الصفحة الرئيسـية  

وجهـات نظـر !

 

 


ربما كان هذا البلد هبة أعـتى الحرائق ، يا جرذ
 

• ما ضرك إن أراد هذا البلد بعد سنة واربعين عام أن يتنفس هواءً نقياً، أخطيئة تلك أم اثم، أم عبث أم قضاء وقدر: ليس يجدي أن تكابر، فلم يعد للصمت أهل.
 

بلدٌ اعتصم بالصمت في زمن كان يترنح بين الصوابع، ويخوض الأسى في كيانه يشق صفائه، وعلى الطرف القصي منه صبر على ظلمك ايها البذرة الصديئة في النبع الشحيح، ثمّ تآلف وتجمع بينما الأشياء في زوبعة الحزن والأسر فثار، ثار بعد أن تفوّقتَ رداءة في صفاقتك على العديد من نظرائك الطغاة من العرب ومن انسال اخرى ردئية تتفنن في قهر الناس، وها هو ذا أنت قد دعوت إلى بلد الطيوب مرتزقة من احراش بعيدة وحشدت القتلة من مخابراتك واعوانك الى قتل ابناء هذا البلد "فرداً فرداً وفي زنقة زنقة" ،ها أنت تتنفس الأفق الموشح بالدخان والدم، تمارس لعبتك منذ إبتدأتْ فخرجت على الناس من خلف اسوار جرذانك تهذي في ثرثرة حماسية واهمة، انصرفت في غيك لا تسمع أحد، تتعلق بعادتك السيئة في جحافل كلامك على خيول الجهل والغرور، تعيش بفكرة واحدة هي ذاتك وهي فكرة اتعست بلداً وبعثت به الى عصور الإنحطاط، تعيش كلّ الأشياء المستعادة في طغيانها ، في عنفوانها المكابر، تعيش كجرذ رأى نفسه في عين قرد فتهلل فرحاً، من احلامك الغثّة صنعت لهذا البلد سجوناً وكوابيس، تطل من شرفاتك المعلقة في الخرائب نابحاً تبحث عن صوتك المغشوش، تحمل رأسك تحت نعليك وتهذي، تحتفظ بشظايا القصف وفي عمق روح البلد مقبرة، يا ايها العابث بسماء هذا البلد قد انشق جدار الروح والدم يجري في التُربِ، يا فماً لا يملّ العواء والنباح، ويك صمتاً ثمّ ارحل، يا أيها الثرثارالدماء تنز وأنت تقيم للرازيا مهرجاناً، فمن يشرب دخان هذه القذائف ورنين القنابل في الرأس، فما اقفرت هذه المروج و السحائب إلا من من حطام شيدته الخطى الضائعة بعندك وخطلك المسكون بالسوس، جنباً الى جنب يموت الطفل والكهل ولا تهتز لك قصبة، ها هي القاذفات قد خبأت عطر هذا البلد، فبأي القاذفات تعشق القتل وصدى الأرض الجريحة، وايّ الأرصفة المحترقة تبعث النشوة في انانيتك الوقحة، واي قاذفة معلقة في جيوب الهدير لم تدرك بعد بأنّ في الأفق الغائر تولد النجائم، وأنّ في الدخان الساري تحت الشجر والنخل ثائرُ يبحث عن ندى صوته، ففي كلّ طلقة رصاص ٍ على المدن الأبدية يولد ثائر، وهذي البيوت والأزقة والديار والصحاري تعرف وجوه الثّائرين ، منك يا جرذ هذا الزمان يأتي الهول ، واتى الدّمار واتت القاذفات وامتلأت الأزقة المعتمة بالدخان.
 

• ما ضرك إن أراد هذا البلد على غرار الأمم الزاهية أن يدير شأن حياته بهاماته وقدراته، وأن يزرع في الغد المأمول وطناً حراً من دون كذّاب أشر، أخطئة تلك أم جرم ، أم حرام: ليس يجدي أن تكابر، كلّ ما صنعت كدر وطين.
 

هل لإحد أن يبصر في الأزقة المتلاشية في عتمة دخان القاذفات عن البيوتات المهشمة، هل لمن يبصر في فوهات مدافع فتك كتائبك وهي تعوي فوق رؤوس الناس أن يخبرك بأنك معتوه تحدق في الفراغ المتهافت، تنذر بالويل والموت والحرق وتنذر بالخسف وظلمة ليلٍ لا رحمة فيها، يا آفة عصرٍ أدرك عنوةً ضياء قمر حريةٍ طالع اردت صدّه، أما علمتَ أنك تدور حول نفسك في غابة تتنسم دخانها المسموم بالهمّ والنكد، حرقتك في البحر الغضوب ثورة فبراير المخبؤة في اسرار الجزر مذ أبقيت هذا البلد رهن العتمة والدّاء، منذ سنة واربعين عام وهذه الاشرعة من لهفة الأبواب تراقب مرافىء هدير البحر، وفي ساعات همس موجه اللافح تعلّم الثّائر كيف يصنع من اغصان الحزن عربات الثورة وفي داخله يتوهج وطن في حجم الدّنيا، مهزومٌ أنت الآن راسف القيد ، تحيطك المحارق واغوار الرماد، وتظل المدن الأبدية اوطان هذا البلد، ولئن غطى الرماد السماء، فمن دم الثّائر يقوم العزّ الطلوب.
 

• ما ضرك إن رام هذا البلد بناء دولة قانون دعائمها الدستور ومحراب البرلمان تكفل الحقوق وحريات الأنسان، أخيانة تلك أم جريمة: ليس يجدي أن تكابر، ساعتك ليست تمضي وليست تجيء ومع الفجر ستشرب كأس الذلة.
 

كالجرذ في الساحة الخاوية تناديت عاوياً فخرجت تعلنها حرباً صليبية، تبحث هلوعاً عن مخرجٍ حتى إن بلغ أرض السند، وهذي طرابلس الخضراء عيونها على الصباح تبدو في ضباب الدّخان مثل ليمونة يمتصها المرتزقة، منها سيحمل الثائر زهرة المرجان، ومن سلّتها العامرة سينثر الفجر عناقيد الصباح، عندها هناك يا آفة الآفات ستظهر مهشم الأضلاع مذهولاً، سيدخل الفجر الى عتمة هذا البلد محملاً على جراح اجدابيا ومصراتة  والزواية والزنتان وازوارة وكلّ المدن الجريحة، فكلّ المدن اقمار واطفال ونخيل ، ها هو أنت، أنت وحسب قد ابحت سماء هذا البلد فأحترق ليغرق في الدم والتراب، وهذه اشجاره تحمل همّ الأرض وتنصت الى رعود القاذفات، وهذا الدخان المحروق يحمل هشيم الأسى لعيون الأطفال، وهذه كلّ الطيور تسمع كلّ المدن تئن تبحث مع اطفالها في الدّجى الحالك عن زهرة ونخلة ونجمة فضية تلامس رمال الأزقة وهامات المآذن، ها هي بنادق المرتزقة تحاصر المدن ، وها هي الأعاصير تذروا الرمال على طريق الهول، فهل ايها الجرذ تُرهب وطناً أو حقلاً من العدم، وهل- يا آفة - فتك الطغاة يدوم؟
 

• ما ضرك إن سعى هذا البلد كما يشتهي، وكما يحب وكما يرجو في نيل حقه في حرية الفكر والضمير والعقيدة والرأى والتعبيروالأبداع والإنطلاق، أفرية تلك أم بدعة: ليس يجدي أن تكابر، المدن غارقة في القهر، وأنت ضائع والفجر يقترب.
 

ماذا يفيدك أن تطغى في غيك والبلد متعب كالمتاع الفقير، ما الذي يجدي أن ترسل الف قذيفة في الساعة على مدن ترفض إمرتك وجنونك، فهل تستطيع أن تنجو من موت في قبوٍ يهوي بك الى القاع، في قبوٍ يقتات النيران واللهيب، أما علمت أنّ الثّائر يقف شامخاً على الهضاب والسفوح البعيدة يرسم نجمة تعلو حرّة وتكتب في السماء الدنيا: ليبيا.  ليس هنالك حلٌّ آخرُ،فأنت تهوي الى القاع السحيق، فليس في وسعك الفرار، لقد قرّرت أن تدخل في حرب مع قبح صنيعك ودخلتها في نشوة احلامك المتعجلات الواهمة، وها أنت تقبع في زواية معصوبة بأكليل العار من باب العزيزية يأكلك القهرجزعاً، وهذه دواليب القاذفات تنهمر من بين عينيك المعصوبتين،لا تسمع لقصفٍ يعربد في الأرجاء وينهش اغصون المدميات، ازداد حقدك النيرونيّ وازدادت عواصفه الليئمة، اخترعت عالماً لا مثيل لقبحه، لم تترك شبراً من هذا البلد إلا ومزقته بثانية واحدة، ارهقت هذا البلد وازهقته وصبر عليك، اقحمته في ايام خاوية فاضحى شاحباً لا ظهر يسنده ، انزلته اردى منزلة فجمعت فيه من الظلم ما لم يجمعه طاغية، فهل مقضي على هذا البلد الذي انتحس بك أن يقدم روحه قرابيناً لك لكي تحيا وتتبرج مثل طاووس في طريق المقبرة في دنانيشك الأفريقية المعطرة بالعنجهية والغباء، فأنت والنعش وبريق اسمالك تسري في خطو وئيد نحو ركام حرب اشعلتها واقمت لها الأكفان الخاوية ومآتم الفراغ العبوس، ها أنت تسقي هذا البلد القاً وتسكر ونديمك الخوف والقحط وبئرٍ حَردٍ، لقد استبحت بقحط صنيعك سنابل هذا البلد فصار هشيماً قبل حصاده، ارحل فإنّ اهل هذا البلد بشر، ارحل فإنّ هذا البلد للبشر: اراجيح الإنعتاق.
 

• ما ضرك إن أراد المواطن أن يطلق الربيع من قمقمه ليقطف حقه للمشاركة في الحياة العامة و والحياة السياسية مباشرة أو بالتمثيل مساهمة في بناء الدولة، أبليّة تلك أم هلوسة: ليس يجدي أن تكابر، فلتكن الحياة من دونك كما يريدها هذا البلد الذي اثقلته الأوبئة.


سنة واربعون سنة طمست فيها خارطة البلاد وهالك أن يبقى اسم ليبيا حيّاً، فها هو علمها الأصيل منذ انبثاقه الأولي الغالب يفتح باب المستحيل ملء الأسماع مطرزاً في الوانه على وجوه الأطفال، وهذي هضاب الصحاري تعلو، تعلو ويعلو العلم فوق رمالها، والشمس والأرض والنخيل والشطآن والأعشاب ، وكلّ ثائر لم يخش موته يزيح عن جبين البلاد غصنها الحزين، فكم على القبر مرّت دبابة وكم على السطوح تمركز قناص مارق، فأنت مازلت كما أنت، إذ أنت ادخلت على الروّض الخراب وجئت اليه بقادمٍ مجهولٍ، وها أنت بعد اول غارة يهلّ "سناك" المعتق الصفيق على الفضاء تحمل في مطاوي صدرك قبراً حوله مشنقة، وغدوت في مُقل العالم مسخرة واضحوكة يتندر بها الاطفال ، تبيع ارخص الكلمات يلفها رداء من جنون، كلمات تاكل من حشائش الأرض السامة رغباتك العتية، يا ايها المعتوه هلاّ رحلت وتركت لهذا البلد أن يحيا بعد اهوال السنين، ألا ترى بأنك جررت هذا البلد عنوة في سراديب المجاهل، ابحرت بهذا البلد في مهاوي السنون العجاف انفقت عمره هباءً بين حزمة من متاهات الشعارات والعيش الذليل، وها أنت الآن، تقوده الآن الى كارثة محققة وتقحم به بالفيافي الموحشات ومجاهل العتمة والفراغ ورغي الفضائيات، فإلى أين يمضي البشر وقد راق لك شواظ الغضب وعربات المجازر والرازيا، يا طاغية طغاة هذا العصر تلطخت روحك التي اثقلتها الأوبية بالنفط المنهوب والخفافيش البليدة، يا بئس ما حلمت به كلّ السنين واستأثرت، ما ارذل زمنٍ حين جرذ نذل يقود البلاد بناموس صلف الكبرياء الى دخان طليق في ظلمة الفوضى، ومع اجتياح النار بات زمن هذا البلد زمن مغترب ومتشرد أنت فيه الحاكم، اغترب الآن الزمن بخيله فوق ارض مدماة بها البلد بدا أعزل، ارتهن البلد للمواجع وجراح المدن وهذه امواج العواصف تشقى به في غمغمات الظنون وترمي به الى النّائبات الصوارم، ما لي لهذا البلد اليوم يكظم غيظه وهذا المعتوه في باب العزيزية جليس، يذبح البشر فيه على مرأى من أعين الفضائيات ، ستسقط يا جرذ زمانك عفناً بجانب جرذانك الميتة.
 

• ما ضرك إن يقيم هذا البلد ضفاف الأماني و ينعم المواطن الليبي فيها بضمانات في الحقوق والحريات الأساسية كالحق في الحياة وقدسيتها والسلامة الشخصية والحرية وتحريم التعذيب ومنع المعاملة القاسية غير الأنسانية وتحريم المعاملة المهينة، أكفر هذا أم زندقة: ليس يجدي أن تكابر، ألقى الثّائر بذرة الحرية وما على النهار إلا عشقه للبلاد.
 

فيا هذا البلد السجين صبراً فالثائر مع الفجر يقترب ويلمح وجهك الجديد في أعين الأطفال، وعن وجهك القديم الحزين يمسح الهموم، يطوي بيداء الصحاري ليهدم كلّ سجون شيدها جرذ متهور سينفضّ من حواليه الحراس والمرتزقة، ولا تبقى إلا مع الميتين الغابرين، حين يصبح الحلم سيفاً حتى وإن امتدّ النزيف نهراً، فإنّ السنين العجاف مآلها أن تبرح دوائر الجنون، وذات يوم يودع هذا البلد المصاب الجراح رغم احتشاد الرماد، ويبتسم مع زغاريد الصبايا روح الصبح الصبوح، أما اهازيج الثوار فسترددها الدروب الدامية والصحاري العطشى والمدى المتفتح على سكون الأودية.
 

• ماضرك إن ينال الناس فيما ينالوا حق التظاهر والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات والنقابات المهنية والأحزاب السياسية وبناء المجتمع المدني، وصنع الحياة، أجناية تلك أم جنحة: ليس يجدي أن تكابر، إنّ الدخان العبوس يؤجج نار الثورة مقاماً لك.


يا ايها الخصم الأصم المتخاصم مع هذا البلد المبلل بهياجك الضاري، خذ ما تشاء من ينابيع النفط واكثره، ارحل عن هذه الأرض المعذبة، فلم يتبقى منك سوى بقية غيمة من دخان قذفت بها اليك احذية المرتزقة العابرين، أما ترى أم لا ترى بأنّ المدن اضحت في هذا الخراب يباب وحطام تسري فيه ريح شرود في صوتها ذعر مقيم، ألا ابصرت فإن كنت تبصر ابناء البلد البررة يتساقطون قتلاً وقد ارتموا في السعيرعلى مرأى الصباح بكتائب غاشمة، في براري البحر الكبير، بلدً لم يذق قطرة يقين مزقته عمداً، فمن يجني عليه بجنون الشتات كما جنيت عليه، هذي الشوارع اغلقها جنونك وحراسك وجندك الساهرون، طوّل من هذيانك مثلما ترضى وتسعى وزد من العواء كذئب لوثته رؤى الثعالب، ثمّ حملق في في ملامح وجهك البذىء فستظهر لك الأزقة الموحشة، غير أنّك لاتبالي، فلا أحد فتح الأبواب سواك مشرعة لشلال الدخان الدامي والإختناق، فما الذي صيّر السماء سواداً، والبحر والعنب والنخل والزيتون، يا هذا المعتوه يا دوّامة البلاء ايها المكلوم العليل انتظر فسيمد الثّائر اليك يده ويقذف بك في فضاء العراء تئن مثل جرذ يمضغ جيفة، كيف أدخلت من ابواب بيوت هذا البلد الطيب القتلة واللصوص والمرتزقة ، أما رأيتَ جسداً نقياً يتطائر في الشوارع اشلاءً، أم ترى كيف تخضّب فجر هذا البلد بدم اتسع مداه جمراً، أم ترى صائدات الخرائب يسري فيها أفق طليق متهلل وضاء من فيضه ينبثق ثائر، ما أبشع أن ترى يوماً بلداً طيباً استباحه جرذ للقصف المدوي باللظى الموار، وانتفخ فخراً، وليكن، وليطول الحصار فالمدد سيأتي من الجزر البعيدة ، في غابة الغضب احترق البلد واضعت يا ابن منيار عمرك في الخراب والهباب، فهذا البلد ستمنحه الأساطير حقول السحائب الرائقة، فالذي القى بهذا البلد وراء اسوارك سيلقي بك في هوة سحيقة، وها هي الروح الثائرة تعيد للبلاد نبضها وروعتها، ومن وراء السحائب ستطل الشمس على هذه البلاد روضةً مزهرية.
 

رجب محمود دربي
29 مارس 2011