الصفحة الرئيسـية  

وجهـات نظـر !

 

 


 

العصيان المدني في ليبيا ضرورة أم اختيار؟

 

إن حالة الإحتقان المزمنة التي خلقها الجمود السياسي، وغياب أي شكل من أشكال التطور في الحياة السياسية منذ إنقلاب سبتمبر إلى يومنا هذا قد أوجدت وضعية هلامية في ليبيا. هذه الوضعية ألقت بظلالها القاتمة على عقود مضت، وأفرزت حاضراً مشوشاً، وأفقدت المواطنين الليبيين حتى مجرد استشراف المستقبل.

 

ولعله من المقبول والمنطقي التساؤل: متى يصبح أي عمل يقوم به مجموعة من المواطنين ضرورة؟ ومتى يصبح اختياراً؟.

 

الإجابة ببساطة شديدة تتعلق بالحجم والكم المتاح من الإختيارات أمام المواطنين؛ فكلما تنوعت الإختيارات، وتعددت، كلما اتجه المواطنون إلى الإنتقاء من بين هذه الإختيارات ما يعتقدون أفضلها، بطريقة تحقق التفاعل والمشاركة السياسية بين عناصر المجتمع، وفي داخله. وكلما تقلصت هذه الإختيارات، أو أصبحت شبه منعدمة، كلمت إتجه المواطنون للبحث عن وسيلة أخرى للتخلص من هذه الوضعية الجامدة والهلامية، ليس لأن ذلك مرغوب ومطلوب فحسب، بل لأن ذلك ضرورة ملحة يقتضيها الحال.

 

وفي هذا السياق تثار الأسئلة التالية :

 

- هل ينعم الليبيون اليوم بالفعل، في ظل هذا النظام القائم الآن، بالأمن، والإستقرار، وبالعدل، والمساواة، وحق الإختيار، والقرار، وحرية العمل السياسي، والاقتصادي، وحق إبداء الرأى، والتعبير؟.

 

- هل تبدو هناك بالفعل أية آفاق واضحة أمام الشعب الليبي بعد أكثر من 37 عاماً من المعاناة في إمكانية حدوث أي تغيير أو إصلاح جوهري ينقل الشعب الليبي إلى وضع أفضل مما هو عليه الآن؟.

 

- وهل هناك بالفعل أية بوادر عملية وملموسة تجعل الليبيين يعتقدون بأن حياتهم ومعاشهم في الحاضر، أو حتى في المستقبل المنظور، سوف تكون أفضل بدرجة معقولة مما هي عليه الآن؟.

 

- وهل توجد مؤشرات جدية، وخطوات عملية، تؤكد لليبيين إمكانية حدوث إنفراجات أساسية وجوهرية، على كافة المستويات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتعليمية، وغيرها؟.

 

- وهل هناك أى بارقة أمل لدى هذا الشعب الصابر، بأن يعيش في المستقبل القريب في مجتمع مدني، تحكمه القوانين، ويدار بواسطة المؤسسات، وليس بعقلية العصابات، أو بواسطة شخص، أو مجموعة اشخاص، وأجهزة أمنية، كما هو الحال الآن؟.

 

- وهل اختفت من ليبيا معالم الظلم والغبن التي سادت - ولا زالت تسود - حتى يومنا هذا؟ أم أنها تمارس بأشكال متعددة، وصور مختلفة، من قبل السلطة وأعوانها؟.

 

- وهل انتهت مرحلة أولئك القتلة واللصوص الذين أفسدوا كل شيء في البلاد؟ أم أن هؤلاء مازالوا يسيطرون ويديرون كل شيء باسم الشعب، ولكن على حسابهم الخاص، ولمصالحهم الشخصية؟.

 

إن مصدرالإلحاح في الحالة الليبية أمر تقتضيه حالة الجمود السياسي القائمة، التي ترفض التغيير والتبديل، ويتم فيها الإصرار على البقاء دون حراك على نفس الأفكار، والتوجهات، والسياسات، والممارسات، والأشخاص، وتجاهل تلبية كل الإستحقاقات الداخلية الملحة والضرورية، التي مضى عليها أكثر من ثلاثة عقود.

 

هذه المنظومة الكاملة لم يثبت فشلها فحسب، بل ثبت دورها التخريبي والتدميري والإفسادي في المجتمع الليبي. وفي الوقت التي أرغم فيه - أو اضطر – القذافي، ونظامه، إلى تقديم كافة التنازلات للقوى الأجنبية الخارجية تحت وهم الخوف من المجهول القادم، فإنه لم يتم داخلياً تحقيق أي من الاستحقاقات الداخلية.

 

إن فقدان الإحساس بهذه الحالة المأزومة، أو تجاهلها بالكامل، يدفع بالشعب الليبي في إتجاه اللجوء لتغيير هذه الوضعية، من خلال تغيير ذهنية المواطنين، حتى يصبحوا قادرين على ممارسة دورهم في إسترداد حقوقهم، والتحرر من كافة الحواجز النفسية التي يخلقها الموقف السلبي من رؤية الظلم والفساد، دون القيام بأي عمل في مواجهة ذلك.

 

إن كسر هذه الحواجز سيقود حتما إلى تفعيل إرادة المواطنين، وتدمير حاجز الخوف، عبر تحطيم البنية الذهنية التي يتم داخلها تعميم عقدة الخوف.

 

إن مسؤولية المواطنين، تقتضي تلبية نداء الضمير في مقاومة الظلم والإستبداد، من خلال العصيان المدني الذي أصبح في هذه الحالة الليبية ضرورة، ولم يعد إختياراً.

 

العصيان المدني هو شكل من أشكال المقاومة، وعمل مشروع في مواجهة الظلم، وليس مجرد تعبير عن موقف إزاء ممارسات ظالمة وخاطئة. والعصيان المدني يملك كل المبررات الأخلاقية، والمبدأية، النابعة من عدالة المطالب، والإستحقاقات التي يريدها الشعب الليبي.

 

إن الظروف التي كانت تحول في الماضي دون تلبية الاستحقاقات الداخلية تحت كافة الحجج والمبررات، لم تعد قائمة بعد اليوم، وعليه فإن العصيان المدني هو الوسيلة الوحيدة الباقية أمام المجتمع الليبي للتحشيد السياسي، وتفعيل إرادته، ثم استرداد حقوقه.

 

عبد المنصف البوري

16 فبراير 2007