الصفحة الرئيسـية  

وجهـات نظـر !

 

 

 

هل اسرائيل واحة الديمقراطية فعلا ؟
 

غداة اقامة اسرائيل رفع شعار "اسرائيل واحة الديمقراطية في الشرق الاوسط " . ولقي الشعار ولا يزال تقبلا واسعا حتى لدى غالبية النخب السياسية والفكرية العربية ، وذلك بتسليط الاضواء بكثافة على مؤسسات النظام الليبرالي القائمة فيها ، حيث تعددت الاحزاب ، وتنوعت الصحف ، وتوالت الانتخابات وتداول السلطة ، وجرت مساءلة صناع القرار عن تقصيرهم ، بما لا يكاد يختلف عما هو قائم في اعرق الديمقراطيات الاوروبية والامريكية ، كما انه متمايز كيفيا عما هو شائع في الاقطار العربية كافة .

والسؤال الذي يفرضه الواقع الصهيوني : هل إن ما هو قائم تعبير حقيقي عن واقع ديمقراطي ، أم أنه ليبرالية صهيونية ذات بعد واحد تجسد احدث اساطير التفوق الصهيوني المدعى بها ، وليس ترويجها إلا من قبيل تعزيز الصورة الخادعة لكيان استعماري استيطاني عنصري ، محكوم  منذ نشأته بعقيدة تلمودية مناقضة لاسس الديمقراطية ؟ وفي الاجابة عن السؤال المطروح أذكر بحقائق نشأة الكيان وواقعه التالية :

فالكيان لم ينشأ نتاج تطور ديمقراطي لشعب مستقر تاريخيا في الارض التي فرض عليها ، ولا كنتيجه تنفيذ سلمي لقرار التقسيم المنشىء له ، وانما بفعل سلسلة جرائم تطهير عرقي بادرت الى اقترافها المنظمات الصهيونية غداة صدور قرار التقسيم ، مستغلة افتقاد عرب فلسطين لاي تنظيم مسلح نتيجة القمع البريطاني . بحيث تجاوز الصهاينة حدود التقسيم باحتلالهم  78 % من ارض فلسطين ، وفرضهم التهجير القسري "الترانسفير" على 85 % من المواطنين العرب في الارض المحتلة ،. فضلا عن  اقترافهم ما يقدر بمائة مجزرة والعديد من حالات الاغتصاب .

ومنذ اقامة الكيان الصهيوني كان التناقض مع الديمقراطية قاعدة ممارسات صناع قراره وجمهوره، إذ اعتمدوا ، ولا يزالون ، استراتيجية الاستهانة المتعمدة بالقرارات والقوانين والاعراف الدولية ، والتنكر الصارخ لشرعة حقوق الانسان . وهذا ما يتجلى بالامتناع عن تنفيذ حق العودة بموجب القرار  194 الذي قبلت اسرائيل عضوا في الأمم المتحدة عندما التزمت بتنفيذه وفق بروتوكول لوزان سنة 1949 . كما بتواصل التمييز العنصري ضد المواطنين العرب الصامدين في أرضهم ، الذين برغم اعتبارهم اسرائيليين رسميا اخضعوا حتى العام 1966 لحكم عسكري متعسف في اجراءاته القمعية ، التي لم تتوقف باعلان نهاية الحكم العسكري .

ولم يقف الامر في "واحة الديمقراطية " عند تدمير قرى ومصادرة اراضي الذين هجروا خارج الحدود ، وانما طال التدمير غير يسير من قرى الصامدين وجرت مصادرة مئات آلاف الدونمات من اراضيهم . بحيث تضم اسرائيل اليوم قرابة ثلاثمائة الف لاجىء عربي ، يعرفون بانهم "الحاضرون الغائبون" ، إذ هم برغم وجودهم على مقربة من قراهم المدمرة ممنوعون من اعادة اعمارها او فلاحة حقولهم المهجورة ، ومثالهم مواطنو قريتي "اقرت" و"كفر برعم" في اعالي الجليل . ومنهم الذين اقاموا مساكن عشوائية على اطراف قراهم التي طردوا منها ، وعرفت مساكنهم بالقرى "غير المعترف بها " التي لم تربط بخطوط الكهرباء والمياه وقنوات الصرف الصحي ، ومثالها قرية "العراقيب" وسط النقب المحتل .

    ولا شك ان اسرائيل تمتلك كل المؤسسات الليبرالية ، إلا أن الالتزام بالعقيدة الصهيونية هو القاسم المشترك الاعظم لمواقف جميع الاحزاب والصحف من اقصى اليمين الى اقصى اليسار. بدليل انه ليس بين المصنفين "يساريين" من رفض الاقامة في الارض العربية المحتلة ، أو امتنع عن سكنى منزل هجر منه اصحابه . فضلا عن الاجماع العام على رفض حق عودة اللاجئين أو الانسحاب لحدود التقسيم ، او اخلاء الضفة والقدس الشرقية من المستوطنات . أو تنفيذ قرار محكمة العدل الدولية بتفكيك جدار الفصل العنصري ، أو اقامة الدولة الفلسطينية تامة السيادة على كامل الارض المحتلة سنة 1967 . ما يعني في التحليل الاخير ان التمايزات بين الاحزاب والصحف الصهيونية والمفكرين والساسة الاسرائيليين انما هي تمايزات في درجة الالتزام بالفكر والعمل الصهيوني ، وليست تباينات نوعية في الموقف من الطبيعة العنصرية للكيان  ودوره في خدمة مصالح القوى الدولية راعيته .

ولعلم من لا يرون في الديمقراطية غير المؤسسات الليبرالية : ، دون اعتبار لمضمونها  ، أنه في الانتخابات الالمانية في 31 يوليو / تموز 1932 حاز الاولوية الحزب النازي بزعامة هتلر ، بحصوله على 37.3 % من الاصوات . وأن هتلر انتخب مستشارا في يناير / كانون ثاني 1933 بتأييد احزاب اليمين : حزب الشعب الوطني الالماني ، وحزب الشعب الالماني ، والمركز الكاثوليكي بزعامة فون باين . وخلال العهد النازي كان غالبية الالمان ، رجالا ونساء ، منتظمين في هيئات المجتمع المدني . ما يعني أن العبرة ليست في توفر وفعالية المؤسسات الليبرالية  فقط ، وانما أيضا في فلسفة النظام وبرامجه السياسية والاجتماعية .

    وحقا إن اسرائيل متفوقة على المجتمعات العربية بتوفير المؤسسات الليبرالية ، وما يتمتع به عناصر التجمع الاستيطاني الصهيوني من حرية الارادة ومشاركة في صناعة القرارات . غير أن الاقطار العربية ، برغم قصورها الديمقراطي وعدم خلوها من ممارسات  عنصرية مدانة ، ليس بينها قطر غير متفوق على اسرائيل بانعدام التمييز العنصري بحكم القانون تجاه حملة جنسيته ، أو لديه قوانين عنصرية تجاه الآخر ، كما هي الحال في "واحة الديمقراطية" الملتزم صناع قرارها وجمهورها بالرفض القاطع لان تكون دولة كل مواطنيها .

    وليس ابلغ اجابة عن السؤال المطروح بداية من انه خلال العام الجاري مر على المعتقلات ما يقارب ألف قاصر مقدسي ، وان بعضهم ممن لا يجاوزون الرابعة عشرة فرضت عليهم الاقامة الجبرية في بيوتهم ، كما كانت تفعل الدول الاستعمارية مع الزعماء الوطنيين ، وان بعضهم الآخر عزلوا عن اسرهم ، لأنهم قاوموا بالحجارة جنود احتلال مدججين بالسلاح .
 

عونـي فرسـخ

25 ديسمبر 2010