الصفحة الرئيسـية  

وجهـات نظـر !

 

 

 

ذكرى الاستقلال

حكاية كفاح شعب لم ينته بعد!

 

هذه ليست حيوية ذهنية قادرة على نسج الحكايات، أو خيال بديع يملك صناعة أسطورة من أساطير شهريار التاريخية، ولكنها تاريخ كتب، وسجل بدايته وأحداثه، شعباً من خلال صراعه مع غزاة الخارج، ولم يهتد حتى هذه اللحظة الى وضع نهاية له، وهى حكاية لايزال الكثير ممن شاركوا في صياغتها وعاشوا تفاصيلها وجزئياتها أحياء بيننا، إلاّ انها اسطورة وخيال من حيث النتائج والتداعيات؛ وعند التتبع والغوص في ثناياها، يتبين ذلك المزج والتداخل بين الواقع والاسطورة، فى أكثر من موقع من مواقع أحداثها.

 

يحكى أن، ومنذ أكثر من قرن من الزمان، كان لبلد يطل على المتوسط، وفي قلب الشمال الافريقي ثلاثة أطراف، وهم أبطال تلك القصة، الشعب والملك والنخبة، تباينت أدوارهم والتوقيت الزمني لحضورهم على مسرح الاحداث، فالشعب كان يعيش ويحيى كبقية أشقاءه وأبناء عمومته في منطقتنا العربية، تحت حكم عثماني متخلف أوشك سلطانه وأمبراطوريته على التحلل والانهيار، وفي ليلة كانت لها مقدماتتها وإرهاصاتها، وجد نفسه ( وحيداً ) في مواجهة قوة فاشية غازية إمتلكت أطماع السيطرة، ورغبة إقتسام إرث الامبرطورية الفانية مع الآخرين، فلم يكن أمام هذا الشعب إلاّ خيارين، لا ثالث لهما، الإستسلام الى هذا الواقع الجديد والمفروض عليه بقوة الغزو، وإستبدال المستبد بالمحتل، أو تحمل المسئولية الجهادية ( لم يظهر مفهوم الوطنية بعد في ذلك الوقت )، والوقوف في مواجهة الغازي والمعتدي، ويحكى أن هذا الشعب المثابر والصابر قد اختار بفطرته وعقيدته الخيار الثاني دون تردد أو حسابات نفعية وسياسية ( كما تجري الأمور هذه الأيام )، مع إدراكهم لصعوبة المواجة التي عكسها ميزان القوى العسكرية في الميدان، كان عليهم مواجهة تحدي، يفوق طاقتهم ويتعدى إمكانياتهم، فهم في مواجهة أدوات ووسائل حربية وعسكرية، تعد من بواكير وبدايات الابتكارات العسكرية للقرن العشرين، وهم الذين لايملكون سوى وسائل وأدوات بدائية يرجع زمن استخدامها الى القرن الرابع عشر.

 

فكان على الفارس والفرس، مقارعة ومواجة الدبابة والطائرة، والغازي المتسلح بالخوذة والبندقية الحديثة، ولم يسيطر على عقول هؤلاء الرجال الأفذاذ، وهماً يتعلق ويرتبط بطموح الحكم ، أو ينشىء وطناً يتمتعون فية بالنفوذ والسيطرة، وإنما كان شاغلهم ووجهتهم هى مواجهة الغازي الجديد، ومقاومة الفاشي المحتل، وحماية الأرض والعرض، فكان هذا الإختيار، ركوباً للصعب، وموعداً مع الشقاء، لا يقدر عليه غير الاشداء من الناس، وكانت البداية هى البحث ومحاولة إيجاد وعاء جامع تتجلى فيه قدرة إحتواء وإستيعاب حماس المقاومة، وروح التحدي لديهم، فجاءت المنحة السماوية لضالتهم، متحققة في حركة تجديد إسلامية، تأسست في ليبـيا على يد محمد بن على السنوسي، عرفت بالحركة السنوسية، فكانت هى الوعاء المطلوب والقادر على قيادة معركة التحرير والاستقلال ومواجهة الفاشي، بما كانت تمثله من بعد ثقافي وفكري، إلتف حوله الجميع، وحكمة تنظيمية، إستطاعت توظيف وإستثمار إرادة المقاومة والتصدي، ورؤية موضوعية نافذة الى تطورات الاحداث الاقليمية والدولية ومتغيراتها المتلاحقة والمستجدة، ومن خلال هذا التلاحم والترابط العضوي بين زعامة أثبتت قدرتها على قيادة الكفاح الوطني والمناورة السياسية المطلوبة، وبين قاعدة فاعلة وملتزمة بحرية الوطن ودورالزعامة، تحققت معجزة الاستقلال، والكشف عن ميلاد دولة جديدة، وإنتصار الفرس والفارس، على الدبابة والمحتل.

ويحكى أن، بعد معركة الكفاح والجهاد وتحرير الأرض، دخلت القيادة والشعب معركة بناء الدولة ونهوض الأمة، وبمقدار حماس معارك التحرير، تحمل رجال مرحلتهم، عبء مسئوليات معركة البناء وتأسيس الدولة الحديثة، بطموحات فاقت قدرات وإمكانيات شعب خرج من معارك مريرة وقاسية، منهك الجهد، فاقد البنيان الاجتماعي والاقثتصادي والسياسي.

وقد بدأت الدولة الجديدة، مسعى سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً، يعتبر من أكثر الفترات التاريخية للوطن خصوبة، متطلباً إحساساً عالياً بالمسئولية، ونضجاً واثقاً بالقيم والاهداف السياسية والاجتماعية، أخذتها الدولة الوليدة على عاتقها، وبقدر ما كانت لمرحلة الاستقلال والتحرير من تضحيات وعزيمة، كانت لمرحلة ما بعد الاستقلال، متطلبات أضخم وأقوى، من العطاء والبذل، وقد كان هناك عديد من الحقائق الواضحة لبلادنا، تفرض أخذها في الاعتبار لكل من يتصدى لمسئوليات قيام الدولة الحديثة، حيث بقايا مواريث عصور الاستعمار، أجهضت وحطمت مقومات ودعائم تأسيس دولة بمفهومها الحديث؛ فإقتصادياً لم يكن هناك أدنى الممكن، الذي يحقق من خلاله عمليات التأسيس والبدء، وسياسياً لم يوجد قبل الاستقلال كياناً سياسياً وطنياً يبنى عليه المشروع السياسي الجديد، بجانب العلاقات الاجتماعية القائمة، والتكوين الديمغرافي كماً وكيفاً، لا يمكن أن يتيح  للدولة الجديدة فرص وشروط عملية البناء.

ورغم العوائق، التي تملث في الندرة الاقتصادية، وفقدان الميراث السياسي، وبدائية التكوين الاجتماعي، حيث أن عاملا واحداً منها كفيل بتحطيم الطموحات وإحباط الهمم، شرع رجال الجهاد في قبول التحدي بثقة الايمان في المقصد والهدف، وعزيمة التصميم على بلوغ المستحيل، فوضعت أسس قيام دولة بمفهوم عصري، إبن تاريخه ولحظته، تمثلت بوجود نظام سياسي يقوم على دستور يكفل ويحقق التوازن بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وممارسة سياسية يقوم على دفة تسييرها ملكاً لم يقرأ، ويعترف، ويقر، بكتاب مياكيافلي الشهير، فكانت خلفيته الفكرية تستمد من ثقافة وتاريخ أمته، ونهج عقلاني رشيد يرتبط  بطموحات وآمال مجتمعه وشعبه، فكانت الوسيلة من صلب الغاية، تعتمد على القيم والمعاني النبيلة، وبطبيعة الحال عندما تكون البداية صحيحة وسليمة، لابد للنتائج ان تقارب الحلم والطموح.

أخذت الدولة الناشئة تسير مع الزمن الى الأمام، وتتدرج مع الطبيعة في النمو والتطور، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وأصبح الجميع يشارك في عملية البناء والتحديث، بأمانة الواثق وإخلاص الواعد، ومما زاد من قوة دفع المجتمع والدولة، وسرعة الإنجاز ومضاعفة الجهد والعمل، ظهور النفط، وتحول الدولة الوليدة الى مصاف الدول المهمة والمنتجة له، وبتزاوج الإرادة والقدرة، تحقق الكثير في سنوات قليلة، حيث ظهرت بشائر تحقيق البنية الأساسية اللازمة لتقدم الوطن، وبلوغ مستويات أعلى لمعيشة المواطن.

ويحكى أن، هذه الفترة التاريخية المزدهرة بالعطاء والإنجاز، لم تكن تطلى بألوان زاهية فقط، فقد تخللتها، ووجدت بين تفاصيلها وجزيئاتها، بعض الاخطاء والتجاوزات، وإن كانت بمقياس ما نعيشة، ونشاهدة اليوم في الجماهيرية، لا تستدعي الوقوف عندها أو تناولها، أدت الى نوع من الإنقسام والاختلاف، بين النظام والشارع السياسي في ليبـيا، وكان لسوء تقديرات وحسابات النظام من جهة، وإبتعاد الشارع السياسي ونخبته وطليعته الثقافية، عما يجرى من تغييرات وتحولات حقيقه داخل الوطن من جهة أخرى، سبباً في إزدياد الفجوة بين الاثنين، مما سهل للقوى الخارجية المتربصة بالوطن ومشروعه الوطني التدخل، حيث وجدت هذه القوى ضالتها في ذلك الاختلاف، الذي وصل في بعض محطاته الى مواقف تصادمية عبرعنها العنف المسلح في اكثر من مرة، وقد لعبت النخبة السياسية والطليعة الثقافية في تلك الفترة دوراً مهماً وقاسياً، في التصدي لسياسات النظام، والتي لم تكن بقياسات التقييم الموضوعي، ووفقاً لسياقها التاريخي، سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً، تستحق تلك الاساليب والوسائل لتناولها والتعاطي معها، غير أن تلك النخبة والطليعة لم تكن، سامحها الله، على إستعداد لفهم مايجري ويحدث في البلاد، من تحولات وتغييرات إيجابية، أثبت التاريخ أهميتها وقيمتها، ولم ترع حقيقة الظروف المحلية والاقليمية والدولية، وكذلك المعطيات التي يتحرك من خلالها النظام، بل ظلت تدير الاحداث وتستقبل مخرجات النظام على قاعدة، هى وحدها من يملك ناصية الحقيقة والمعرفة، وبقيت بغرورها وكبريائها، مغيبة عن الوطن بهمومه وقضاياه وإنجازاته وعطائه.
 

ويحكى أن، هذه الحالة من العداء، والصدام التي سادت تلك الفترة، وتمت تغذيتها وإذكائها على يد الخارج، في إزدياد وإتساع، فقدت معه الأطراف المحلية السيطرة على إحتوائه واستيبعابه داخل أطر وطنية، ويكفي أن نشير الى المقولة الشهيرة ( إبليس ولا إدريس ) كعنوان ودلالة على حالة الإنفصام والإنقسام بين النظام وقاعدته، تلك المقولة والتي لا نعرف الى الآن من مصدرها ومن أي جهة أتت، إلاّ أنها تحولت الى بوصلة حددت الإتجاه الخاطيء للوطن والمجتمع، وعبرت عن أماني ورغبات غير واعية بمخاطر وتحديات تحيط بوطن، كل ماحوله إقليماً ودولياً، متربص وجاهز للحظة الإنقضاض.
 

ويحكى أن، ولسوء حظ وطننا، كان القدرعلى إستعداد للإستجابة، وتحقيق أماني وآمال المستنجد به، حيث تحققت مطالبه ودعواته، بمساعدة المتربصين والجاهزين دوماً لتحقيق كل رغبة شريرة غير واعية، فذهب إدريس، وتبدد الإستقلال، وأجهض كفاح وجهاد شعب، دفع شهدائه، في أقدس وأشرف معارك التحرير والاستقلال، حياتهم ثمناً لكرامة وعزة وطنهم، وتحطمت أحلام وآمال بناء الدولة النموذج، التي حققت خلال سنوات قليلة، بجهد حقيقي وعمل مخلص، ما تحلم بتحقيقه وإنجازه دول المنطقة منذ أكثر من نصف قرن، وجاء إبليس ليحكم ويسيطر على البلاد، فكان بحق هو إبليس المراد والمرغوب، شكلاً ومضموناً، حيث سعا في الأرض فساداً، وهلك الحرث والنسل، وتأخر الوطن بفعله مئات السنين، وفقد معه المواطن كرامته وعزته،  فهنياً لكم بإبليسكم، ودعوا للشعب الصامد والمثابر، الادريس حياً بنزاهته وطهارته، وحاضراً بإنجازات وعطاءات عصره ورجاله، وملهماً بصلابته وإرادته لأبناء شعبه المخلصين في معركتهم ضد الملعون، وذلك لأنه لابد لليبـيا من يقظة ينبثق نورها ليبدد ظلام التردي والسقوط، كما يبتسم الأمل في قطوب اليأس، لتعود بنا الى ملاحقة الركب الأممي، ونواصل من جديد مسيرتنا على الطريق القاصد الى الآفـاق الممكنة للتـقدم والإزدهـار.
   

ناصـر بوشنـاف

24 ديسمبر 2010