الصفحة الرئيسـية  

وجهـات نظـر !

 

 

 

حكم القيمة وحكم الواقع

   

نقول: من السهولة بمكان أن ينصب المرء من نفسه حكيماً أو فيلسوفاً ويأخذ بالتنظير على الآخرين, خاصة إذا كان هذا المرء يجيد التعبير عن أفكاره ويمتلك القدرة في إيصالها إلى من يستمع أو يقرأ له, بحكم موقعه السياسي أو الإداري, أو كونه يجيد الكتابة في وسائل الإعلام مثلاً.

 

نعم .. من السهولة أن تقول للناس لا تسرقوا , ولا ترتشوا, ولا تكذبوا, ولا تتخلوا عن مبادئكم وقيمكم الإنسانية التي تربيتم عليها أسرياً واجتماعياً ودينياً وسياسياً, وتمسكوا بقيمكم الوطنية والقومية... الخ. ولكن من الصعوبة بمكان أن تلتزم أنت بكل ما تقوله للناس من خلال موقعك الذي أشرنا إليه أعلاه, وذلك انطلاقاً من المقولة الدينية التي تقول : ( القابض على دينه, كالقابض على جمرة من النار),على اعتبار أن غرائز الإنسان ومصالحه بشقيها المادية والمعنوية, غالباً ما تتحكم في تفكيره وتصرفاته, وتكون سيطرتها على حياته أقوى بكثير من وعيه الشقي. فالأنبياء قلة, والناس كما يقول الفقهاء بحاجة  كل مئة عام لمن يرشدهم إلى  الطريق الصواب بعد أن أضلوه , وما أكثر الضالين في كل مرحلة من مراحل التاريخ التي عشها ويعيشها الإنسان.

    

قضيتنا في الحقيقة ليست فيما جئنا عليه هنا, وإنما هي عند هؤلاء الذين ( يقولون ما لا يفعلون).. هؤلاء الذين ظنوا أنفسهم أذكى من الآخرين , وأكثر قدرة على تغطية أفعالهم التي لا تنطبق قيمياً مع ما ينصحون الناس القيام به... مع هؤلاء الذين يقولون للناس لا تكذبوا, ولا تسرقوا, ولا تتعدوا على أموال الناس وأعراضهم, ولا تخونوا الأمانة التي كلفتم صونها والحفاظ عليها, ولا تظلموا الناس وتفتروا عليهم, ودافعوا عن أوطانكم, وافعلوا ما تقولون, وكونوا كسقراط,  أو كوبورنيك,  أو ابن المقفع, شهداء لما آمنتم به من أفكار .. الخ, هذا في الوقت نجدهم فيه يسرقون, ويتعدون على أعرض الناس, ويخونون الأمانة التي كلفوا بها, ويظلمون الناس ويفترون عليهم, ويخونون أوطانهم وهم أكثر الناس ضحايا الفكرة / القيمة التي يتاجرون بها بسبب خيانتهم لها, وهم أكثر الناس بقولون ما لا يفعلون , وأكثر الناس كذباً على الناس وعلى أنفسهم, الأمر الذي جعلهم كالنعامة التي دفنت رأسها في التراب وتركت عجزها فرجة للآخرين .

    

في قولنا هذا لا نرمي التنظير للسوء وممارسة الرذيلة, مثلما لا نرمي أيضا إلى تبرير أخطاء المفسدين في الأرض, وإنما أردنا التمييز بين حكم القيمة وحكم الواقع, والقول بنسبية الحقيقة وتاريخيتها, ورفض إطلاقية المعايير القيمية وثباتها, والرد على هؤلاء الأدعياء الذين نصبوا من أنفسهم أوصياء على القيم في الوقت الذي هم أكثر الناس انتهاكاً لها كما بينا سابقاً .

    

على العموم, إذا كان حكم الواقع هو ذاك الحكم الذي يتحدد عمله في تفسير وتقويم وقائع الحياة المادية والفكرية كما هي في سيرورتها وصيرورتها, وآلية عملها الجدلية, أي هو الحكم الذي يشرح أو يفسر ما هو كائن ومعاش وعياني  وملموس وتاريخي, أي قابل للحركة والتطور والتبدل , فإن حكم القيمة هو الذي لا يحكم على الأشياء بما هي كذلك, وإنما يحكم عليها بما تساويه هذه الأشياء في فترة زمنية محددة بالنسبة لقيم من يمارس هذا الحكم بغض النظر عن مصدرها وآلية تشكلها ومهارات وقابليات واهتمامات حاملها, أو بتعبير آخر, يحكم عليها وفقاَ للذات المدركة لهذه الأشياء بما تمثل هذه الأشياء من مصالح أو منفعة لها, وكذلك وفقاً لدرجة وعي وثقافة وقابليات واهتمامات هذه الذات, وغير ذلك.

 

إذن من هذا التفريق في الحكم على معطيات الواقع أو وقائعه, ما بين حكم الواقع وحكم القيمة. يمكننا القول: إن حكم الواقع يرفض أن تكون الأخلاق ذات معايير ثابتة ومتعالية على الواقع وتعمل دائما على ليّ عنق الواقع كي ينسجم معها, وإنما يقر بنسبيتها وارتباطها بالواقع المعاش وقدرة الواقع على ليّ عنقها كي تنسجم مع حالات تطوره وتبدله بما يخدم مصالح الإنسان. فحكم القيمة للآية الكريمة ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى),لم يستطع أن يبقى متعالياً على الواقع, أو ليّ عنقه كي ينسجم معه, رغم أن هذا الحكم ديني, بل أن حكم الواقع كان أقوى منه, وفرض عليه أن يتغير ليصبح, ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه).

    

إن هؤلاء الذين ينطلقون في تقويمهم الوقائع انطلاقاً من حكم القيمة دون مراعاة لتاريخية هذه الوقائع, هم من لم يصل بعد إلى معرفة أن الفكر نتاج الواقع أولاً,( وهذا ما ينطبق على النص الديني نفسه الذي جاء منجماً ومراعياً لخصوصيات الواقع), ثم أن الواقع يتطور بصورة أسرع بكثير من تطور الفكر الذي أنتجه هذا الواقع ذاته, وهذا ما يجعل الجهلة يعتقدون باستقلالية الفكر عن الواقع ومفارقته له, أو تعاليه عليه, الأمر الذي يدفعهم إلى تصنيم الفكرة وتقديسها وتحويلها إلى قيمة معيارية ثابتة أمام الواقع الذي يطالبون أن يرتقي إليها, وهنا تحدث غربة الإنسان وضياعه في منتجاته الفكرية والمادية معاً, بحيث لم يعد يعرف من أين يبدأ وأين ينتهي, وهذا ما يحقق عجزه في امتلاك قدره وإرادته, مع إيماننا بأن هذه القضية تحوز على نسيبتها, ونسبيتها هذه, هي من يشكل بقع الضوء في تلك المساحة المظلمة الواسعة الانتشار في حياة الشعوب عبر تاريخها الطويل.

 

عدنان عويّد
7 نوفمبر 2009