الصفحة الرئيسـية  

وجهـات نظـر !

 

 


انه أول الكلام .. وليس آخره ..

يا باكيا على المدينة التى تردم!

 

فى جريدة ( أويا ) التى تتبع سيف القذافي، كتب الصحفي الكبير المخضرم الأستاذ عبد الرحمن الشاطر، مقال رائع، لخص حجم مأساة مدينة طرابلس ونهايتها الفاجعة التى أصابتها كالسرطان الذى فتك بها على مدى الأربعين سنة الماضية، بسبب الجهل والقصور وانعدام الكفاءة وفقدان الإحساس المدني أو الحضاري بهذه المدينة العريقة الجميلة، لدى الذين تعاقبوا على تسيير بلديتها ابتداء من أول الانقلاب، عندما صار المعيار في تولي الوظائف العامة، ليس الكفاءة والمهنية وإنما الولاء " للقائد الأممي " " والنظام الجماهيري البديع ".

 

وبدلا من أولئك الرجال الأكفاء والمثقفون الأوائل عمداء بلدية طرابلس، من أمثال الطاهر القره مانللي و الدكتور مصطفى بن زكري والنائب البرلماني، ابن المدينة العريق، الأستاذ عبد العزيز الزقلعي، والأستاذ الكبير على جمعه المزوغي.. بدلا من رجال على هذا المستوى جاءت ( سلطة الانقلاب العسكري ) لتضع أشخاصا من الجهلة والعوام والمتخلفين ( الشلفط )، عديمي الكفاءة والمركز الاجتماعي من عيّنة المدعو عز الدين الهنشيري، ومن توافد فى إثره على بلدية طرابلس من نفس العيّنة، التى وضعت بين يديها " مصير المدينة " حتى انتهت إلى ما انتهت إليه من تشويه وقبح وخراب وانحطاط، لعلهم يحاولون الآن التستر على بشاعة الجريمة التى تعرضت لها، وطمس ما تبقى من أطلالها بعملية الهدم والإزالة الجماعية المحمومة الجارية الآن، على قدم وساق، والتي وان لم تلفت أنظار أو تهز ضمائر بقية النخبة من الصحفيين وكتاب هذه المرحلة، الا أنها هزت الأستاذ الصحفي، عبد الرحمن الشاطر وهو أحد أبناء طرابلس الأوفياء والعريقين، لأن يكتب مقاله الرائع الذى مس به شغاف من تبقى من الأحياء من أهل المدينة، وأضرم فى قلوبهم جميعا النار إحساسا بفداحة الفجيعة وما يحل بطرابلس الجميلة من عدوان وتعد وجهالة !

 

يقول الشاطر :

" فالمدينة .. مدينة طرابلس، كانت جميلة وكانت عروس البحر الأبيض المتوسط، ولقد ولدنا فيها وترعرعنا ولا زالت ذاكرتنا تختزن جمالها ونظافتها، غير أن الزمن أتى عليها بمحنه ومصائبه متمثلا فى مسئولين لم يعرفوا كيف يواصلون الحفاظ على نسق جمالها، ولم يستشعروا التزايد السكاني من داخل سكانها، أو من الوافدين عليها من مناطق مختلفة، بمعنى أنه لم يكن لديهم لا رؤية ولا خطة ولا دراسات ولا تخطيط ولا جهات رقابية فعالة، وفى غياب هذا كله كان الأمر الطبيعي أن تتكون العشوائيات .... "

 

وكيف لا تعيش هذه المدينة العريقة فى الوجدان والذاكرة، وهي التى احتضنتنا ونحن صغارا، ترعرعنا فيها واستمتعنا بجمالها ونظافتها وأناقتها قبل أن يغزوها الجراد الصحراوي، ويحيلها إلى خراب يباب، وها هو الجراد الآن يقوم بردمها فى صحاري جهله وتخلفه وخرابه.

 

وكيف يمكن أن يكون للجراد رؤية أو خطة؟ وهو مجرد " جراد " أيها الأستاذ المفجوع عبد الرحمن الشاطر!

 

ولم لا يحزن عبد الرحمن الشاطر على مدينتنا الجميلة الأصيلة، المولودة قبل ألفي عام باسم ( أويا ) التى أسسها الفنيقيون مع كل من مدينة لبده وصبراته، وعندما وصل الرومان واستتب لأمبراطوريتهم الأمر وبسطوا نفوذهم على كامل تراب ليبيا. وكما ورد فى كتاب ( تاريخ ليبيا العام ) للمؤرخ الليبى الكبير المرحوم محمد بن مسعود فشيكه " فإن الأمبراطور الروماني (هرديان) أعاد بناء مدينة سيرينا بشرق ليبـيا التى خربتها ثورة اليهود بناء جديدا، وكان حظ المدن الفينيقية أويا وصبراته ولبده من عناية الرومان كبيرا من حيث إعادة البناء والتحسين ".

ويقول المؤرخ الليبي أن الرومان جددوا البناء ولكنهم حرصوا على المحافظة على الطابع الأصلى التى نشأت عليه هذه المدن فى العهد الفينقي واليوناني من شوارع و أسواق وميادين مثلما كانت عليه قبل مجيئهم؛ " وأما المباني المستجدة فقد جعلت على الطراز الروماني، وقد ازدهرت هذه المدن وكانت الحياة فيها على جانب عظيم من الرقي وطيب العيش، وفي هذه الحقبة الزمنية  ظهر اسم (Tripoli) أي المدن الثلاث التي سميت به طرابلس، التى رغم تعاقب الأيام وتعدد ما تعرضت له المدينة العريقة من غزوات وقلاقل، الا أنها ظلت صامدة فى وجه الزمن تواجه الغزاة والمعتدين ولا تفقد الأمل، وانهزم الغزاة والمعتدون والطامعون وبقت طرابلس تتلفع بسورها الحصين القديم وتتماسك داخله وتتحدى الزمن.

 

وجاء أحفاد الرومان ( الطليان ) عام 1911، ووقفوا باحترام أمام جلالها ورأوا بسبب خلفيتهم المدنية وتراثهم الحضاري أن يبقوا على المدينة ويحافظوا على عراقتها، وقد بذلوا الجهد وأنفقوا الكثير من المال فى سبيل تحسينها وتنظيفها من شوائب القدم وخطى الزمن، ووضعوا لها مخططا معماريا جديدا لتلافي ما تعانيه بحكم التطور من نواقص؛ فأدخلوا إليها الكهرباء لينيروا بيوتها، وبنوا شبكة الأنابيب لتزويد السكان بالمياه الصالحة للشرب، بعد اعتمادهم السابق الكلي على مياه الآبار والمواجن،  وعبدوا شوارعها غير المعبدة، وان أبقوا على تلك المعبدة فى السابق بقطع الصخر البركاني ( البازيلت )، واعتنوا بتنظيفها اليومي وتجميل المداخل ..
 

وبسبب احترامهم للتاريخ والحفاظ على " شواهد العصر ورموز الحضارة " قاموا بترميم المباني العتيقة وتجميل قوس ( ماركو أوريللي )، ورمموا أيضا المساجد القديمة ودور العبادة، واهتموا بسوق الترك وسوق النجارة وساعة سوق المشير ومدرسة عصمان باشا، وكتاتيب القرآن وزوايا الطرق الصوفية وأضرحة الأولياء، حتى أدرك (جيلنا) ضريح سيدي الشعاب وسيدي مكاري متكأين على الشاطىء الجميل كنصب تذكارية الى جانب العمارات والمباني الحديثة، بل انهم حافظوا على ضريح سيدي سالم الذى أطلقنا عليه بخبث ضريح ( سيدي الصاليته ) " والصاليته تعنى بالإيطالية المنحدر " ! وكان الضريح الصغير قد توسط الطريق الدائرى لباب البحر بالقرب من المرتفع الذى يطل على الشاطىء، والذى أقام الطليان عليه نصب الجندي المجهول، ومع ذلك فلم يجرءوا على ازالة الضريح أو تغييره أو نقله، ولكنهم اضطروا إلى تقسيم الطريق بسببه إلى فرعين! حتى جاء من له كل جرأة الجهل والغطرسة بعد الفاتح من سبتمبر 69 فأزال ضريح سيدي سالم، كما هدم معه ضريح سيدي احموده الذى احتوته إدارة الأوقاف فى عهد مديرها المرحوم محمود المنتصر.

 

وبتشجيع من الإدارة الإيطالية، تم بناء ( العمارة ) التى جاءت تحفة معمارية جميلة فى ميدان الشهداء ( ساحة إيطاليا - سابقا ) لتضم أيضا المسجد الأنيق و( مكتبة الأوقاف الكبرى ) التى كانت منذ العهد الايطالي وأثناء الفترة الانتقالية وقيام الدولة الليبية قد تحولت إلى قلعة للثقافة ومنار للمعرفة بقيمة الكتب المتنوعة والمراجع القيمة التى تزخر بها.

 

ووضع الإيطاليون أيضا تخطيط جديد لمدينة طرابلس، وهى كل المباني والمرافق العامة والعمارات والأحياء السكنية التى اقيمت خارج سور المدينة القديمة، ووصل جيلنا الذى كان يستمتع بالكورنيش المتمدد على شاطئ طرابلس الجميل، ويرتاد المنتزهات الخضراء والمقاهي الراقية فى شوارع الاستقلال و24 ديسمبر وجادة عمر المختار.

 

وبعد رحيل ( الطليان ) وتحقق الاستقلال، تولت بلدية طرابلس تنفيذ المخطط الجميل لطرابلس الجديدة الذى وضعه الإيطاليون، ولم يكن يسمح لأي شخص مهما كان مركزه بالبناء خارج المخطط، أو البناء بدون الحصول على ترخيص من القسم الهندسي والفني للبلدية.

 

وهكذا كانت طرابلس الجميلة، التى يبكي أطلالها اليوم، الصحفي الليبي الكبير الزميل عبد الرحمن الشاطر!

 

إلاّ أن نوائب الزمن وكوارث الدهر ما لبتت أن داهمت المدينة الجميلة، وسهلت اقتحام التتار لها .. " تتار" الفاتح من سبتمبر 69 الذين دشنوا عهدهم فى ذلك اليوم، بتكسير اليفط الضوئية، وإلغاء خدمات التنظيف العامة التى نظمتها البلدية بمتعهد خاص وتحت رقابتها الصارمة، فأخذت الأوساخ تتكدس والأزبال تتراكم، والمدينة النظيفة تتشوه ويتآكل حسنها، وتتحول شوارعها النظيفة إلى تجمعات للنفايات والزبالة والحفر!!

 

ثم انطلق " التتار" فى تنفيذ مهمتهم التاريخية بدون هوادة، فهدموا " لأسباب ما زالت مجهولة " التحفة المعمارية التى ضمت مسجد سيدي احموده والمكتبة الكبرى والشقق الأنيقة التى تطل على ميدان الشهداء وشارع الاستقلال، واختطفوا تمتال الإمبراطور الليبي الروماني، سبتيموس سفيروس وأبعدوا نصبه الذي كان يحرس أحد أبواب المدينة!! وأغتصبوا مبنى " الكاتدرالية " وحولوه إلى " مقر " لما يسمونه بالدعوة الإسلامية، وهدموا رمز الشرعية الدستورية والديمقراطية البرلمانية ودولة المؤسسات التشريعية مبنى البرلمان، ومبنى وزارة الخارجية الليبية، وغيرها من المباني الجميلة والتاريخية والأثرية! وواصلوا جريمة محو المواريث الحضارية والتاريخية، حيث أزالوا زاوية الجغبوب وضريح الامام محمد على السنوسي، ونصب الأخوين ( فليـني ) التذكاري الذي كان على الطريق الساحلي بين طرابلس وبنغازي ... وربما سيصل التتار في النهاية الى مبنى معرض طرابلس الدولي، وقلعة السراى الحمراء، ومبنى البريد وعمارة الأورورا التي تضم مقهى ( AURORA) التي سحرت السواح وكانت ملتقى القضاة المصريين ورجال السلك الدبلوماسي الأجنبي.... والله وحده، هو الذي يعلم ماذا يخبئ الزمن لطرابلس ... وبقية مدن ليبـياالمغدورة!

 

حفيد سبـتيموس
22 أبريل 2008