الصفحة الرئيسـية  

وجهـات نظـر !

 

 

 

معوِّقات المجلة الثقافيّة العربيّة المستقلة
 

في 28/11/2008، سألتني جريدة الأخبار سؤالاً توهّمتْه بسيطاً: لماذا تنشر؟. يومها، عدّدتُ للجريدة أسباب النشر، ومن بينها: أنني لا أعرفُ مهنةً أخرى أعيشُ منها بشرف وكرامة؛ وأنّ والديَّ أورثاني كميّات هائلةً من الكتب والمجلات والصناديق لا أدري ما أفعلُ بها. وقلتُ إنني أنشر لأنني ما زلتُ أؤمن بدور للكلمة في مواجهة أعداء الحريّة، كالعسكر ورأس المال والناطقين باسم الله؛ وإنني حين أنشر ما أنشره، فإنما أعزِّزُ الخيارات العَلمانية والقومية - اليسارية. وقلتُ أيضاً إنني أنشر لأنْ لا كتابة بلا نشر أو ناشرين، ولو لم يكن ثمة ناشرون صلبون لما عَرفت الثقافةُ العربية كتباً في أهميّة نقد الفكر الدينيّ لصادق جلال العظم، وأولاد حارتنا لنجيب محفوظ، وهوامش على دفتر النكسة لنزار قبّاني، وأحد عشر كوكباً لمحمود درويش.

ولكنْ، حين دعتني وزارةُ الثقافة المغربيّة للحديث عن المجلة الثقافيّة في الوطن العربيّ، خطر لي أن أقدّم مداخلةً كان ينبغي أن تسبقَ مقالتي في جريدة الأخبار، وقد تبدو في نتائجها نقيضةً لتلك المقالة. ولتبسيط المسألة، تصوّروا لو أنّ الجريدةَ المذكورةَ سألتني عن الأسباب التي قد تدفعني إلى عدم النشر يوماً، فماذا ستكون الإجابةُ المحتملة؟ بل لنحصر الأمرَ في المجلة الثقافيّة العربيّة، دون غيرها من أشكال الإنتاج الثقافيّ العربيّ، فكيف كنتُ سأجيب؟

الحق أنّ ما يَدفع الناشرَ العربيَّ إلى عدم إصدار مجلة ثقافيّة، أقوى بكثير ممّا يدفعه إلى إصدارها. ولأستدركْ سريعاً بالقول إنني أعني المجلة الثقافيّة المستقلّة؛ فهذه، خلافاً لمجلات وزارات الثقافة والإعلام العربيّة، أو تلك التي تتلقّى تمويلاً أجنبيّاً، تتأثّر أبلغَ التأثّر بإجراءات المنع، والمصادرة، والرقابة، والجمارك، وغلاء الإنتاج (من ورق وطباعة وشحن ومكافآتِ كتّابٍ وأجورِ موظفين ومكاتبَ ومستودعات...).

كما تتأذّى المجلة المستقلّة كثيراً، من حيث المبيعات، حين يتخلّى عنها الكتّابُ المشهورون (وبعضُهم نال شهرتَه أصلاً من مجلات مستقلة!)، لمصلحة المنابر الرسميّة السخيّة الواسعة الانتشار... وفقيرةِ الصدْقية.

ومن نافل الأمر، التذكيرُ بأنه لا قدرة للمجلّة الثقافيّة المستقلّة على منافسة المجلات المموَّلة نظاميّاً أو أجنبيّاً، ولا سيّما في هذا الزمن الذي تسير فيه مجلةٌ كـالآداب عكسَ التيّار السائد في الوطن العربيّ من محيطه غير الهادر إلى خليجه غير الثائر.

سأكتفي بعرض بعض الأرقام التي تبيّن أنّ استمرار المجلات الثقافيّة العربيّة المستقلّة، أمرٌ مستحيلٌ أو شبهُ مستحيل. ولأستدركْ سريعاً، من جديد، لأميّزَ بين المجلة والكِتاب. صحيحٌ أنهما، كليْهما، يواجهان صعوبات مماثلة، بيْد أنّ وقْعَ هذه الصعوبات أعظمُ على الأولى من الثاني: فالكتاب قد يُمنعُ اليومَ ويُسمحُ غداً، فيعوِّض ناشرُه من خسارته اليومَ بما سيكسبه غداً، لأنّ الكتابَ لا عمْرَ له كما يقولون؛ وأما المجلة، فتعامَلُ في أوطاننا كأنّها سلعةٌ آنيّةٌ ينتهي مفعولُها مع مرور اليوم أو الشهر، على الرغم من أنّ المجلة الثقافيّة تتناول في العادة ملفّات فكريّة تتخطّى زمنَ إنتاجها المباشر وإنْ طلعتْ من رحمه... بل إنّ المجلة الثقافيّة، حتى حين تعالج موضوعات آنيّةً كأحداث غزّة مثلاً، فإنها ترْبط تلك الأحداثَ بالماضي الكولونياليّ، وبالبنية الفكريّة السائدة، وتسعى إلى أن تستشرفَ آفاقَ المستقبل، وأن تطرحَ اقتراحات ممكنة أمام الثقافة والمجتمع.

غير أنّ ذلك كلّه، لو تعْلمون، هو آخرُ هموم شركات التوزيع عامّة، إذ تَعْمد إلى إتلاف المرتَجَعات بلا رحمة أو شفقة، وكأنّ المال الذي صُرف لطباعتها لم يُنتزعْ أصلاً من قلب مثقفين مستقلّين متوسّطي الحال، بل كان ملْكاً لخادم الحرميْن أو لسموّ الأمير أو لسيادة الرئيس أو العقيد. (الطريف أنّ أحد الموزِّعين أسرّ إلينا بأنّ المرتجعات تذهب إلى السجناء، وهذا ما يثلج قلوبَنا، إنْ صحّ حدوثُه، لأنه يعني أننا قادمون على مرحلة عربيّة زاهرة فكريّاً، عمادُها: السجناءُ الأحرار!).

لنعدْ إلى الأرقام. يقول التقريرُ العربيّ الأولُ للتنمية الثقافيّة لعام 2007 (صدر عن مؤسّسة الفكر العربيّ) إنّ 27،8% من العرب لا يقرأون ولا يكتبون، وإنّ الأمّيّة الثقافيّة (وهي في خطورة الأمّيّة الأولى) إلى ازدياد بسبب انحسار القراءة والمتابعة العلميّة. ويذْكر التقرير أنّ 27 ألف كتاب فقط صدر في الوطن العربيّ عام 2007، أي ما يعادل كتاباً لكلّ 12 ألف مواطن عربيّ، وهي نسبةٌ مريعةٌ إنْ علِمْنا أنّ النسبة في إنكلترا هي كتابٌ لكلّ 500 مواطن، وأنّها في إسبانيا كتابٌ لكلّ 700 مواطن. وإذا كان معدّلُ طبع أيّ كتاب عربيّ هو 3000 نسخة، وكان عددُ العرب 332 مليوناً، فذلك يعني أنّ هناك نسخةً واحدةً فقط لكلّ 110 آلاف عربيّ، أيْ إنّ النسبة، ويا للكارثة، هي 0،0009%.

لا أريد أن أغرقكم بالأرقام ولا باليأس؛ كما أنني لا أريد أن أحمّلَ تلك الأرقام أكثر ممّا تحتمل. ولكنْ لا مندوحة من الإقرار بأنّ المجلة الثقافيّة العربيّة تصْدر، منذ أعوام طويلة، في خضمّ واقع معاد للثقافة. ولنا أن نتساءل في هذا الصدد، كما تساءل واسيني الأعرج في يوبيل الآداب الفضيّ، أيْ قبل32 عاماً لم نتقدّمْ خلالها كثيراً على الصعيد الثقافيّ ولا على صُعُد كثيرة أخرى: ما معنى الأدب أصلاً في مجتمعات لا تقرأ؟ وما دورُ المثقف في وضع لاثقافيّ... بحيث إنّ خطابَ أيّ سياسيٍّ من الدرجة العاشرة يمكن أن يصل، بسهولة أكبر، من خطاب المثقف؟. ولنا أيضاً أن نتساءل مع محمود درويش في اليوبيل نفسه: إنّ الأمّة بأكملها مهدَّدةٌ، فماذا تكون اللغةُ، وماذا تكون الكتابة؟.

الكلمات السابقة قد تدفعنا إلى الإحباط، لكنّ فضيلتها الكبرى أنها تبْعدنا عن الادّعاء وعن أيّة انتصارويّة زائفة. فاستمرارُ المجلة الثقافيّة العربيّة المستقلّة قد بات مستحيلاً فعلاً، وكان شبهَ مستحيل منذ فترة طويلة لولا العنادُ والمكابرة. والإشكاليّة التي ينبغي أن نطرحَها في الختام هي التالية: أثمة ضرورةٌ أصلاً لاستمرار مجلة ثقافيّة عنيدة، جدّية، عَلمانية، معادية لكلّ الأنظمة العربيّة ولكلّ أشكال القهر والتسلّط، ومستقلة عن أيّ تمويل خارجيّ؟ أمْ أنّ علينا أن نغيّر الواقعَ الاجتماعيَّ نفسَه، ولكنْ بوسائلَ نضاليّة أخرى، سياسيّة وشبابيّة وطلابيّة... وثقافيّة أيضاً، لكي نفسح المجال في المستقبل القريب لمجلة ثقافيّة تحظى بالشروط الدُّنيا للاستمرار الكريم؟

* رئيس تحرير مجلة الآداب. وهذا هو نصّ الكلمة التي ألقاها قبل أيّام في ندوة المجلات الثقافيّة في الوطن العربيّ على هامش معرض الكتاب العربيّ في الدار البيضاء، المغرب.

سماح إدريس
28 فبراير 2009