم يتم توظيفهم قبل القبض عليهم ، وقيمة اخرى موحدة لمن سبق وان شغل عملاً او ظيفة  كان يتكسب منها قبل سجنه او أعتقاله  .

 

وظائف التعويض :

التعويض ليس بعقوبة . ولكن له وظائف إصلاحية وتعويضية . كما ان التعويضات تقوم ببناء ثقافة قدسية الحقوق والواجبات والتي نحن بأمس الحاجة اليها . كما أنها وسيلة للامن الإجتماعي الذي يسعى المشرع الى تحقيقه ، حين نص على احقية المتضررين بالتعويض . التعويض يعتبر ايضاً جزاء لمن قام بالفعل الضار بحق الاخرين ، لأنه لو ترك الفعل الإجرامي بغير إصلاح ، فأنه سيؤديء الى إستمرار المتضرر بالشعور بالمرارة والحقد والآلالم والكراهية لمن اضره (النظام) فهنا ينزل التعويض منزلة الجزاء الادبي على المُضر . كما يمكن ان ينظر اليه كشراء حقد وكراهية المتضرر متى ما كان التعويض محققاً للارضاء النفسي والمادي . وإذا ما حددنا التعويض كجزاء فأن جهة تقديره يجب أن لا تكون لمن وقع منه الضرر . بل للمتضرر او لجهة اخرى محايدة . فالنظام لا يمكن أن يكون الخصم والحكم في آن واحد ، ولا أن يقوم بإجبار المتضررين بقبول عرضه ، او إجبارهم على غسل إهاناته لهم وإهداره لكرامتهم بالقوة . لا ننسى أن للتعويض وظيفة رادعة ، حيث ما قام النظام بدفع كل هذه التعويضات ، فأنه مستقبلاً سيفكر مئة مرة قبل أن يقدم الى اية إنتهاكات مستقبلية . كما أن له فائدة اخرى تتجلى في كونه إنعكاساً حقيقياً لقيم مجتمعنا وتطوره ، كما يعكس النضج الإجتماعي والقانوني به ..

 

ماذا لو جلس من قدر قيمة التعويض  جلسة السجين هذا لمدة ساعة ، قبل تقديره لقيمة التعويض ؟

 

موقف النظام من تقدير قيمة التعويض :

يحاول النظام الليبي أن يضمن التعويضات ،  شح النظام وبخله ، دون أن يتناول الظروف الشخصية للسجناء ، او الخطأ الذي وقع فيه أعوان النظام ، او تقدير مدى جسامة أعمالهم التي ادت الى الإضرار بالمعتقلين ، وهذا يعني انه ينحى الى أن يأخذ موقف يراعي به مصلحته الشخصية  فقط ، في تقديره لقيمة التعويضات ، وهذا التوجه بدوره ادى الى تقرير قيمة للتعويضات اقل مما يستحقها السجناء المفرج عنهم ، و دون أن يكلف أن يضع نفسه مكان المتضررين  ليوازن بين الضرر الواقع وبين الخطأ الذي تسبب بالضرر . ومن هنا فأن باباً بات مشرعاً للمتضررين (السجناء) بطلب إعادة النظر في قيمة تعويضاتهم او رفضها . الا ان هناك طريقاً أخر يمكن إعتماده من قبل النظام الليبي ، لتفادي هذه المشكلة ، إذا ما تعذر على النظام او الخزينة الليبية  في خضم دفعهم لمبالغ خيالية لغير الليبيين ، فأنه يمكن للنظام أن يقوم بدفع تعويضات مناسبة ذات قيمة مناسبة للضرر للسجناء ،في شكل تعويضات مقسطة ، وعلى مراحل ، أو ان يكون ايراداً مرتباً  شهرياً وثابتاً حتى تتم تسوية القيمة المناسبة لكل سجين حسب ظروفه وما مر به من ضرر واذى ..

 

التعويض ليس بعقوبة :

التعويضات لا تعني ولا تعتبر عقوبة ، ولا نوعاً من أنواعها . فالعقوبة تستلزم وجود او إصدار حكم قضائي بات ونهائي ، صادر في مواجهة المدعي عليه (النظام)  وهو امر لم يحدث في قضية تعويضات سجناء ابوسليم . صحيح انه هناك من لجاء الى القضاء وحصل على تعويضات وصلت قيمتها في بعض القضايا الى المليون جنيه ، الا ان معظم السجناء لم يتقدموا الى القضاء بعد . وبالتالي فأنه يمكننا قول ان التعويضات ليست بعقوبة . وهذا يقودنا الى امر قانوني خطير في نظري ، لان النظام الليبي بمحاولته إجبار السجناء المفرج عنهم قبول قيمة التعويضات المقدرة بقرار النظام ، إنما يسعى الى عدم صدور اي أحكام بالإدانة في مواجهته ، وانه يسعى من خلال دفعه للتعويض ، تعويض المتضررين عما لحقهم من خسارة وما فاتهم من كسب فقط  او ترضيتهم بما يروه مناسباً ، دون أن يراعي ما لحق هؤلاء من اضرار مادية وادبية اخرى سبق بيانها وشرحها . وواقع الأمر ان التعويض عن بعض الاضرار التي لحقت السجناء كفقد احد الوالدين او كلاهما ، او فقد الزوجة او احد الاطفال ، اوالإصابة بأحد الأمراض الفتاكة داخل المعتقلات ،يصعب تعويضه تعويضاً حقيقياً . فأن هذا الامر ليس به مصلحة سوى إضاعة الحقوق وإفلات المتسبب(النظام) من الجزاء . هذا لا يعني انني انصح بقبول ما يعرضه النظام من تعويضات . ولكنني انصح السجناء بالتكاتف جميعاً ورفض ما يقدم اليهم من مبالغ زهيدة ، وتمسكهم بقيمة التعويضات التي يرونها مناسبة لكل حالة على حدة . كما اقترح ان يتضامن اقارب المساجين الذين يستحقون التعويضات ايضاً كالوالدين والزوجة والاطفال ، فهؤلاء لهم الحق بالمطالبة بالتعويض عما لحق السجين نفسه ، وما لحقهم شخصياً من جراء إعتقاله . كما يحق لاهالي السجناء الذين انتقلوا الى الدار الاخرة بعد خروجهم من السجن ، المطالبة بالتعويض الذي كان يستحقه السجين ، لوكان على قيد الحياة ، والذي لم يسعفه الوقت للمطالبة بحقوقه ، او اللجوء للقضاء ..

 

في النهاية :

سبق لي شرح أن التعويض مناطه الضرر ، لأنه هو أساس المسؤولية المدنية ، وبالتالي فأن النظام مُلزم ببيان عناصر الضرر الذي وقع منه على السجناء ، بأحكام او قرارات التعويضات ، للتثبت من توافر الضرر محل المطالبة بالتعويض عنه . وفي سياق ذلك فأن الإعتذار وإبداء الاسف يعتبران جزءاً مكملاً لنص او قرار التعويض ، ولا شبهة  أو خلاف في أن التعويض  يستوجب التعويض المادي ، وكل تعويض يأتي بصورة اخرى كالتأسف والإعتذار . وفي نهاية الأمر فأن لكل سجين مطلق الحرية أن يأخذ التعويض ، او أن يرفضه ، او طلب إعادة النظر في تقديره ، الا إذا نُص في عقد المصالحة بأن هذا التعويض ، تعويض (جزئي) او ( مؤقت) وانه اقل مما يستحقه المتضرر ، مما يعني إعطاء الحق للمتضررين باللجوء الى القضاء للمطالبة ببقية حقوقهم . لا يخفى علينا أن السجناء بشر ، وان المال عنصر اساسي في الحياة ، بل هو عصبها . وأن السجين الذي فقد احد افراد اسرته اثناء سجنه ، وما ترتب على ذلك من مشاعر الحزن والآلم والحسرة ، مشاعر لا تعوض بمال الدنيا ، ولكن المبلغ المالي الذي يأتي في شكل تعويض (قد) يساعد على تراخي تلك الآلام . علينا ان لا ننسى ايضاً ، أن قضية التعويضات تختص بأضرار وقعت من رجال النظام وبأوامر من النظام ورمزه ، الامر الذي مس بمصالح السجناء والحق بهم اضراراً كثيرة سواء كانت مادية او ادبية ، وانه مهما حاول النظام أن يقوم بزيادة قيمة التعويضات ، فأن الامر لازال لا يتواءم مع ما تقضي به المباديء السامية والاخلاق .لانه من غير المقبول ان تقاس كرامة الانسان ومشاعره بأي قيمة مادية . في نهاية هذا المقام لا يسعني الا توجيه ايات التقدير والاحترام والتبجيل لجميع سجناء وطني الحبيب ومعتقلي اقبيته المظلمة . وفي الوقت الذي استنكر فيه كل ما لحقهم من اذي وبشاعة معاملة وتعذيب ، فأنني اهيب بالاخوة المفرج عنهم بتشكيل (رابطة السجناء اوالمعتقلين) ولا اريد قول حزب ، كي لا يعود هؤلاء من حيث أتوا . رغم أنه قد سُمح بإعطائه الضوء الأخضر ، الى السيد عبد القادر غوقة  بتكوين حزب قومي في لبنان ، ولم يطالب احد بتخوينه او المطالبة بتصفيته !ولما لا تكون رابطة ؟ الم تنص الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان على حق ابناء المجتمع الجماهيري السعيد ، على تكوين روابط ؟ فلماذا لا تتكون رابطة للسجناء والمعتقلين السياسيين للمطالبة بحقوقهم ؟ واقترح في هذا المقام ان يترأس الرابطة  أقدم سجين سياسي . كما أقترح ان يتم تكوين او إنشاء موقع الكتروني على الشبكة العنكبوتية  للسجناء او المعتقليين تدون به يومياتهم ، وكتاباتهم ، وذكرياتهم ، لأبناء شعبنا   حتى نتعرف على  من الحق بهم العذاب ، ولنتعرف على مأسي هؤلاء الأبطال الذين غيبهم النظام خلف قضبانه ، دون وجه حق  وحتى نوثق تاريخياً ، جميع الإنتهاكات الغير إنسانية في حق سجنائنا . هذه الخطوة تفيد بزيادة الوعي بإنتهاكات النظام ومعرفة اساليب تعذيبه ، وحث الناس على العمل للقضاء عليها ، عبر التعاون مع منظمات حقوق الإنسان ، وإدانة التعدي والعدوان ، كما تهدف الى محاولة مساعدة بقية السجناء الأخرين الذين لا زالوا بالسجون وبالمعتقلات ومعرفة ما يحدث لهم ، وتهدف ايضاً الى تعبئة الرأي العام ، وهي خطوة مهمة ، للتصدي لعملية إنتعاش ممارسة التعذيب والتي لن تتوقف في ظل لا مبالاة ابناء شعبنا ، فلابد من تحويل هذه الا مبالاة الى غضب ووعي ، وهذا يحتاج الى ادلة ، لا يمكن الحصول عليها الى عن طريق السجناء الذين تعرضوا لشتى صنوف الإنتهاكات ، لا لشيء الا لانهم  أرادوا النطق بكلمة الحق...

 
وطني 100

17 أغسطس 2010