الصفحة الرئيسـية  

وجهـات نظـر !

 

 

 

هل تتحول اميركا الى دولة اشتراكية ؟

 

لماذا سكت الليبراليون وانبياء الاقتصاد الحر

في الوطن العربي على الازمة الرأسمالية الاخيرة ؟

 

الحكومة الأميركية وضعت يدها على أكبر شركتي عقارات تملكان 12 تريليون دولار

 

الفقراء والطبقة الوسطى اكثر المتضريين، والحكومة تخفض الضرائب لحمايتهم

 

سبحانه مغير الأحوال..بين ليلة وضحاها باتت أميركا دولة " اشتراكية " تنفذ برنامجا للاصلاح الاقتصادي – وكأنها دولة من العالم الثالث - وتعطي الدولة صلاحيات واسعة للتدخل لترشيد مسار الشركات الرأسمالية المتعثرة والتي اضطرت ان تتغذى من اموال دافعي الضرائب ، بعد ان اضطرت وزارة الخزانة الى ضخ نصف تريليون دولار في اميركا وحدها لمنع شركات الرهن العقاري وبعض البنوك من اعلان الافلاس ما يهدد المودعين وحملة الاسهم ويربك الاسواق. لقد جاوزت واشنطن واخواتها في عواصم الغرب عن الاصنام الراسمالية، وتجاهلت كل القواعد الايديولوجية من أيام آدم سميث وجون ديوي واتجهت الى اتخاذ اجراءات لتقييد عمليات التوسع في الاقراض العقاري، وضبط الحركة في قطاع البنوك.

 

ماذا يجري في بلاد العم سام؟

 

هدأت العاصفة في أسواق المال العالمية بعد ان تدخلت الحكومة الاميركية وتبعتها حكومات أخرى في أوروبا واليابان وبعض الدول العربية ذات الوفورات المالية لكن الازمة ستعود ولو بعد حين ، فماالذي يمكن أن نتستخلصه منها ؟

 

ثمة سؤال فرض نفسه في أعقاب الازمة - الاعصار- التي تعتبر الاخطر منذ الكساد الذي طاول النظام الرأسمالي العالمي في مطلع الثلاثينات من القرن الماضي، هذا السؤال هو:

لماذا سكت الليبراليون العرب وانبياء الاقتصاد الحر عن التعليق على تدخل الدولة في اميركا و أوروبا لحماية الاقتصاد من الانهيار ، ألا يعد تدخل الدولة عاملا معطلا للنشاط الاقتصادي وفق المنهج الليبرالي ؟

لماذا بادرت حكومة بوش الى ضخ تريليون دولار " ألف ألف مليون دولار" أو أكثر فى سبيل إنقاذ أصحاب الثروات الطائلة والأرباح الفاحشة، من غير أن يجرؤ أحد على اتهامها بالتطاول على قدسية  منهج السوق الحرة، وهو بقاء " الدولة " على " الحياد الاقتصادي " المزعوم ؟

لماذا يكفر الليبراليون العرب جهاز الدولة إن بادر الى دعم السلع او الخدمات من اجل تطوير حياة البشر أو انقاذهم من الموت أو الجوع ؟

 

في تطور مثير كشف عن ضرورة تدخل الدولة في توجيه الاقتصاد حتى في أكثر الدول رأسمالية ،اتخذت الحكومة الاميركية سلسسلة من الاجراءات التي وصفها البعض – حقا - بالاجراءات الاشتراكية، وذلك في اعقاب العاصفة المالية الرهيبة التي حلت على " وول استريت " شارع البورصة والاستثمارات والبنوك فقد استحوذت الحكومة على شركتي " فاني ماي " و" فريدي ماك " ووضعتهما تحت الحجز الاداري، وقامت بتغيير مديريهما ، وذلك ضمن خطة من أربعة اجزاء تسمح للحكومة الاميركية بالسيطرة على الشركتين المساهمتين اللتين ترعاهما الحكومة وتملكان او تضمنان نصف القروض السكنية البالغة 12 تريليون دولار في الولايات المتحدة ، وتسمح للدولة بوضع ضوابط للاقراض العقاري وتحديد سعر للفائدة تلتزم به كل البنوك وتحول دون التلاعب في اسعار الفائدة، وقال وزير الخزانة الاميركي هنري بولسون ان الخطة هي افضل طريقة لحماية الاسواق ودافعي الضرائب من الخطر المنهجي الذي يمثله الوضع المنهار للشركتين في الوقت الراهن، اذ عانت الشركتان من خسائر مالية بلغت 14 مليار دولار خلال سنة، الامر الذي انعكس سلبيا على قطاع البنوك التي تمول النشاط العقاري، وتعتبر هذه الخطوة استثنائية في بلد رأسمالي عتيق لاتتدخل حكومته في النشاط الاقتصادي للمصارف، وهو مايعني صدمة جديدة لأسواق التمويل الاميركية في ظل المشكلات الاقتصادية الناجمة عن حبس الرهن المتصاعدة والتي ادت الى زعزعة الاقتصاد.

 

هنا وجدنا " الدولة " فى الولايات المتحدة على حقيقتها العارية من الأوهام الإيديولوجية، فحكومة بوش، مع وزير الخزانة ورئيس مجلس الاحتياط الفدرالي، فى وحدة نادرة مع زعماء الكونغرس ومع الرئيسة الديمقراطية لمجلس النواب، من أجل إنقاذ " وول ستريت "، قلب النظام الرأسمالى فى الولايات المتحدة، وفى العالم بالتالي؛ أمَّا الطريقة فهى استخدام اموال دافعي الضرائب لضخها في بنوك ومؤسسات تأمين فاشلة مثلما حصل مع المساعدات الضخمة التي جرى ضخها في مصرف " بير ستيرنز " مستهلةً عملها الانقاذي بضج 85 مليار دولار لإنقاذ عملاق صناعة التأمين " شركة " إيه آي جي " لتدارك أزمته، الامر الذي سبب ضجة في اوساط الشركات المنتجة للاسلحة في اميركا لأن لها نصيبا كبيرا في الأموال المودعة في الخزانة العامة للدولة، وهي لن تصبر كثيرا اذا شعرت ان الدولة تسحب المخزون الاحتياطي الذي يغطي كل نشاطات المجتمع وليس بعض الشركات فحسب.

 

الفقراء يدفعون الثمن.

 

وقد أعرب خبراء اقتصاديون عن خشيتهم من ان تبلغ كلفة خطة الإنقاذ التي يعرضها البيت الأبيض على الكونغرس، ما بين 1000 و1500 مليار دولار. وتساءلوا عما إذا كان دافعو الضرائب قادرين بالفعل على تحمل هذه الكلفة.؟

الرئيس بوش أكد من جهته الضرورة الملحة " لتدخل حكومي " غير مسبوق " لمواجهة الوضع " الهش " للاسواق المالية وعلى رغم المخاطر التي سيواجهها دافع الضرائب جراء خطة باهظة التكاليف كما قال.

واضاف بوش في تصريح ادلى به في البيت الابيض " نحن نواجه لحظة حاسمة لاقتصاد اميركا "، وقدم بوش تقويمه الاشد تشاؤما للاقتصاد الاميركي منذ فترة طويلة، مشيرا الى " تآكل الثقة " والمخاطر التي تؤثر على الاستهلاك والنمو وفرص العمل، وقال الرئيس الأمريكي جورج بوش إن إدارته تعمل من أجل الحد من تأثير إفلاس بنك ليمان براذرز والتطورات المرتبطة بذلك على أسواق المال لكنه عبر عن التفاؤل إزاء مرونة أسواق رأس المال.

 

وكتبت صحيفة " نيويورك تايمز " على موقعها الالكتروني ان الخطة الاميركية التي اقترحتها ادارة الرئيس جورج بوش لدعم القطاع المصرفي تكلف من حيث المبدأ 500 مليار دولار إلا انها قد تصل الى الضعف برأي بعض الخبراء، اي نحو تريليون دولار، إن لم يكن اكثر.

وأظهر زعماء الكونجرس من كلا الحزبين استعدادهم لبحث الخطة والتعامل معها بروح الرغبة بانقاذ البلاد من اسوأ كارثة مالية تتعرض لها منذ الركود الكبير عام 1929. ولكن الشكوك تساور بعض الأعضاء الديمقراطيين من ان تصبح الطبقتان الوسطى والدنيا هما الضحية الأبرز للخطة إذا ما اقتضت رفعا كبيرا في الضرائب.

وقال السناتور باراك اوباما المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة ان الخطة يجب ان تحمي المواطن العادي لا ان تزيد الأعباء التي تقع على عاتقه.

في هذا السياق قامت الحكومة الفيدرالية بمسايرة الوضع عبر حزمة " الحوافز المالية " التي قدمتها عن طريق الخصومات الضرائبية الامر الذي سيتمخض عن اعفاء كل دافع ضرائب من   600 دولار في الشهور القليلة المقبلة.

 

والسؤال الأكثر حرجا للحكومة وجهه لها لوبي السلاح في الكونجرس هو ما إذا كانت هذه الأموال ستنفق في الشكل الذي يؤدي بالفعل الى معالجة أسس الأزمة لا مجرد إنقاذ مؤسسات مالية تغرق بديونها، فتعود مؤسسات اخرى لتواجه المشكلة نفسها.

وكانت مصادر في المجالات المصرفية ذكرت ان الخزانة الاميركية ستقترح برنامجا حكوميا تتراوح تكاليفه بين 500 مليار دولار و800 مليار دولار لشطب الاصول الفاسدة المرتبطة بالقروض العقارية من سجلات الشركات المالية الاميركية. ولكن الخبراء يقولون ان هذه الأرقام، كأي تقديرات حكومية أخرى، يمكن ان تتضاعف بسهولة. وقالت المصادر ان الحكومة ستحصل على رهون عقارية سكنية وتجارية وسندات تدعمها قروض عقارية بموجب هذاالاقتراح الذي يحتاج الى موافقة الكونجرس.

 

والجديد هنا هو الاجراءات المتشددة التي سوف تتخذها الدولة لمنع التسيب الرأسمالي فقد كشف وزير الخزانة الاميركي هنري بولسون انه سيعمل مع نواب في الكونجرس لاعداد قانون  وتشريعات تحدد شروط خطط الانقاذ والاسعاف التي تستفيد منها تلك الشركات بدلا من اقتصار اتخاذ القرارات في شأنها على البنك المركزي.

 

هكذا يجري الحوار بين مؤيد ومعارض لدور الدولة وحدود هذا الدور في دعم الشركات المتعثرة، لكن هناك اتفاق على ان وظيفة الدولة كهيئة ضابطة وموجههة للاقتصاد ومرشدة له من الشطط لازال قائما بل وضروريا ... هل استفدنا نحن في الوطن العربي من درس الازمة الرأسمالية العالمية.؟ أشك!

 

عادل الجوجري

11 أكتوبر 2008