الصفحة الرئيسـية  

وجهـات نظـر !

 

 

 

يحيــا الوطن..يسقط الوطن !

 

1 )  "يحيا الوطن" شعار يرفعه ويعيشه كل مواطن عادى مهما بلغت درجة علمه وثقافته ، وهو لا يحتاج الى اى جهد لاقناعه به ، انه شعور فطرى تتوارثه الناس فى اى بلد جيلا وراء جيل ، ويترجمونه بشكل تلقائى وعفوى فى حياتهم اليومية الى عشرات المواقف بدءا من تشجيع فريقهم القومى لكرة القدم وانتهاءا بتقديم النفس فداءا للوطن فى مواجهة آيةِِِ اخطار تهدده

 

2 ) "ويحيا الوطن" هو مبدأ نتمسك به نحن الوطنيون (القوميون) التقدميون من منطلق منهجى . فالوطنية تعنى عندنا الانتماء الى " مجتمع ذى حضارة متميزة ( وليست ممتازة ) من شعب معين مستقر على ارض خاصة مشتركة ( وطن ) تكون نتيجة تطور تاريخى " وبهذا المعنى فان الرابطة الوطنية ( القومية ) عندنا لا تنفى الروابط الاخرى كما انها ليست تعصبا وانحيازا عنصريا للذات بقدر ما هى تعبر عن اختصاص شعبنا العربى باجياله المتعاقبة بالارض العربية . والانتماء الوطنى او القومى طبقا لذلك هو انتماء موضوعى لا يتوقف وجوده ولاتتوقف حقيقته على ارادة احد او رغباته . انه ليس خيارا سياسيا او عقائديا وانما هو حقيقة موضوعية .

 

3 ) وهو شعار رفعه ايضا المشاركون من شعبنا العربى فى مظاهرات الغضب التلقائية التى خرجت تضامنا مع الانتفاضة الفلسطينية او ضد الاحتلال الامريكى للعراق فى الفترة الاخيرة . وهذا ما يفسر تضاعف حالة الغضب الشعبى العربى ضد ما يحدث فى فلسطين والعراق اذا ما قورن بدرجة الرفض لما حدث من عدوان امريكى على افغانستان رغم ان الحدثين متزامنين تقريبا.

 

4 ) اما  شعار "يسقط الوطن" فهو شعار لا يتبناه فقط الخونة والتابعين لقوى الاحتلال الاجنبى ، ولكن تتبناه ومن منطلقات نظرية متعددة  عدد من القوى السياسية فى الوطن العربى .

 

5 )  اما عن التابعين ففى مقدمتهم الراسمالية العربية بمصالحها الاقتصادية وخطابها السياسى والفكرى التى تعمل من الناحية الموضوعية على اعادة الوطن العربى الى حالة التبعية التى تحررنا منها فى الخمسينات والستينات فعجزها عن خلق نموذج منافس للراسمالية العالمية بقيادة امريكا جعل امامها خيار وحيد وهى ان تكون فى خدمتها تسهل لها عملية الاستيلاء على ثروات الوطن العربى والسيطرة على اسواقه .

فالربح هو وطن الراسمالى وعقيدته الوحيدة . و التبعية للخارج فى بلادنا هى الطريق الوحيد لتحقيق هذا الربح .

وبعيدا عن التبعية فان الراسمالية  لا يمكن ابدا ان تكون وطنية طبقا لمفهومنا التقدمى . فالوطنية تعنى اختصاص كل الشعب بكل الارض . والراسمالية على النقيض من ذلك تهدف دائما الى اسئثارها هى فقط بثروات الوطن .

 

6 ) " ويسقط الوطن " شعار يرفعه ايضا  قطاع كبير من التيار الماركسى خاصة المنهجيين منهم ، فالوطن فى التصور الماركسى ليس الا اكذوبة راسمالية اخترعتها الطبقات البرجوازية لاحتكار الاسواق . والوطنية ليست الا تحايلا والتفافا على الانتماء الموضوعى الوحيد وهو الانتماء الطبقى : يقول ستالين فى كتابه المسألة القومية ـ صفحة 11:

   " ليست الامة مقولة تاريخية فحسب بل هى مقولة تاريخية خاصة بمرحلة تاريخية محددة هى مرحلة التكوين الرأسمالية .. فان عملية تصفية الاقطاع ونمو الرأسمالية هى فى الوقت ذاته عملية تكوين الناس فى أمم "

  كما جاء فى كتاب أسس الماركسية اللينينية  ـ 1963:

  " ينتمى العمال الى قوميات مختلفة وأجناس مختلفة  ولكن انتماءهم الاول يظل الى الطبقة العاملة ، وهذا تحدده وحدة مصالحهم الاممية ، وأغراضهم ، ونظريتهم التى تتولى الصدارة لينزاح مادونها من أوجه الاختلاف الى الوراء . واذ يتحقق العمال الواعون سياسيا من أن النضال القومى والانعزال القومى يضران المصالح الاممية للطبقة العاملة، يحاربون كل أنواع التمييز القومى ".

  "خطر القومية الاول يكمن فى انها تلهى العمال عن الصراع ضد عدوهم الطبقى . لقد تضافر الزمان والرجعية البرجوازية على تخطيط مؤقت لعرقلة الصراع الطبقى للطبقة العاملة باشعال المشاعر القومية . هذا بالاضافة الى أن انتشار الافكار القومية والشوفينية يؤدى الى تفكك وحدة الطبقة العاملة ، ويضر روابط التضامن الاممى ، ومالم تحارب القومية ، والشوفينية ، فانها ستضعف حتما حركة الطبقة العاملة ."

ولقد انعكست هذه الاراء الماركسية السلبية من فكرة الوطن والقومية على المواقف السياسية العملية لعدد كبير من الماركسيين العرب فيما يخص قضايانا القومية :

فانعكست فى اعتراف معظم التيار الماركسى العربى بقرار تقسيم فلسطين الصادر فى 1947 وانعكس فى الوقوف ضد انضمام العراق الى وحدة 1958 بين مصر وسوريا. وانعكس فى ضعف الخط القومى الوحدوى داخل الماركسيين العرب وتنعكس دائما فى قبولهم لفكرة التسوية والاعتراف باسرائيل ولكن مع تعديل لبعض الشروط واكبر مثل هو قبول معظمهم لاتفاقية اوسلو بين المنظمة واسرائيل .

حتى ان اكثرهم اقترابا منا يرفع شعار دولة ديمقراطية علمانية واحدة فى فلسطين يتساوى فيها المواطنين بدون تفرقة بينهم على اساس الجنس او الدين او العرق ، والعرق هنا هو المرادف اللغوى عندهم لكلمة القومية. فماركسيونا هم الوحيدون من بين التيارات السياسية العربية الذين يقلقهم بشدة موقف اليهود من غير العرب المقيمين فى اسرائيل ويطالبون بضرورة ان يتضمن اى حل نهائى اعتراف وقبول بشرعية وجودهم فى فلسطين وهذا لن يتحقق فى تصورهم الا فى ظل الدولة العلمانية الخالية من اى هوية قومية على ما اسلفنا.

وفى هذا الموضوع لدينا فى المكتبة العربية مرجعا هاما هو كتاب " الشيوعية المحلية وقضايا العرب القومية " تاليف الاستاذ " الحكم دروزة " ، ارشحه للقراءة لما يحتويه من وثائق تاريخية تسجل مواقف الاحزاب الشيوعية المحلية .

                              

7 )  "ويسقط الوطن " شعارا يرفعه ايضا قطاعا كبيرا من التيار الاسلامى طارحا فهما خاطئا للاسلام و متصورا ان الرابطة الوطنية هى رابطة عنصرية تتناقض مع الرابطة الدينية فيقول ابو الاعلى المودودى فى كتابه بين الدعوة القومية والرابطة الاسلامية فى الصفحات من 1 الى 16 :

      " أنه لايكاد ينشأ الشعور بالقومية لدى قوم ، الا وهم يصطبغون بصبغة العصبية . ان هذه القوميات هى التى جرت بلاء عظيما على الانسانية ، ووزعت العالم الانسانى الى مئات وآلاف  من الأجزاء .. ان القوميات التى تقوم على هذه الاسس ، لاسبيل الى التوفيق بينها بأى حال من الاحوال ، وهى على الدوام متحاربة بينها لأجل مافى نفوس أهلها من العصبية ، وتحاول كل منها أن تقضى على غيرها ..  من المقتضى الفطرى لمثل هذه القومية أن تنشئ العصبية الاهلية فى الانسان ، فكل أمة فى الأرض تريد اجتثاث أمة غيرها ومعاداتها والنفرة منها ، لا لشئ الا لأنها أمة غيرها .. " ويقول :

  " النزعة الوطنيه والقومية ظهرت فى دنيا المسلمين كنتيجة من نتائج الفكر العلمانى الذى خلفه الاستعمار الغربى  وان النزعة القومية مصدرها الاستعمار الصليبى ممثلا فى مؤسساته التبشرية والاستشراقية ، وكذلك اليهودية العالمية ممثلة فى منظماتها السرية كالصهيونية وغيرها . وأن الاستعمار استعان فى الدولة العثمانية بيهود الدونمة الذين روجوا للنزعة الطورانية فى تركيا ، وبنصارى الشام الذين روجوا لنزعة القومية العربية فى بلاد الشام والعرب ، فلما ظهرت النزعتان اقتتل المسلمون ".

كما ينتقد الدكتور القرضاوى فى كتابه " حتمية الحل الاسلامى " ص 138 القومية التى تؤدى الى :

 "  أن يصبح ولاء المسلم لرقعة معينة من الأرض أو الجنس وعنصر خاص من الناس ، ومقتضى هذا أن يقدم الرابطة الطينية العنصرية ، وبعبارة أخرى الوطنية والقومية ، على الرابطة الدينية الاسلامية ."

ويقول هانى السباعى فى بحث بعنوان " دور رفاعة الطهطاوى فى تخريب الهوية الاسلامية " نشرته جريدة الشعب فى موقعها على الانترنت  مؤخرا :

 "لأول مرة في تاريخ المسلمين تظهر كتابات تتكلم عن الوطنية والمواطن والتغني بالوطن على حساب الدين

لأول مرة في تاريخ الإسلام تحل رابطة الأرض والعرق والدم والقرابة محل الرابطة الدينية الإيمانية، ولما كانت القضية الوطنية تحتاج إلى سياج يحميها، نبش دعاة التغريب في تاريخ ما قبل الإسلام، من تاريخ الفراعنة والفينيقيين وبابل آشور...إلخ

لقد تكلم الطهطاوي عن تاريخ الفراعنة بفخر واعتزاز بغية تأكيد مفهوم الولاء والبراء على أساس الأرض والدم والقرابة، فتمجيد تاريخ ما قبل الإسلام كان لتأكيد مصطلحات الجاهلية الجديدة الوطن/المواطن/الوطنية"

*  *  *

 

واضح من الفقرات السابقة الى اى مدى هناك رفض لفكرة الوطن والوطنية لدى قطاع عريض من التيار الاسلامى .

ولقد انعكس هذا التوجه المعادى لفكرة الوطن على مواقفهم من الصراعات التى عاشتها الامة فى الخمسين عاما الاخيرة : انعكس اولا  فى موقفهم السلبى من المعركة الدائرة بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة وبين الامة العربية فى الخمسينات والستينات . كما انعكس فى موقفهم الداعم او المحايد على اقل تقدير من عملية اعادة صياغة مصر امريكيا فى السبعينات . ففى الوقت الذى كانت الخطط الامريكية تتم فى مصر تحت اشراف السادات بهدف خلع مصر من الصراع العربى الصهيونى وتحويل اقتصادها الى اقتصاد تابع من خلال التغيرات الاقتصادية المعروفة باسم الانفتاح الاقتصادى ، نقول فى ذلك الوقت كانت اولويات هذا التيار مختلفة فلم يدرك طبيعة المعركة ولم يشارك فى التصدى للمشروع الامريكى .

 كما انعكس غياب الوضوح الوطنى عند هذا التيار ايضا فى وضع اولوية الجهاد فى افغانستان عن الجهاد فى فلسطين فى السبعينات والثمانينات من القرن العشرين . بل ان حركات العنف التى افرزها هذا التيار فى مصر مثلا لم تتوجه الى الوجود الصهيونى والامريكى فى مصر كما فعلت حركة محمود نور الدين المعروفة باسم ثورة مصر وانما توجهت الى اتجاهات اخرى بعيدة تماما عن الحسابات الوطنية .

ان غياب فكرة الوطن وما تعنيه من غياب فكرة الاختصاص بارض معينة يصبح الدفاع عنها وتحريرها وتطويرها هو هدف شعبها ، ادت فى النهاية الى الوقوع فى احد الخطأين : اما خطأ الجهاد فى اوطان الآخرين وفى معارك مشكوكا فى مشروعيتها  احيانا . واما الاكتفاء بالجهاد فى دولة المولد والجنسية فى مواجهة القضايا الخطأ والقوى الخطأ فى كثير من الاحيان . وهو ما ادى من ناحية اخرى الى ان التيار الاسلامى لم يستطع ابدا ان يتفهم او يتفاعل مع مشكلة التجزئة فى الوطن العربى . بل لقد اعتبر ان اى مطالبة بالغائها تندرج تحت راية القومية العربية وهى الشر الاعظم عنده ، وذلك رغم ان توحيد الامة الاسلامية يستحيل ان يتحقق بدون تحقيق وحدة العرب اولا .

 

8 ) كان ماسبق هو عرض سريع لمواقف عدد من القوى السياسية من قضية الوطن. ولقد اخترت ان اطرح هذا الموضوع لارتباطه بالتحديات التى تواجهها امتنا العربية الان .

فالامة تتعرض لاعتداء خطير من قبل الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل . ولقد بلغ العدوان درجة من السفور ادت الى استنفار كل الشعب العربى وكل قواه وتياراته السياسية . لقد اصبح الجميع فى حالة توحد موضوعى ضد امريكا والمشروع الصهيونى ، الجميع باختلاف منطلقاتهم العقائدية والنظرية . وبالتالى اصبح هناك ضرورة فى ترجمة هذه الوحدة الموضوعية الى وحدة عمل ووحدة مواقف ووحدة استراتيجيات ووحدة ادوات ان امكن .

خاصة وان الوطن فى احتياج الى كل التيارات السياسية المناضلة بكل ما تمثله من خبرات وتميزات : فبالاضافة الى اهمية الطرح القومى الذى نمثله فاننا نحتاج الى صلابة التيار الماركسى النضالية وعمق رؤيته فى نقد النظام الراسمالى وعدائه الاصيل للامبريالية الامريكية وخبراته الحركية والتنظيمية التاريخية . كذلك فاننا فى امس الحاجة للتيار الاسلامى بكل ما يمثله الان من خط اول للدفاع عن الارض المحتلة فى فلسطين وما يقدمه من شهداء وما قدمه من ترسيخ لواحد من اخطر الاسلحة الاستراتيجية التى عرفها العالم واقصد بها العمليات الاستشهادية . وايضا لمناعته الطبيعية ضد الاستسلام والخضوع للعدو الاقوى فالحق من المنظر الاسلامى فوق القوة .

وانا اتصور ان اكثر التيارات المرشحة للقيام بهذا الدور ، دور توحيد الجهود بين تيارات المقاومة داخل الامة ، هو التيار القومى التقدمى بمدارسه المختلفة . ومن شروط نجاحه فى القيام بهذا الدور هو مقدرته على فهم المنطلقات الفكرية للتيارات الاخرى والتعرف على النقاط التى يجب ان يعمل على التاثير فيها والحوار حولها واهم هذه النقاط هى المسالة الوطنية ( القومية ).

اننا فى حاجة ماسة الى التفاعل مع كل من التيار الماركسى والتيار الاسلامى فى اتجاه القبول بفكرة الوطن واثبات ان الوطنية من ناحية لاتنفى التناقضات الطبقية والصراع الطبقى كما ادعى الراسماليون ، كما انها من ناحية اخرى لاتتعارض مع الانتماء الى الاديان عامة والى الاسلام على وجه الخصوص . وسيساعدنا على النجاح فى هذا الدور بدايات ظهور الحس الوطنى ( القومى ) لدى عدد من الحركات المنتمية الى التيارين المذكورين بحكم اشتباكها اليومى مع معارك الواقع وادراكها لحقائقه الموضوعية.

ان الرغبة فى التفاعل مع الآخرين فى اتجاه توحيد الجهود فى مواجهة العدو المشترك والرغبة فى التاثير فيهم وفى افكارهم فى الاتجاه السابق ذكره . يجب ان ينطلق ايضا وفى المقابل من الاستعداد للتاثر والانفتاح على افكارهم .

 

محمد سيف الدولة

23 أكتوبر 2007