الصفحة الرئيسـية  

وجهـات نظـر !

 

 

 

الجلاء الأمريكي ... بين الحقيقة والزيف !

 

تحتفل هذه الأيام " مشيخة القذافي " بإحياء ذكرى عيد من الأعياد المزيفة التي صنعتها سلطة سبتمبر الإنقلابية منذ قدومها وإعتلائها سدة الحكم في ليبـيا، فمن عيد الإستيلاء على الحكم إلى عيد ما تسميه ( سلطة الشعب ) الذي امتلك كذباً، الثروة والسلطة والسلاح ! إلى تنصيب الملهم عرش ملك الملوك الأفارقة .. إنها كثيرة هذه الأعياد في مشيخة القذافي التي أثبتت الأيام والوقائع زيفها وخديعـتها وبشاعة أكاذيبها .. !

 

وهذه الأيام تحيي " مشيخة القذافي "  ما تسميه " بذكرى إجلاء القوات الأمريكية عن قاعدة ويلس الجوية "، والتي كانت في حقيقتها ( صك ) تأمين نجاح الإنقلاب ودعم الإنقلابيين ومنحهم إنتصارات سهلة ومزيفة، وإدعاءات وهمية تعطيهم الشرعية السياسية التي يحتاجونها، بعد أن حققوا أهدافهم بالإستلاء على السلطة بقوة الدبابة والبندقية؛ فكان الجلاء بمثابة بواكير الإنتصارات وأول النجاحات الوهمية، لأنه مثل مطلباً تجلى يوم تحقـيفه بالتأييد الشعبي والإجماع الوطني الذي شاركت فيه كل القوى الوطنية بمختلف تنوعاتها وتوجهاتها، ولذلك فقد جاء قبول الأمريكان السريع بالجلاء عن القاعدة مثيرا لفرحة الشعب العارمة، التي شلت التفكير وعطلت المنطق وغيـبت الفهم، وسادت الفرحة دون أن يقف أحد لحظة، ليسأل كيف تم ذلك من الجلسة الأولى للمباحثات، وما هو الثمن المدفوع من أجل تحقيقه، وما هى القوى التي لدى " السلطة الجديدة "  بحيث أحرزت هذا النصر وبهذه البساطة والسرعة التي عجزت الثورة الكوبية بقيادة زعيم تاريخي بحجم ووزن " كاسترو " عن الوصول إليه ؟! كل هذه التساؤلات وغيرها التي لم تثار في تلك الأيام، كشفت الأحداث والسياسات التي مرت على ليبيا بعد أربعين عاماً عن إجابات،  أوضحت الثمن الباهظ الذي دفعه شعبنا المغيب والمسالم من أجل تحقيق هذا الوهم الذي سوقته سلطة سبتمبر يوماً تحت ما يسمى " الإجلاء "

 

ونحن نعترف اليوم أننا كنا يومها ضمن سكارى التهييج العاطفي و دراويش، المفاهيم الثورية والتقدمية وممن كانوا يظنون شر الظن بسياسات وممارسات النظام الملكي الرجعي والعميل وحامي المحتل الأجنبي وقاتل الحلم والأمل، وذلك كما كان يصفه في ذلك الوقت، السابحون في قيم وشعارات ديماغوجية أبعدتنا عن الحقيقة وحالت دون إدراكنا للواقع الذي نعيشه بوقائعه وأحداثه، فأنتـشر مناخ التغيـيب والتوهان الذي ساد وسيطر على المجتمع بكافة تياراته وقواه السياسية، ووضعه فريسة للإستعباد والقهر السياسي والاجتماعي تحت وهم تحقيق الجلاء. 

 

قد يصدم أو لا يعجب مفكري عصر الجماهير ومنظري سلطة الشعب، هذا الحديث بإعتباره،  على حد منطقهم، بأنه إدانة وتهمة تعسفية لمجتمع بأكمله بوصفه بشكل مجافي لمنطق وحقيقة الطبيعه الإنسانية والتي تعتمد على العقل وحده في محاوراتها وحكمها على الاشياء والأحداث،  وأن هذا الطرح استبعد العقل والمعرفة، بحكمه على التأييد الجماهيري الذي حظي به تحقيق  مطلب الجلاء، واعتماده على الغرائز والعواطف بإعتبارها الأساس الوحيد الناشىء والداعم لهذا التأييد، غير أن مثل هذا الادعاء يفتقد مبررات الحكم السليم الذي يفرضه التقييم الموضوعي للتاريخ والاقتراب من تفاصيل وخفايا وحقائق ما حدث والأسباب والدوافع المنشئة للحدث، والتأثير سلباً وإيجابا في حركته، واعتماداً على ذلك تأتي محاولاتنا لفهم تاريخ وحقائق تلك الفترة  التي سبقت تحقيق يوم الجلاء، وتحديداً الأسباب والدوافع التي شكلت واقعاً سياسياً مرفوضاً،  وكيفية تعاطي وتناول النظام الملكي مع ذلك الواقع السياسي المحلي والإقليمي في ظل تواجد عسكري أجنبي على أرضه، وما هي العراقيل التي كانت في طريق حركة النظام السياسية والاجتماعية، ومدى تأثير ذلك كله على التزامات النظام الوطنية والقومية إتجاه شعبه وأمته، وما إذا كان هذا الواقع قد شكل أسباباً وشروطاً انتقصت من سلطة النظام وممارساته السيادية  والدستورية، ثم ما الجديد الذي تحقق بتغيير الواقع السياسي في ليبـيا وخروج الأجنبي من أرضها، والإجابة على كل هذه التساؤلات قد تعطينا فهماً حقيقياً لتلك الفترة وتفاعلاتها، وتكشف الكثير من محاولات الزيف والتضليل التي أرادت بها سلطة سبتمبر تسويق بضاعتها الفاسدة إلى المجتمع الليبي وأجياله المتعاقبة؛ فالجري واللهث وراء سراب صياغات وشعارات زائفة أمر عقيم، تكون نتائجه وإفرازاته وخيمة وخطيرة.

 

إن النزاهة والصدق في التعامل مع التاريخ، هو البحث في الماضي بتفاصيله والوقوف عند حقائقه، ضمن مراحله الزمنية حتى يكون الحكم سليماً وموضوعياً وصحيحاً، فالتاريخ يقول لنا أن سياسات واستراتيجيات الانتشار اللوجستي من خلال انشاء وإقامة القواعد العسكرية في مناطق مختلفة من العالم، بدأ في التطور والازدياد مع انتهاء الحرب العالمية الثانية وبروز قوة مناهضة ومعارضة للمعسكر الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، تهدد مصالحه وأهدافه الدولية، والتي عبر عنها الاتحاد السوفيتي كقائد للقوى الجديدة الناشئة حينها، والتي دفعت بالولايات المتحدة الأمريكية إلى إيجاد ترتيبات وأوضاع تجمد حركة الموازين الدولية في خطة تكفل لها الانفراد بقيادة العالم، وتحد من تطوير وتفعيل القوى الجديدة الناشئة، ومن هنا تبنت سياسات واستراتيجيات الحصار والتطويق، من خلال إقامة الأحلاف والقواعد العسكرية حول مناطق وحدود الخطر القادم والمحتمل، فكان حلف بغداد، والحلف الأطلنطي، وحلف جنوب شرق آسيا، وكانت القواعد العسكرية المنتشرة في كل من تركيا – وألمانيا – وإيطاليا – واليابان، وغيرها من الدول التي تحيط بالمعسكر الشرقي وخاصة الاتحاد السوفيتي، بغية خدمة أهداف هذه الاستراتيجية، وأثناء تلك التحولات الدولية قدر لنا التاريخ إنجاز الاستقلال الوطني، بعد عهد من الاستعمار الفاشي، تاركاً إرثاً إستعمارياً قاسياً، ووطناً دون موارد، وشعباً يفتقد أدنى مستويات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وكانت أحلام وآمال رجال تلك المرحلة كبيرة، والهموم والأعباء ثقيلة، على نظام وليد يسعى بقوة نحو بناء دولة عصرية، وطنية وكاملة السيادة.

 

هكذا كانت البيئة الدولية والداخلية تسير وتفرض، وبعد سنوات قليلة، تبدل الحال وتغيرت الأوضاع دولياً ومحلياً، وذلك بفضل نجاح الإتحاد السوفييتي في قلب موازين القوى الدولية بدخوله عصر إمتلاك السلاح النووي، وكسر سياسات الحصار والتطويق، لقـفزه فوق سياسات الأحلاف والقواعد، نحو الكثير من مناطق العالم وصولاً إلى حدود الولايات المتحدة الأمريكية نفسها كما حدث في كوبا، وأصبح التوازن النووي هو العنصر الحاكم والمسيطر في العلاقات الدولية وتلاشت مع هذه الظروف أهمية وثقل القواعد العسكرية في الاستراتيجية العالمية؛ هكذا أصبح حال المناخ الدولي، أما فيما يتعلق بالبيئة الداخلية فقد كان لظهور النفط في ليبيا بوفرة أمراً هاماً واستراتيجياً في أحداث تغيرات اقتصادية وإجتماعية مكنت النظام الملكي من ازدياد قدرته وقوته على الفعل والعمل باتجاه تطوير الدولة ومؤسساتها السياسية والاجتماعية دون مساعدة، أو حاجة.

 

وهكذا من جديد عمل المناخين الدولي والداخلي والمتغييرات التي حدثت فيهما على محاولة تصحيح وتعديل العلاقة التي كانت قائمة بين الولايات المتحدة الأمريكية وليـبيا, فقد اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية سياسات في إتجاه تقليص قواعدها العسكرية الخارجية، بعد تدني أهميتها وتأثيرها الاستراتيجي في ظل موازين القوى العالمية الجديدة، وبعد إدراك النظام الملكي عدم جدوى وفائدة استمرار هذه العلاقة خاصة في ظل أعبائها وتكاليفها المخصومة من رصيده الوطني، وبالفعل بسبب هذه التطورات دخل النظام الملكي في منتصف الستينات مع الإدارة الأمريكية في مباحثات جادة تتجه إلي إنهاء العلاقة العسكرية بعد أن إتخذ البرلمان الليبي عام 1964 قراراً بهذا الشأن، غير أن هذه المباحثات لم تتكلل بالنجاح  بسبب الموقف الأمريكي وإقدام الأمريكان على وضع  الكثير من العراقيل والمشاكل التي حالت دون إنجاز إتفاق يحقق هذا المطلب، ولم يكن ذلك بسبب ضعف إرادة وتصميم النظام الملكي أو عدم جدية وقناعة الطرف الأمريكي بالضرورات الدولية والإقليمية التي تفرض نجاحها، والذي لم يعارض ذلك فهو على نحو عام متوافق مع توجهات الاستراتيجية الأمريكية عقب ظهور التوازن الدولي الجديد، ولكن أوجه الاختلاف داخل الإدارة الأمريكية كان في التوقيت والشريك، فكان حواراً وجدلاً يجري داخل كواليس ودهاليز الإدارة الأمريكية حول الفائدة والجدوى من الاستجابة لمطالب نظام سياسي قررت الإدارة الأمريكية التخلص منه، وإعطائة ورقة سياسية بهذا القدر من الحجم والقيمة الوطنية، سيزيد من قوته وتفعيل دوره الوطني والقومي الذي أخذ في التصاعد والتطور نحو الاقتراب من قضايا وهموم الشارع الليبي ومطالبه الوطنية والقومية، ومن هنا تعمّد الجانب الأمريكي تسويف وتعطيل هذه المباحثات حتى سنحت اللحظة التي أرادتها الإدارة الأمريكية وأعدت لها، وجاء الوقت المناسب وحضر الشريك المطلوب الذي أعطت له هذا المطلب الوطني، ليستمد من خلاله الشرعية السياسية والوطنية، ويدشن عهده بإنجاز وهمي، أصبح فيما بعد ساتراً لكثير من سياسات التفريط في السيادة والحقوق الوطنية والقومية.

 

ومما سبق ، يتضح أن مطلب الجلاء، كان القناع الذي استعملته سلطة سبتمبر الغاشمة، وأخفت من ورائه وجهاً فاشياً قمعياً في الداخل، وذليلاً مهزوماً مستسلماً لرغبة الخارج، كما حدث ويحدث على الأرض؛ وصارت ليبـيا في ظل هذه السلطة المستبدة، أضحوكة العالم، فبعد سقوط هذا القناع انكشف للجميع الوجه الحقيقي لنظام سبتمبر المتخلف، فلا كرامة المواطن مصانة ولا سيادة الوطن محققة، وأجهزة جماهيرية الفوضى تعمل لغير صالح ليـبيا امتثالاُ لرغبة الاجنبي، ويجري تعاون وتنسيق مفضوح وسافر مع مخابرات دول أجنبية في مواجهة أبناء الوطن، وخروجاً مهيناً من دائرة المشروع القومي يلهث وراء أوهام في افريقيا، كل ذلك وغيره من سياسات التخاذل والتفريط في السيادة، كان قد تحقق في ظل وهم الجلاء.

 

إن التسليم والقبول، بالمبررات التاريخية والتفسيرات الإستراتيجية، التي دفعت النظام الملكي، بإرادته المطلقة في قبول التواجد الأجنبي على تراب وطنه، لايقود بالضرورة الى رفض مبدأ تأثير التواجد العسكري سلباً على مشروع النظام الوطني، وانعكاساته على التزاماته القومية ومساهماته العربية، بالرغم من ذلك لم يكن هذا التواجد يوماً عائقاً أو مانعا،ً أمام النظام الملكي في تحمله لمسئولياته الوطنيه وإقامه دولة الدستور والمؤسسات، أو السير بالمواطن نحو بلوغ اهدافه وطموحاته السياسية فى المشاركة الفعاله أو تحقيقة للوفرة الاقتصادية والاجتماعيه، أما الدور القومي، فلم يبخل النظام والشعب بدعمة، وانخراطه فى مشاكل وهموم أمته، ولم ينتقص من جهد ودور ليبيا نظاماً وشعباً في الصراعات والقضاياً التي خاضتها أمتنا العربية دفاعاً وصوناً لكرامتها وعزتها.

 

أن المحاولات الرخيصة والدنيئة التي قادتها وتقودها الى الآن سلطة سبتمبر وأذنابها، الهادفة الى قبر الدور القومي للنظام الملكي، وسجل عطائه فى معارك وصراعات أمته، لن يكتب لها النجاح، فالمواقف القومية الثابتة والراسخة للنظام الملكي، ليست بحاجة الى الحصر والتذكير لمن ينشد الحقيقة والأمانة التاريخية، كما أنني لست من هواة المن والمفاخرة لأتولى أمر التذكير بمحطاتها وعلاماتها الناصعة في أكثر من موقف وموقع في تاريخ أمتنا العربية.

 

ناصر بوشناف
16 يونيو 2009