الصفحة الرئيسـية  

وجهـات نظـر !

 

 

 

الشورى ما بين الشريعة والحياة

 

مع بداية عصر النهضة العربية في الربع الأول من القرن التاسع عشر, راح بعض المفكرين العرب ممن اطلع على الثقافة الغربية وتأثر بها آنذاك, يشعر بالفارق الحضاري أو الثقافي مابين واقع الغرب المتقدم اقتصاديا وسياسيا وثقافيا واجتماعيا, بما فيه تقدمه العلمي والتكنولوجي, والواقع العربي, أو المشرقي عموما, المتخلف أيضا, في كل مستوياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية, الأمر الذي  أوصل بعض رجالات فكر عصر النهضة العربية في القرن ذاته في توصيفهم لواقع الشرق عبر هذه المقارنة إلى القول: بأننا لم نزل نعيش حياة العصور الوسطى بكل تخلفها. ونظرا لكون البلاد العربية كانت تخضع للاستعمار العثماني وسياسته المليّة من جهة, وأن مسألة التأثر بالغرب وفكره كانت في معظمها تصب في الاتجاه السياسي, بفعل تأثير أفكار الثورة الفرنسية, وأفكار عصر التنوير الأوربي من جهة ثانية, فقد لقي التأثر بالفكر السياسي الغربي  قبولا ورواجا لدى مفكري ورجال سياسة عصر النهضة العربية وذلك استجابة لرغبتهم في التخلص من الاستعمار العثماني, وما رافقه من استبداد وسياسات مليّة عنصرية, وبالتالي من هنا كانت مسألة الحرية, والديمقراطية, ودولة القانون والمواطنة, وتحرير المرأة, والنظام الدستوري, والانتخابات التشريعية, وحرية الصحافة, وتشكيل الأحزاب السياسية والجمعيات الدينية والأدبية, والحق الطبيعي .. الخ, هي القضايا الأكثر هيمنة على تفكير ونشاط رجالات النهضة العربية آنذاك, والتي كان ولم يزل الصراع والخلاف يدور حولها بين رجال تيار العلمانية والليبرالية بما فيه رجال الإصلاح الديني من جهة, وبين رجال الفكر الديني الأصولي المتزمت من جهة ثانية, هؤلاء الذين كانوا ولم يزالوا أيضا يرفضون الغرب كليا, ويقسمون العالم ما بين دار الإيمان ودار الكفر, حيث يأتي الغرب عندهم بكل ما يحمل  من فكر وقيم  في دائرة الكفر بالضرورة .

 

في مضمار هذا المشهد من الصراع الدائر في تلك الفترة, برزت مسألة الصراع بين من اعتقد أن الديمقراطية الغربية هي الحل  وراح يطالب بضرورة تبنيها والعمل على تطبيقها في واقعنا العربي لحل مسائل تخلفه والرقي بهذه الأمة أسوة بأمم الغرب التي كان للديمقراطية حسب اعتقاده الدور الكبير في تحقيق ونشر العدالة والمساوة والتحرر من الاستبداد عند شعوبها, وبين من يدعو إلى  تبنى الشورى ويعمل على تطبيقها لتحقيق الأهداف ذاتها التي يدّعيها متبنو الديمقراطية, ولكي يبرهن كل فريق منهما على صحة وجهة نظره, أخذ ‘ينظر ويقدم دفوعاته حول وجهة نظره, في الوقت الذي لم يستطع فيه الطرفان رغم كل تنظيراتهم أن يطبقا ما نظّرا له لأسباب كثيرة يأتي في مقدمتها, أن الكثير من السلطات السياسية الحاكمة منذ عصر النهضة حتى هذا التاريخ, لم تكن ترغب في تسيير أمور بلادها إلا وفق ما تراه مطابقا لمصالحها هي, وليس وفقا لمصالح رعاياها, ولا أقول مواطنيها .

 

إذن في نطاق هذا المشهد الذي جئنا عليه, لنقف قليلا أمام موضوعة الشورى, وننظر في مفهومها وأهدافها وحواملها الاجتماعية ومرجعياتها وموقفها من الدين والدولة.. إلخ .

 

على العموم , يبدو أن جميع من اشتغل على موضوعة الشورى, قد توصل إلى مفهوم أو تعريف عام لها, ينصرف إلى اعتبارها تقليب الآراء ووجهات النظر في قضية من القضايا, أو موضوع من المواضيع, واختبارها من قبل أصحاب الرأي والخبرة بهدف الوصول إلى الصواب.

أما أفضل الآراء المؤدية إلى الصواب هنا كما يدعي حملة مشروع الشورى, فهي, الآراء الناتجة عن ذوي الخبرة والتجربة والجهد والبحث والدراسة والعلم, في إطار ما يتفق مع العقيدة ولا يخالف الكتاب والسنة.

 

إن نظرة أولية لهذا التعريف أو المفهوم, تبين لنا أنه قد حدد مسألتين, تشكلان برأينا المرتكزات الأساسية للشورى وهما :

 

الأولى: المواضيع التي تبحث فيها الشورى: حيث جاءت هذه المواضيع مفتوحة الدلالات في سياقها العام, ( قضية من القضايا, أو موضوع من المواضيع ), بينما جاءت محددة من حيث المبدأ, أو محكومة بالعقيدة, (النص الديني المقدس), الذي لا يعطي الفرد القدرة على إبداء رأيه المخالف لأية قضية ورد فيها نص ديني من القرآن أو السنة النبوية, من جهة, أو حتى تجاه ما ‘شرع أو ‘أفتي فيها من قبل الأئمة السابقين, كما يقر بعض رجال الدين الأصوليين من جهة ثانية . وبذلك تكون الشريعة وفق رؤية هؤلاء قد رسمت حدود الشورى, التي عليها أن لا تتجاوز حدودها , وهي حدود ثابتة وخالدة طالما بقي الإسلام, وبقيت شريعته. وهذا ما يقول به على سبيل المثال لاالحصر, ابن قيم الجوزية والمدرسة التي يمثلها : حيث (لا سياسة إلا ما وافق الشرع). 

 

الثانية : أصحاب الحق في التشاور: وهم هنا كما حددهم علماء السلف- الرجال فقط-  ممن امتلك العلم والمعرفة والتجربة والخبرة والبحث, التي تتماشى أو تتوافق مع الكتاب والسنة, , وما عداهم لا يعدّ برأيهم, أو لا يؤخذ به, , هذا وقد قال الأحناف, بأنهم الأشراف والأعيان, وقال الإمام القرطبي بأنهم أهل العلم والدين ووجوه الكتاب والقراء, كما حددهم الإمام النووي بأنهم العلماء والرؤساء ووجوه الناس, أما رشيد رضا, فقد قال, بأنهم أهل البصيرة .. الخ . يضاف إلى ذلك نجد أن الاختلاف ظل قائما أيضا في مسألة تحديد عدد من تعقد عليهم مهمة التشاور في أمور الناس, وبالتالي البت فيها, فمنهم من قال أن الشورى تعقد على خمسة كما جرى في بيعة (أبو بكر) (رضي الله عنه), والبعض قال تعقد بستة كما حددها عمر( رضي الله عنه), بينما قال علماء الكوفة يمكن أن تحدد بثلاثة, وقالت طائفة باثنين , بل يمكن بواحد إذا اقتضت الحاجة.

المرجعية العقيدية للشورى ودلالاتها :

 

هناك آيتان قرآنيتان وردت فيهما مسألة الشورى هما : الآية الكريمة الأولى في سورة آل عمران (159), في قوله تعالى : (فبما رحمة من الله لنت لهم, ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك, فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر, فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين .). فنظرة المفسرين ومنهم " الطبري"  لدلالات هذه الآية وبخاصة قوله تعالى : ( فإذا عزمت فتوكل على الله), إنما يعني الله بهذا القول, يا أيها النبي إذا صح عزمك بتثبيتنا إياك وتسديدنا لك فيما نابك وحزبك من أمر دينك ودنياك, فامض لما أمرناك به على ما أمرناك به, وافق ذلك آراء أصحابك وما شاروا به عليك أو خالفها . وهذا يبين لنا أن تفسير آية الشورى (159), في سياقها العام, هو أن الشورى هنا غير ملزمة للرسول (ص) لأنه يوحى إليه من قبل الله, أما أمته فإن تشاوروا فيما بينهم فهم مستنين بفعله ذلك, بعيدا عن الهوى والتحيز .

 

أما الآية الثانية الواردة في موضوعة  الشورى فقد جاءت في سورة الشورى الآية (38), في قوله تعالى: (الذين استجابوا لربهم, وأقاموا الصلاة, وأمرهم شورى بينهم, ومما رزقناهم ينفقون. ). وتفسير الطبري لهذه الآية أيضا جاء بقوله: إن المشاورة من قبل الرسول (ص) معهم جاءت من باب تطييب قلوبهم, ليكونوا فيما يفعلونه أنشط لهم . لذلك يقول بعض المفسرين, من هنا يتعين الفصل بين ممارسة الشورى في عهد الرسول, وممارستها لما جاء بعده, على اعتبار أن شخصية الرسول شخصية رسالية يصعب التمييز بين تصرفاته الرسالية الموحى بها من عند الله, والاجتهادات الشخصية الدنيوية, ويعطوا مثالا على ذلك (صلح الحديبة), ففي الوقت الذي تم فيه هذا الصلح بأمر من عند الله, شاور الرسول أصحابه فيه أيضا .

 

انطلاقا من هذا الفهم ألعقيدي لمسألة الشورى, تعددت الرؤى والمواقف الفقهية منها عبر السيرورة التاريخية للدولة الإسلامية منذ وفاة الرسول الكريم حتى هذا التاريخ, وهذا ما يدفعنا هنا إلى تحديد أهم هذه الرؤى والمواقف الفقهية من مسألة الشورى عبر السياق التاريخي لها في التالي :

 

أولا : رؤية فقهاء الحاكمية للشورى :

على الرغم من الموقف الخلافي حول تاريخ ظهور الدعوة إلى الحاكمية, ما بين من يرى أنها مرتبطة بالنص الديني ذاته, وبين من يرى أنها مرتبطة بموقف الخوارج في قضية التحكيم أثناء موقعة صفين, غير أن الموقفين معا, ومن ضمنهما موقف "أبو الأعلى المودودي- والأخوان المسلمون"   قد رجعا إلى الآيات القرآنية الكريمة في اجتهادهما هذا, وهي الآية (44) من سورة المائدة التي تقول : ( ومن لم يحكم بما انزل الله, فأولئك هم الكافرون. ), وكذلك إلى الآيتين (45- 47) من السورة نفسها, اللتين تعتبران من لا يحكمون بما انزل الله هم من (الظالمون و الفاسقون) على التوالي . هذا إضافة إلى الآية الكريمة (38) من سورة الأنعام التي تقول : ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة). ثم إلى الآية (65) من سورة النساء التي تقول : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) .

إن الموقف الفقهي لأصحاب الدعوة من الحاكمية, يقوم على نفي الشورى والقول باستقلال الشريعة, وبالتالي سيادتها الكاملة على كل أمور المجتمع, وقد َرسمت الشريعة حدود الشورى كما اشرنا في موقع سابق, بحيث, عليها أن لا تتجاوز حدود الشريعة ذاتها, وهي حدود ثابتة وخالدة, ففي حالة تجاوزها ستكل خطرا على الشريعة والحكم والفقه, كونها ستكشف لنا دورها الخطير في تعميق الحريات الفردية, بمنحها الفرد وليس الحكومة أو الجماعة, الدور الأول في المجتمع, على حد تعبير المعاصرين من دعاة الحاكمية .

إذاً, إن قاعدة أو منطلق الحاكمية  وفق هذه المعطيات, هي إرادة الله الكونية الجبرية التي تتحكم في المشيئة العامة لجميع الكائنات. أي هي في النتيجة الإيمان, والإيمان تصديق يستلزم الطاعة والانقياد, والحاكمية تتبع الإيمان وجوداَ وعدماَ كما يقول دعاتها, لذلك فإن عدم الاحتكام إلى شرع الله على مستوى الاعتقاد والتصديق, يعتبر في المحصلة كفراَ, كما يعتبر الانحراف عن مقتضى الشرع في الحركة وألسلوك, أو الممارسة, ظلما وفسقا . أما مقاصد الحاكمية فهي عندهم, الفصل في الخلاف بين الناس, ومنع الفساد, وتحقيق مصالح الناس .

 

ثانيا : موقف المتنورين من فقهاء العصر تجاه الشورى:

لقد استطاع بعض المتنورين الإسلاميين من رجال العصر, أن يستوعبوا التحولات الموضوعية والذاتية التي انتابت قضايانا الحياتية في هذا العصر, منطلقين من تجارب التاريخ الإسلامي ذاته, وما اتخذه رجالاته في السابق من مواقف فقهية حاولت تجاوز التفسير الحرفي والتقليدي للكثير من النصوص الدينية, كما فعل عمر ابن الخطاب (رضي الله عنه) في مسألة توزيع الغنائم, أو السرقة في عام الرمادة, وغير ذلك من مواقف فقهية جريئة, حاولت تفسير النص الديني بما يتفق وخصوصيات العصر, وسنة التغير والتبدل في أحوال الناس, منطلقين من مقولة أن الدين جاء للواقع ولم يأت الواقع للدين, لذلك قام هؤلاء وعند مختلف التيارات الفقهية السنية منها والشيعية في فتح باب الاجتهاد خدمة للإنسان وقضاياه. فهناك من قال من أهل السنة بأن الإسلام وضع قاعدة الشورى وعلى المسلمين أن يمارسوها بشرط أن تكون ملائمة في أهدافها ودلالاتها وحواملها ومؤسساتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وفقا لحاجة العصر المعاش ومتطلباته. فالمجتمع الإسلامي عندهم يستطيع اليوم أن يضع القوانين والنظم والتعليمات الخاصة بالشورى بحسب ما يراه المسلمون ملائماَ لعصرهم دفعا للاستبداد بالرأي, دون اعتبار للتطبيقات التي مارسها الخلفاء أو الأمراء أو الحكام, عبر العصور السابقة, وهذه التطبيقات ليست حتمية ومطلقة في معطياتها  لكل زمان ومكان. كما نرى أيضا هذه الرؤية الفقهية التجديدية عند بعض فقهاء الشيعة المعاصرين, وبخاصة عند من نظَّر لما سمي بفقه (المشروطة) وهو الفقه الذي طرح رؤى جديدة لتجاوز مسألتين هما : حالات الجمود في النص الديني أولا, والتعامل مع قضايا العصر بغياب الإمام المعصوم ثانيا, وهم هنا وفق هذه الفقه, يقرون بأن الله هو مصدر القانون, بينما الشعب فهو مصدر السلطات, وخاصة السياسية منها, بحيث لم يعد هناك برأيهم, بعد غياب المعصوم أية عصمة أو حصانة لحاكم, وعلى القانون أن يكون فوق الجميع, لذلك, من هذا المنطلق جاءت ولاية الفقيه, وولاية الأمة, ممثلة بمجلس النواب, والسلطات الشعبية, وحق المواطنة. . الخ.

 

في الختام نقول : تظل الشورى بناءً على ما جئنا عليه أعلاه, موقفا فقهيا خلافيا منذ بداية تأسيس أو قيام ما سمي بالدولة الإسلامية حتى هذا التاريخ, وخلافية هذا الموقف نابعة كما بدا لنا, عن غياب الوضوح في تحديد أهداف الشورى وآلية عملها وحواملها الاجتماعية منذ بداية التعامل معها لحل قضايا المجتمع, الأمر الذي جعل من مسألة طرحها في عصرنا الحالي إضافة لكونها مسألة خلافية, مسألة إشكالية أيضا كما تبين معنا سابقا للأسباب ذاتها, حيث ساهمت اشكاليتها ولم تزل تساهم كثيرا في عرقلة المشروع النهضوي, , بل لنقل كذلك أنها في فهم دعاة الحاكمية شكلت عقبة أمام محاولات التطبيق الديمقراطي في صيغه العصرية, حيث راح بعض من يدافع عن الشورى في حالة ضبابيتها وخلافيتها وإشكاليتها التي أشرنا إليها, يعتبر مصطلح الديمقراطية ذاته سبّه كونه غربي المصدر, هذا إضافة إلى تكفير وزندقة من يدعو إلى الديمقراطية دون وجه حق, أو دون معرفة بالشورى والديمقراطية معا.

 

عدنان عويّد

5 مايو 2009