الصفحة الرئيسـية  

وجهـات نظـر !

 

 

 

قضية المقرحي وما تخفيه الصفقات

 

أطلق سراح المواطن الليبي عبد الباسط علي محمد المقرحي، المتهم بقضية تفجير طائرة في لوكربي، ونقل من سجنه الاسكتلندي إلى بلده ليبيا وسط مهرجانات احتفائية على مستويات مختلفة، قوبلت بصرخات استنكار رسمية، أمريكيا وأوربيا، خاصة في وسائل الإعلام التي استمرت في كشف ما خفي من صفقات وملابسات وتناقضات بين القيم والشعارات التي ترفعها الدول الغربية والمصالح الاقتصادية للنظام الرأسمالي الغربي. وهي في كل الأحوال تفضح نفسها حيث تعري ازدواجية المعايير التي تتعامل بها مع القضايا الإنسانية وقضية المقرحي واحدة منها.

أسئلة كثيرة طرحتها القضية وما اخفت من صفقات سرية وعلنية كما سمتها وسائل الإعلام البريطانية وأحزاب المعارضة والحكومتان البريطانية والاسكتلندية، وإعادتها إلى سنوات سابقة، والى العلاقات الأمريكية البريطانية الليبية وتطوراتها ودور شخصيات سياسية وتجارية فيها. وان حكاية العامل الإنساني وراء الإفراج عن السيد المقرحي تظل حكاية إعلامية تخفي الكثير من ورائها من فضائح العالم الغربي الرأسمالي وأخلاقياته الخادعة. فما نقل عن وزير العدل البريطاني جاك سترو مثلا من تصريحات متناقضة وما سرب من وثائق تتعلق بالقضية كافية للتدليل على ذلك. فمرة صرح الوزير ان الحكومة الاسكتلندية هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن إطلاق سراح المقرحي باعتبارها الطرف الوحيد الذي لديه هذه الصلاحية، وأخرى أقر بأنه تراجع عن قراره الأصلي باستثناء المقرحي من معاهدة تبادل السجناء بين ليبيا وبريطانيا وبرر ذلك بان ليبيا يجب ان تمنح مكافأة على تخليها عن برنامجها النووي نافيا وجود صفقات تحت الطاولة. بينما صحيفة الديلي تلغراف أشارت إلى ان شركة النفط البريطانية BP وقعت عقدا بقيمته 15 مليار جنيه إسترليني للتنقيب عن النفط والغاز في ليبيا بعد ستة أسابيع فقط من توقيع اتفاقية تبادل السجناء دون ذكر اسم المقرحي فيها. وفي مقابلة مع هذه الصحيفة اعترف بان وراء القضية النفط الليبي.

 

لم تتوقف وسائل الإعلام ومصادرها عن نشر متابعاتها للقضية، عبر أشكال إعلامية متعددة تتوزع بين مقالات رأي واستطلاعات وتقارير وتصريحات رسمية، ومن بينها دعوات إلى إجراء تحقيق شامل في هذه القضية، والادعاء بان أعضاءا من مجلس العموم البريطاني طالبوا بتشكيل لجنتين برلمانيتين للتحقيق في دور الحكومة في هذه القضية، لجنة في مجلس العموم البريطاني وأخرى في مجلس النواب الاسكتلندي. ونقلت صحيفة التايمز عن الناطق باسم لجنة الشؤون الخارجية التابعة لحزب المحافظين المعارض ديفيد ليدينغتون قوله " لا يمكننا الاستمرار في الاعتماد على التسريبات الإعلامية لمعرفة دور الحكومة في هذه القضية لان السرية التي تلتزمها تقوض العلاقات الدولية البريطانية وثقة الرأي العام بالحكومة".

 

صحيفة الأوبزرفر أفادت بان شخصيات بريطانية كبيرة كوزير الخارجية دافيد ميليباند واللورد كينوك رئيس حزب العمال الأسبق وموظفين في وزارة الخارجية وحتى ولي العهد الأمير تشارلز قاموا بمساع لدى ليبيا جريا وراء عقود في قطاعي النفط والغاز. ولديها وثائق تظهر كيف أن وزراء ومسؤولين بريطانيين التقوا بمدراء في شركة شل لبحث مصالح شركة النفط في ليبيا 11 مرة وربما 26 مرة خلال أقل من 4 أعوام. وأضافت الأوبزرفر إن ما تكشف عنه الوثائق من أن الحكومة قد استثمرت قدرا كبيرا من رأس المال السياسي في ضمان الحصول على النفط من شمال إفريقيا هو ما يدعم القول بأن المصالح التجارية كانت وراء القرار بإطلاق سراح عبد الباسط المقرحي من السجن في اسكتلندا ليحظى باستقبال الأبطال في ليبيا. وفي الوقت نفسه طرحت المعلومات التي حصلت عليها المنظمة غير الحكومية "بلاتفورم" بموجب قانون حرية المعلومات أسئلة جديدة ونقلت الصحيفة عن ميكا مينيو باليلو من بلاتفورم قولها "إن هذه الوثائق تظهر الدعم الشديد طويل الأجل الذي حصلت عليه شل من السياسة الخارجية للحكومة البريطانية كي تتمكن من اختراق سوق ليبيا". و"إن وزارة الخارجية قد آثرت ضمان مصالح نفطية جديدة للشركات الخاصة على حقوق الإنسان أو حماية البيئة أو الديمقراطية". وطلبت باليلو من الحكومة فتح ملفاتها كي يعرف بالدقة مدى تأثير النفط على عملية اتخاذ القرار. وذكرت صحيفة الصنداي تايمز إنها حصلت على مراسلات وزارية تم تسريبها تكشف كيف أن الحكومة البريطانية قررت أنه "مما يحقق المصالح العليا للمملكة المتحدة توفير إمكانية عودة عبد الباسط المقرحي إلى ليبيا". وأضافت الصحيفة أن حكومة غوردون براون اتخذت هذا القرار بعد أن تعثرت المفاوضات بين ليبيا وشركة النفط البريطانية حول عقود للتنقيب عن النفط، وأن العراقيل أمام هذه الصفقة زالت بعد ذلك. وكما بينت وسائل الإعلام والوقائع الدامغة ان ما خفي من وراء الإفراج هو صفقات تجارية وعقود نفط، وهي التي تسير السياسات الخارجية لهذه الدول، ومصالحها هي القضايا الإستراتيجية لمشاركاتها في الحروب والعدوان على الشعوب والبلدان التي وهبت أراضيها هذه الثروات، وما حصل في الحرب على أفغانستان واحتلال العراق يسير في السياق ذاته. لاسيما وقد تكشفت بعد هذه السنوات كل الأكاذيب والذرائع التي تمت بسببها الحروب وراحت من جرائها الضحايا.

 

هل انتهت القضية عند هذا الحد، إفراج واحتفالات وانتقادات وتصريحات؟. هذه القضية لا تختلف عن سابقاتها، ولا عن لاحقاتها، من قضايا بيع الأسلحة المحرمة والمشاركة في السجون الطائرة والاغتيالات والمساهمات في التضليل على تلك القضايا ومجرياتها، وفي المقدمة طبعا قضايا الاحتلال والحروب الاستعمارية، وما كشف منها هو النزر اليسير الذي يؤشر إلى ما خفي وراءها من صفقات دموية تغلف الصفقات التجارية والنفطية على رأسها. قضية المقرحي، من بدايتها حتى الآن، وما حيك حولها أو تسرب عنها، تعطي مؤشرات أو إشارات توجب الانتباه إلى ما يحاك ويخطط لثروات الشعوب ومصائر البلدان.

 

كاظم الموسوي
29 سبتمبر 2009