الصفحة الرئيسـية  

وجهـات نظـر !

 

 

 

العقيد معمر يقوم بالنقد الذاتي .. !!
 

لنفترض جدلاً .. أن المعجزة حصلت بالفعل ، وصار عند العقيد صحوة ضمير .. وتحلى ولو لمرة واحدة بالشجاعة .. فما عساه أن يقول يا ترى في نص نقده الذاتي ..؟!

يأيها الليبيون .. !

الذي يقـف أمامكم اليوم ، وبكل شجاعة وثبات ليقـوم بتـلاوة وثيـقة نقـده الذاتي عليكم ، هو قائدكم معمر بو منيار القحصي القذافي .. والذي يطلب راجياً من الله أن يقبل توبته وأن يمنح الليبـيين نعمة التسامح ويلهمهم جميل الصبر .. إنه سميع مجيب .

أيها الليبيون .. لقد خبرتكم لما يقرب من أربعين عاماً .. وأنتم تعرفون جيدا أنني لا أخافكم ولا أخجل منكم .. ولكنني رأيت أن بعد هذه المدة الطويلة، لا بد من مراجعة علاقاتنا المتبادلة .. !

لقد قمت وزملائي بثورة الفاتح ، لا بهدف إغتصاب السلطة ، بل من أجل إصلاح ما أفسده العهد البائد ، ومن أجل القيام بتغييرات جذرية في البنية الإقتصادية والاجتماعية البالية ، وانتشال ليبيا من دوائر التخلف والتبعية ، والسير بها بثبات نحو افاق التقدم والتطور .. ، والوصول بها إلي ضفاف الألفية الجديدة وهى قوية عزيزة .. هكذا كان الخطاب .. وهكذا كانت النوايا .

أما ما حدث في الواقع .. فقد كان بطبيعة الحال مخالفاً بعض الشئ لتلك النوايا .. ومتناقضا مع روح ذلك الخطاب .. فعندما ترسخت أقدامي في السلطة وتجاوزت معظم العقبات التي صادفتها في البداية .. ، وانفتحت أمامي أبواباً واسعة وافاقاً رحبة .. أدركت حينها أن ( مكيافللي وأميره ) كان بالنسبة لي عراباً بارعاً .. واستطعت في فترة وجيزة أن أسبر غور نظرياته .. وجعلت بعض من أطروحاته خارطة طريق لي أستعين بها عند الحاجة في محيطي المحلي والإقليمي والدولي ، وهكذا جعلت على سبيل المثال من الأطروحة المكيافيللية القائلة :  " الأفضل لك أن يهابك الناس من أن يحبوك "  ثابت من ثوابت سياستي ..، فقمت بإلغاء الدستور ومؤسساته ، وحل محلها على الفور الإعلان الدستوري أو ( قانون حماية الثورة ) .. ، وبحل المؤسسات الد ستورية وما تبقى من مؤسسات المجتمع المدني ، رفعت شعاري الفعال " من تحزب بعد الفاتح خان " ؛  ودخلت ليبيا بذلك مرحلة جديدة من تاريخها ، إتسمت بظاهرة بث الرعب والخوف في قلوب ونفوس المواطنين .

أيها الليبيون .. أعترف لكم بكل صراحة ، بأنني أطلقت االعنان لعصاباتي الملثمة - والتي والحق يقال قامت بواجبها على أكمل وجه - فعاثت في الأرض فساداً وأرهبت المواطنين جميعا .. تلك العصابات التي استوحيتها من عصابات القمصان السوداء الفاشـستية .. فبها رسخت أقدامي وبها فرضت هيبة نظامي .. وعم في البلاد الاستقرار والهدوء والأمن حتى يومنا هذا .

وبالتزامن المبرمج سلفـا  لتـلك " الغزوات " والحملات التأديـبية على بعض الفئات الاجتماعية .. وخاصة الحركة الطلابية ، وبعض الشرائح العمالية في قطاع النفط والنقل البري ( سائقي الشاحنات ) ، وبالإضافة إلي ذلك أمرت بتكثـيف أعمال الترهيب بالإهانة والاعتداء على عدد من رموز المجتمع .. وذلك بهدف القيام ببعض التأميمات وإجراءات الإستيلاء على عدد من الأنشطة والمرافق بالقطاع الخاص .. وبالفعل تم ذلك بسهولة فائقة وبدون أي مشاكل تذكر، وكما توقعت .. فلا تذمر ولا إحتجاج .. ولا حياة لمن تنادي ؛  وبواسطة تلك الإجراءات ، ضربت عصفورين بحجر واحد وحققت هدفين مهمين اثنين .. أولهما انتزاع السلاح الاقتصادي لتلك الفئات الاجتماعية ، وثانيهما بالطبع تحجيم دورها الاجتماعي ، ومن ثم شله نهائياً .
 

أما النقلة النوعية الكبري ، فقد جاءت مع خطاب زوارة .. ذلك الخطاب التاريخي الخطير ، الذي هز هيبة الدولة وجرح كبريائها في نظر المجتمع عموماً ، ولدى العاملين بأجهزتها على وجه الخصوص .. ذلك الخطاب الذي دشن المرحلة الثانية للثورة .. والتي أصبح فيها موظف الدولة  منذ ذلك التاريخ عبارة عن رقم لا إسم له .. ولماذا يحتاج إلي إسم ؟ فإسمي وحده يكفي ، وإسمي هو الممثل الوحيد لكل الليبيين .. فذلك التاريخ المفصلي لثورة الفاتح ، جعل مني أنا الفاتح وأنا القائد وأنا الأوحد .. وبإلغاء الدستور ومؤسساته أصبحت تلقائياً أنا المشرع والرقيب والمحاسب ؛  وبإختصار أنا المرجعية الوحيدة في الدولة والتي تصدر عنها كافة التشريعات والقرارات وكذلك كافة الخطط والبرامج التنموية .. ألست أنا مهندس النهر الصناعي وأنا مخطط الثورة الزراعية وأنا راعي مجمع أبو كماش ، وحديد مصراته الخ .. أولست أنا صاحب العقل المدبر ومنقذ البشرية.. ؟! وأنا لها بالفعل ، وأنا بكل تأكيد لها .. !

أيها الليبيون .. بصفتي الرجل الأعجوبة الذي يجسد كل تلك الملكات الخارقة .. فقد قررت إخضاع قطاع النفط بالكامل الي رقابتي ، وتحت تصرفي .. وأصبحت بالتالي الوحيد الذي يعرف دخل ليبيا من عوائد النفط ، علي وجه الدقة .. وانا الوحيد الذي لديه صلاحية توزيع المخصصات علي القطاعات المختلفة .. أليست السلطة والثروة والسلاح في يد الشعب .. ومن هو الشعب غيري أنا ..؟!!    

ومنذ الأشهر الأولى للثورة أمرت بإعادة بناء القوات المسلحة .. وفتحت لهم باب الإنفاق الهائل على مصراعيه وأخذت صفقات السلاح تأخذ مجراها وتنسج شبكة معقدة واسعة من العلاقات المشبوهة داخلياً ودوليا .. وتحولت الي نبع لاينضب للإثراء والفساد وشراء الذمم .. ذلك المصدر الذي استفاد منه العديد من ضباطنا الأحرار وحاشياتهم ، وهذا كله كان يتم بالطبع .. بمعرفتي ومشورتي ومباركتي .. ولم لا وهم أبناء هذا الشعب الفقير البائس .. وكما يقول مثلنا الشعبي " رزقا ما عليه بخيل " وكما تعرفونني فأنا لست بخيلا ولست حسودا .. ولست حقودا .. !!

وهناك مصدر آخر لا يقل أهمية عما سلف ، والذي تحول الي ورشة ضخمة لشراء الذمم ونشر الفساد وإنتشار الرشوة وتوطينها في المجتمع الجماهيري .. تمثل في تلك المشروعات العملاقة ، كمشروع النهر وروافده ، ومشروعات " البرستيج " المختلفة في سرت وغيرها .. والتي استفاد منها الكثيرون من أعضاء اللجان الثورية ، وعدد من أعضاء اللجان الشعبية ، كما أعطيتهم فرصة الأستفادة من العلاقات التي طورتها لهم مع جهات إقليمية ودولية مختلفة ، وكذلك مع عدد من التنظيمات الثورجية وحركات إرهابية .. والتي كانت تتطلب الكثير من السيولة النقـدية .. ( كاش والمزيد من الكاش ) أو كما يقول المثل " حط العصبانة في فم القطوس " .

أيها الليبيون .. !

بصفتي قائدكم الأوحد الحريص على تقدم شعبه وسعادته ، وبصفتي الأب العطوف الحنون على أبناء الجماهيرية ، وبما انني الحارس الأوحد الأمين لبيت المال .. فأنا أدرى بمن يستحق العطاء ، فأنا الراعي والمسئول عن رعيتي .. لذلك قمت بتأسيس ، مؤسسة القذافي الخيرية ، وكلفنا إبننا سيف بإدارتها ، وكلفنا أبنتنا عائشة بإدارة مؤسسة وأعتصموا الخيرية الأخرى ، أما إبننا الساعدي فقد ذاع صيته في أرجاء العالم، لسخائه وأريحيته في ميدان الرياضة وميدان الفنون الأخرى .. كما أن أولادى الآخرين محمد ومعتصم وهاني بعل وخميس ، كلفتهم بمهام تخص شأن الدولة ، واستلم كل واحد منهم قطاعاً يديره بمعرفته .. وخدمة للمصلحة العامة !!

وبإختصار فإن مسيرتي معكم خلال أربعة عقود كانت بلاشك حافلة بالأحداث العظام وزاخرة بالمنجزات .. حتى تكللت بتنصيبي ملك ملوك أفريقيا ، وأصبحت بكل فخر لكم ، رئيساً للإتحاد الإفريقي .. وتاجاً وضعته القارة السمراء على رأس الجماهيرية العظمي ، ومن الأن فصاعداً أصبحت إهتماماتي كونية .. وجدول أعمالي ملئ بالمهام الكبرى بصفتي رئيس الأتحاد الأفريقي ، فلابد لي من زيارة أمريكا الجنوبية ، والأطلاع علي شئونها ومشاكلها .. وهناك اللقاء الدوري ، الذي أقوم به سنوياً بمناسبة المولد النبـوي في الدول الإفريقـية ، والذي سوف يكون هذا العام في موريتانيا ، كما لابد لي من حضور اجتماع الثمانية الكبار الذي تستضيفه إيطاليا ، بصفتي رئيس الاتحاد الإفريقي .. والذي سوف يعقد في شهر يوليو المقبل بجزيرة ( سردينيا ) ، ثم علىّ تمثيل إفريقيا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ( هذا اللي نبكي عليه بكاء منذ زمن بعيد ) .. أو كما يقول المثل الليبي ( أيزروني على نبيها ).

على كل حال ، لقد حققت لكم بكل فخر مالم يحققه أي قائد عربي آخر .. فماذا تريدون مني أكثر من هذا أيها الليبيون ؟  فأنتم شعب يصعب إرضاؤه .. وفجأه تعالى صوت من داخل قاعة المؤتمر الذي كان يستمع بأنتباه لخطاب القائد .. حيث وقف عضو المؤتمر رقم 969 ليتسائل .. بصوت مرتجف .. ياقائد ياقائد لقد أخبرتنا بأن النفط هو المصدر الوحيد للعائدات وهو الصندوق الوحيد الذي يشترك فيه كل الليبيين .. وكذلك وعدتنا أيضا قبل أربعة عقود بأن ثورة الفاتح سوف تحقق لنـا بواسطة خطط التنمية تعدد في مصادر الدخل وتعدد في البدائل ضمن قطاعات الأنتاج المختلفة .. فهل نفهم من ذلك أن خطط التنمية قد باءت بالفشل وأن سياسة التعليم قد أجهضت بالكامل وأن قطاع الصحة أصابه الشلل التام .. وأن أكثر من 90% من الليبـيين أصبحوا تحت خط الفقـر؟!! وعند الأنتهاء من تلك التساؤلات ، خيم صمت القبور علي القاعة ، وأختفى بقدرة قادر الأخ 969 من قائمة المؤتمرين .. ربما ليلحق بفتحي الجهمي في مأواه الجديد .

أيها الليبيون .. !

ألم أقل لكم أنكم شعب عنيد .. وأنكم سوف لن ترضوا حتى " لو قليتلكم الزيت في كفي .. " ؟ كما يقول المثل .. فلقد منحتكم الحرية وأعطيتكم السلطة والثروة والسلاح .. فماذا تريدون بعد ؟!!

والأن قررت أن أعطيكم منحة جديدة .. وهى ثروة النفط ، والتي قررت توزيعها عليكم بالتساوي .. ومع ذلك فأنتم غير راضيين .. بالله عليكم أيـش تبوا مني ياليبـيين ..؟!!

فأنا لست في حاجة الى المجد .. فأنا أمسك بأطرافه .. وعلى الرغم من هذا ألبس مثل كل الليبـيين وآكل مثلكم ، وأولادي مثل اولادكم هم أيضاً يخطئون مثل أولادكم .. !

لا ياقائد .. ما تزعل ولاتكدر إحنا فداك ياقائد .. بالروح بالدم نفديك ياقائد .. إحنا كل ما نبيه ياقائد أن تبقي لنا دعم السلع التموينية ، كما تترك لنا قطاعي التعليم والصحة في رعاية الدولة .. هذا كل مانطلبه ياقائد .. فنحن البؤساء ونحن الفقراء ونحن السواد الأعظم المسحوق .. ياقائد ياأبو القطط السمان ( راقدة الريح ) .. المسكينة .

وهنا وعند هذا الحد ، تتوقف الكوميديا الإفريقية .. وهنا أيضا يتوقف " بوسعدية " عن رقص " الدنقة " وتتوقف معها حركاته البهلوانية .. وكما تقول الحكمة الصينية القديمة ، " إنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت " فالمقصود من تلك المناورات المفتعلة .. هو تقـنين الرشوة والسرقات ونهب المال العام السائل منه والمنقـول ، والذي استمر طيلة العقود الأربعة .. فهذا الأستنزاف المزمن ، يريده القذافي واقعاً يشرعه القانون ويبقيه بشكل دائم الي ماشاء الله .. !

وكما قال القذافي في خطابه يوم 14 فبراير الحالي " من سرق أو نهب علي سبيل المثال ( 70% ) من حصته في ثروه البترول ، يجب أن يعوض بباقي الحصة وهي (30 % ) ، لأن كل ليبي سوف يستلم ( 100% ) من حصته في ثروة البترول ، وحتى لا تأتوا فيما بعد وتتهموا الأخرين بالسرقة " إن ما يريده القذافي لليبيا وشعبها البائس المحروم ، قاله وأكده بكل صراحة ووضوح ، ان نهب ليبيا سوف يستمر وان ( الواغمة الليبية باقية ) ، وان التخريب الإقتصادي والإجتماعي سيظل ولو كره المعارضون .. فالسرقة والإغتصاب والنهب للمال العام ، يريدها القذافي مقـننة ومشروعة ، حتى لايقع هو وآل بيته تحت طائلة المساءلة القانونية .. وحتى يزداد الأغنياء الجدد غناء ويزداد الفقراء ومن أفقروا فقراً وبؤساً وشقاءً .


وكما قال الإمام علي عليه السلام :

" المال في الغربة وطن والفقـر في الوطن غربة " ولنا للموضوع عودة .

 الباهي بن يدر
28 فبراير 2009