الصفحة الرئيسـية  

متفـرقـات

 

 

 

مأساة مستشفى محمود اندير!

المستشفى الذى تمنى الشيخ زايد أن يدشنه فى الإمارات
 



( 1 )

هذه الخرابة التى تشاهدون صورتها أمامكم ،على رأس المقال، هي تلك " التحفة "  المعمارية الاستشفائية  التى كانت منتصبة بشموخ ، على شاطئ طرابلس ، فى اتجاه تاجوراء ، انها كانت  ( مستشفى اندير ) الذى  هرع إليه يوما ما من أيام السبعينات ، الراحل الخليجي الكبير، الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان عندما داهمته " الزائدة الدودية " أثناء زيارته لليبيا فى تلك الآونة ، ليجري فيها وبأطبائها المتميزين عملية استئصال الزايدة  ولكنه فوجئ بمستوى المستشفى وبهرته العناية والكفاءة الطبية والاستعداد والنظام الذى لم يكن توقع توفره ،  فى بلد من العالم الثالث( ؟ )  فبادر بمجرد خروجه من تأثير التخذيرالطبي وشعوره بعودة العافية إلى طلب مدير المستشفى ليعرب له عن شكره وامتنانه وإعجابه بما لمسه وشاهده بالمستشفى ، فمثل أمامه " صاحب المستشفى " الدكتور محمود اندير ! شد الشيخ زايد بجرارة وبكلتي يديه على يده ، وهنأه ، ثم طلب منه بحماس وإلحاح أن يصحبه إلى بلاده ( دولة الإمارات العربية المتحدة ) التى  لم يمض على استقلالها واتحادها سوى بضع سنوات وأخذت تتلمس طريقها ، لأول مرة فى التاريخ ، كدولة مستقلة ، تتكون على " كثبان الرمال " التى تجري من تحتها أنهار النفط ! ولم تصل بعد إلى إقامة هياكلها العامة ولا مرافقها الصحية ولا يوجد بها  مثل هذا المستشفى .. وأعرب الشيخ زايد عن أمنيته أن يقام فى " دولته الجديدة " الناشئة.. دولة الإمارات العربية المتحدة هذا الطراز والمستوى المتقدم من المرافق الصحية الحديثة !!

 

هنأ الشيخ زايد صاحب المستشفى ووعده الدكتور محمود اندير باللحاق به لمساعدتهم على إقامة مثيل لمستشفاه . ولو قدر للشيخ زايد أن يعود إلى ليبيا بعد ذلك  وقد  تحولت إلى ( جماهيرية شعبية وعربية اشتراكية عظمى ) تقودها اللجان الشعبية والمؤتمرات وتحكمها اللجان الثورية ، وتذكر المستشفى العظيم الذى أجرى له العملية والذي استبد بإعجابه ودهشته لأصيب بالصدمة ولسقط مغشيا عليه عندما يأخذونه إلى هذه ( الخرابة المهدمة ) التى كانت : مستشفى اندير !

لقد زحفت جماهير الغوغاء وجحافل الدهماء .. على المستشفى واستولت عليه باسم " السلطة الشعبية "  كما يهجم الجراد على بستان أخضر من الأشجار المثمرة  ولم تتركه الا بعد ما دمرت ما فيه وحوّلته إلى هذه الخرابة التى تشاهدونها منذ سنوات وهي تتآكل تحت معاول الزمن وتزداد اضمحلالا وخرابا ؟

 

فمن هو الدكتور محمود اندير؟ وأين هو الآن ؟ وما الذى حدث حتى تحول هذا المستشفى التحفة إلى هذه الخرابة البائسة الموحشة ؟ وكيف حدث ذلك ؟ هل هو " زلزال خطير" ضرب طرابلس وهدم فيما هدم هذا المستشفى وأحاله إلى هذا الخراب ؟ أم هم " التتار"  بقيادة  هولاكو " النفطي " هم الذين اجتاحوه ، ونهبوه .. ثم خربوه كما اجتاحوا – قبل قرون - بغداد العظيمة ؟!

       

الواقع ، لم يكن هو الزلزال ، وانما الذى وقع كان هو الأشد منه ضررا وتخريبا وإبادة .. انها " السلطة " عندما تسلم لأيدي الجهلة والدهماء كما يقول مؤلف كتاب طبائع الاستبداد عبد الرحمن الكواكبي ، وهي " السلطة " عندما يمارسها الغوغاء والمتخلفون والحاقدون على الحضارة والرافضون منهم للمدنية والعمران ، وقد زحف  هؤلاء الدهماء أيضا ، على بقية هياكل الدولة الليبية وأتوا على كافة مرافقها وتمكنوا من تحويلها إلى خراب ويباب وفوضى ، وكان هذا المستشفى الذى أذهل الشيخ زايد ورجا الدكتور محمود اندير أن يساعده على بناء مثيل  له فى ( أبو ظبي ) هو أول ضحايا الزحف الشعبي ومن أهم شواهد تلك الكارثة .

 

حط  " الجراد الشعبي "  على المستشفى وقد أتى على كل ما فيه وما يحتويه حتى شبابيك النوافذ والأبواب والمرافق الصحية والحجارة ، وقد تشرد العاملون فيه من الأطباء والممرضين منذ وصول الزحف الشعبي واستيلائهم على الإدارة ، ووقفت طبيبة إنجليزية ، على باب المستشفى ، تنتحب أمام المارة بعد إبلاغها بقرار الطرد ، وتبكي بحرقة وهي تشاهد بعض النسوة المنظفات من اللاتي كن يعملن فى المستشفى وهن يحملن على ظهورهن وفى ( قفافهن ) إلى منازلهن ، ما تمكن من نهبه من ( الشراشيف والأغطية ومعدات الأكل من صحون وملاعق ! )  بعد إتمام الزحف وسيطرة الإدارة الشعبية الجديدة ! واختفت الأجهزة والأدوات الطبية تباعا ، تلك المعدات التى جهّز بها الدكتور محمود اندير مستشفاه قبيل افتتاحه والتي كانت تمثل فى وقتها أخر ما وصلت إليه بريطانيا العظمى وألمانيا من تقدم تقني فى مجال الصحة والمستشفيات !

( 2 )

وكان المواطن الليبي محمود اندير قد ولد بمدينة طرابلس سنة 1926 ودرس المرحلة الابتدائية بالمدارس العربية الإيطالية ، وواصل دراسته حتى تحصل على دبلوم يؤهله للقبول بالجامعات فى إيطاليا ، ولكنه  عدل عن ذلك وأخذ سبيله لدراسة اللغة الإنجليزية فى عهد الإدارة البريطانية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى وصل إلى المستوى الذى يمكنه من الالتحاق بالجامعة فى إنجلترا ودراسة الطب ، وتحصّل فى نهاية الدراسة على شهادة بكلوريس بتفوق وامتياز فى الطب وعاد إلى بلاده ، سنة 1956 وفى رأسه طموحه الكبير الذى تبنى مساعدته على تحقيقه ، خاله ومربيه التاجر والصناعي الليبي المعروف المرحوم الحاج سالم اندير ، وهذا الطموح لم يكن السعي  لكي يتحول إلى مجرد طبيب خاص ذي عيادة تدر عليه الكثير من الأموال كما جرت العادة ، أو يصبح طبيبا فى الدولة  يخدم بلاده ويفيد نفسه أيضا من خلال عيادة خاصة أو مستشفى حكومي عاما ، وانما عاد بالحلم الكبير الذى كان يحلم به منذ صباه ويمثل كل طموحاته الشخصية .. وهو" انشاء واقامة مستشفى " على غرار آخر ما شاهده من تقدم خلال فترة دراسته فى بريطانيا وآخر ما وصل إليه العصر من تقدم  تقني وعلمي فى مجال الطب والمرافق الصحية المتطورة . 

وبفضل حماس" الخال " الحاج سالم اندير،  ومساعدته على توفير الإمكانيات المالية اللازمة تحقق المشروع وانتصب شامخا مستشفى اندير على الطريق الذى كان معروفا بطريق الملاحة ، بجادة ( ادريان بيلت ) وهو اسم الرجل الذي أشرف على تنفيذ القرار الدولي القاضي باستقلال ليبيا ، الذى أعلن  فى الرابع والعشرين من ديسمبر 1951 بتسليم السلطة لليبـيين .

ولكي يتكامل المشروع ويصبح بحق متميزا وعظيما حرص الدكتور الشاب محمود اندير على أن يأتي لمستشفاه من بريطانيا بالفريق الطبي والتمريضي الكامل واللازم وكذلك بالمعدات الفنية ومرافق العلاج وكل مستلزمات المستشفى العصري من بريطانيا وألمانيا ، وافتتح " المستشفى الجديد العظيم "  أبوابه للمرضى والمحتاجين فى منتصف الستينات بدون ضجيج أو دعاية صاخبة أو افتتاح وحضور رسمي ، على غرار طبيعة ذلك العهد وزهد حكامه وصفة التواضع السائدة بين رجاله ، وتحول المستشفى على الفور إلى( قبلة )  المحتاجين للخدمات الصحية المتقدمة من الشعب ومن علية القوم ومن الرعايا الأجانب ، بما فى ذلك الدبلوماسيين الأجانب ورجال  السلك الخارجي ، الذين كان فى ميسورهم عند الحاجة العودة إلى بلدانهم الأوروبية التى لا تبعد أكثر من ساعة  جوية واحدة عن طرابلس ! وقيامهم بالعلاج بها ، لا فى بلد أفريقي ومستشفى ليبي !

( 3 )

الا أن الأيام الغادرة التى كثيرا ما تسفه الأحلام وتحبط طموحات الرجال الأكفاء وأماني الشجعان ما لبثت أن دارت على ليبيا وعصفت  بكل الأحلام وأتت على المشروع الذى تمت مداهمته من طرف اللجان الشعبية عام 1977 واستولت عليه ، وتمكنت بعناصرها الجاهلة وسلوكها البدائي الأهوج  وغطرستها المتوحشة من اضطرار الفريق الطبي الإنجليزي والأوروبي إلى الفرار ومحاولة النجاة بأنفسهم والهروب من المستشفى والإسراع  بمغادرة البلاد فى أسى وحزن والتنازل حتى عن مستحقاتهم المالية ومرتباتهم  بعد هذه الكارثة التى حلت بالمستشفى وبالدكتور محمود اندير وقضت على أحدث وأرقى وأفخم مرفق طبي وجد فى ليبيا.. ليبيا التى كانت تتنامي وتزدهر وتتقدم بجهود نخبتها الكفأة وشبابها العصامي المتعلم ، ودولتها العصرية المنظمة ، وأخذت تنطلق إلى الأمام فى كل المجالات وعلى كل الجبهات .

 

ولكن  " المصير التعس " الذى حل بالمستشفى العظيم تسبّب أولا ، للحاج سالم اندير الذى تبنّى المشروع وكان يرى فى هذا الإنجاز الضخم  ما يعوض معاناة  مشوار عمره  ومتاعب شيخوخته وطموحه الوطني ، تسببت المداهمة الشعبية ومداهمة المستشفى له فى سقوطه مريضا .. وعجلت بانتقاله إلى جوار ربه .. أما ابن شقيقته ، صاحب المشروع الحلم ، الدكتور المبرز، محمود اندير فقد أحبطته الكارثة فلم يعرف ماذا يصنع ؟ وكيف يتصرف فى " البلد " الذى لم تعد فيه دولة ولا سلطة الا للدهماء ولا قضاء يقبل الطعن فى " أي قرار ثوري " ولا كيف يواصل هذا الإنسان المثقف المتحضر ، حياته كمواطن فى بلد تنتقل فيه السلطة إلى يد الدهماء والجهلة ليتصرفوا بها وبمرافقها الحية الرئيسية وبالمستشفى  بأقل مستوى من تصرفهم مع الورش والغراجات وورش الحدادة ومساكن المواطنين والرعايا التى أخذوا فى اغتصابها والاستيلاء عليها بتحريض ثوري وإذن رسمي !!

وسرعان ما طحنته الكارثة وسقط هو الآخر مريضا بضغط الدم والكآبة فأعتزل الحياة ولزم بيته ، وبقي به حتى فارق الحياة !

( 4 )

مات الدكتور المبرّز محمود اندير فى العشرين من أكتوبر 2006 وترك  الأحزان والحسرات فى صدور أسرته وقلوب أبنائه  الذين لم يكونوا يعرفون ماذا  يفعلوه ؟

 

وانتهى الحلم إلى نفس المصير الذى انتهت إليه أحلام الكثيرين من الرجال الشجعان والموهوبين من جيل الاستقلال وبناة ليبيا التى حصلت على استقلالها وأصبحت ثامن دولة فى العالم العربي تنال استقلالها ، وانطلقت فى تنفيذ مشروعها الحضاري قبل أن تستقل تونس والمغرب والجزائر ، وقبل أن يتحوّل الربع الخالي فى جزيرة العرب إلى بلدان وممالك ، وتنشأ دولة الإمارات العربية ، ويتحدث العالم عن معجزة الإنسان عندما يتحضر..  فى أبو ظبي ودبي .. وأم القويق !

 

العجيلي شركس

الحرشه – الزاوية

7 أكتوبر 2008