الصفحة الرئيسـية  

متفـرقـات

 

 

 

" تاوالت " لن تموت !


 

اعتراني الحزن ، وداهمني فيض غامر من الكآبة ومشاعر الإحباط ، وأنا اقرأ بعيون زائغة (  الإعلان ) البائس الذى يشير إلى أن  " توالت " تغلق أبوابها !!

و" توالت " هذه ليست " حانوتا " يعرض بضاعة للاستهلاك ! ولا ( سوبرماركت ) قد أصيب بخسارة وحلّ به كساد فاضطر صاحبه إلي التوجه بالاعتذار إلى زبائنه ، لعدم القدرة على الاستمرار وتقديم شئ مما كان يبيع ! والاضطرار لإجراء التصفية والإقدام على الإغلاق النهائي للسوق وقفل أبوابه !!

إن " توالت " هذه موقع إليكتروني تعودنا لتسع سنوات مضت التوقف عنده وتصفح ما فيه .. بل كان ( منبرا )  والمنبر ، لا يمكن أن يتهاوى أو يسقط ويلقى به بعيدا في الخراب ، ويتوقف الناس على الصعود إليه والتحدث منه بصوت عال  إلي الآخرين !

انها (  صفحة مشرقة زاخرة بشتى المعارف وفنون ثقافة الأمازيغ ) .. صفحة عرضها ، هو المساحة المترامية لأطراف الوطن الليبي ، وأعماقها تضرب في جذور كل الليبيين وتنهل من تاريخهم العريق  وتراثهم الثقافي الخالد ، ولا يملك أحد " مهما كان شأنه " أن يطوي هذه الصفحة أو يتلف أوراقها ! أوراقها غير قابلة للتلف لأنها مصنوعة من نسيج الأمة الليبية ومن أصالتها الضاربة فى العراقة والقدم ، وستظل هذه الصفحة مفتوحة حتى وان حاول البعض طيّها ، وستظل على الدوام مشرقة رغم تآمر الجهل ومعاول الحقد والتعصب وحصار الإحباط والخذلان ، وأمراض الحسد والغيرة ، وطعنات  أعداء الثقافة والنور والعلم والمعرفة والحقيقة .. أعداء التاريخ .. أولئك الجاهلون بالماضي والعابثون بالحاضر والمعادون للمستقبل .. أي : الكارهون للحقائق والخائفون من التقدم !

( توالت ) هذه ، التى ولدت على يد الشاب الأمازيغي النابه ، المثقف ، الشجاع موحمد ؤ مادي قبل  تسع سنوات ، واحتضناها نحن بعيوننا ، وحنينا عليها بقلوبنا وهي تنمو وتترعرع وتكتمل ويشتد عودها وتتحول بثقافة كتابها وغزارة علمهم وحيوية أفكارهم وجدية مثابرتهم إلى  صرح ثقافي شامخ .. إلى "منبر عال " يصدح  بالمعرفة ، إلى مصباح منير يشع  وشمعة عملاقة تتوهّج  ،  قادر نورها على تمزيق أستار الظلام ودحر أحقاد الجهالة وعقد النقص ومحاصرة أعداء المعرفة  وخصوم الحقيقة .. تابعناها وهى تتمدّد وترتفع قامة وتزداد صلابة وقوة فى التأثير وقدرة على التنوير .. ثم يخرج علينا فجأة " المؤسس " موحمد ؤمادي ..  هذا الذى رأينا فيه وجه ( يوغورتا ) الذى يحيي الأمل ويجيّش المعارف ويتصدّى للغزاة الذين يحاولون وأد الأصالة والقضاء على الهوية والاعتداء على حقائق التاريخ .. ( يوغورتا ) هذا ، بدل أن يزداد إصرارا على مواصلة النزال والإصرار على الثبات  في ميدان المعركة ، يعلن الهزيمة وينكس الراية ويتراجع إلى الوراء ويلوذ بالاستسلام ، ويزعم موت ( تاوالت ) واسكات صوتها !!

صحيح ، أن المعاناة تكبر مع خصوم الحقيقة بالقدر الذي تكبر فيه تاوالت  ، والمتاعب تتضخم كلما اشتدت المعارك وطالت معاناتها ..  وصحيح أن " حجم الخذلان " رهيب وغير محتمل وأخطبوط الإحباط بشع .. الخذلان والإحباط من أصحاب القضية ذاتهم قبل غيرهم من رموز التعصب والكراهية وعناصر الانغلاق والتقوقع والجهالة .. ولكن ( تاوالت ) كانت أكبر من الجميع ، وكان لها زاد من العلم ومناعة المعرفة وقوة الحقيقة مما يؤهلها على مواصلة المشوار والتقدم إلى الأمام وتحقيق المزيد من الانتصارات على خطى العمل الوطني والنضال  من أجل الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الثقافة واستحقاقات الهوية.

" مدغيس "  أو موحمد ؤمادي الذى ولد من رحم جبال نفوسه  وتعلم المشي بين شعابها وقدّت عزيمته من صلابة صخورها ووعورة مرتفعاتها وقسوة منحدراتها ، ثم خرج وهو صغير السن إلى هذا العالم الرحب فطاف بلدانه وجاب قاراته وتعلم منه الكثير ، اغترف من ثقافة المناضلين الديمقراطيين وأهل الفكر ودعاة التنوير في فرنسا ، واقترب من الأكراد في تركيا وعرف صور نضالهم وشارك في كفاح المضطهدين ومعارك الأقليات في الولايات المتحدة الأمريكية ، وقضى أزهى أيام شبابه دارسا وباحثا ومنقبا عن المراجع ومتعمقا  فى بطون الكتب ، ومتنقلا من مكتبة إلى أخرى ومن متحف إلى متحف ومن دار للآثار إلى دار للثقافة  .. هذا الفارس الشاب الرائع ، الذى يمتطي صهوة " جواد العلم " ويخوض المواجهة بسيوف المعرفة والثقافة .. هذا الشاب الموهوب ، الملهم ، الفنان ، الرسام ، المصور الفوتوغرافي والسينمائي ، المفعم بالأمل المتسلح بالحقيقة وتنوع المعارف وتعدد اللغات .. أهذا " الرجل " ؟ هو الذى  يكبو أخيرا ، ثم يستسلم للمتاعب ويعلن التراجع من الساحة والاستسلام أمام قوى التعصب وسهام المحبطين من " الأمازيغ أنفسهم "  ويدخل بذلك السرور على قلوب المتعصبين ويثلج صدور أساتذة الانغلاق ودكاترة الارتزاق وفلول النفاق والانحطاط والتملق .

إن بين الليبيين منذ فجر التاريخ ، من هم كذلك ، ومن هؤلاء ، للأسف " أمازيغ " سواء ادعوا الاستعراب وتسربلوا بالعروبة ! أو تمسكوا بلحاف الأمازيغية اللغوية ! انهم الذين خانوا ( يوغورتا العظيم ) وسلموه للرومان وهم الذين خذلوا ملكة الأوراس العظيمة وقضوا بهزيمتها  وهم الذين تحولوا فى أحقاب عدة من التاريخ إلى " مجرد مرتزقة "  يفتحون ديارهم للغزاة الأجانب  وينصروهم على أبناء قومهم وأهاليهم ، ومن سلالتهم الآن من نسمع به من "  فصيلة " سليانه وحفيانه وعريانه وخشيمانه وكل الأدوات التي تستعملها قوى الشر والتعصب وتستخدمها رموز الجهل وأعداء التاريخ والحقيقة !

ومنهم أولئك الذين ضاقوا درعا ، ذات يوم ،  بمقام جدهم العظيم ، الإمبراطور الذى حكم روما ، سبتيموس سفيروس ، ولم يهدأ لهم بال أو يخفف من سعير حقدهم الأعمى وجهنم جهالتهم  ، الا بعد أن تمكنوا من إسقاطه من على  ( منصته ) التى كان يقف عليها شامخا فى ميدان الشهداء بمدينة طرابلس منذ عشرات السنين  !! وقاموا بإبعاده إلى مسقط رأسه  ( لبده )  لكي يدفنوه بين أحجارها الأثرية وينسى الليبيون " شاهدا عظيما " من شوامخ تاريخهم ، ولا تكتشفه بعد ذلك الأجيال التي تولد وتعيش الآن فى الفراغ .. بلا تاريخ .. بلا ماض عريق ولا حاضر مشرّف !!

ومع ذلك ، ورغم كل ما يمثله الواقع من بشاعة وافلاس ، فإن  وسط هذه الشريحة الإنسانية المريضة والجاهلة والمستلبة الهوية ، ما يزال هناك " شرائح أخرى " من الليبيين الأصحاء والأحرار حقا ، والشرفاء ، ومن بينهم ظهر الذين تصدوا للمنحرفين والكثير من المرضى الليبيين ..  أمازيغهم  ومستعربيهم لغويا ، أولئك المهزومون  والمدّعون زورا الانتماء لأصول أخرى ، لأن ( المغلوب مولع بالانتساب للغالب ) على رأي مؤرختا العظيم المغربي عبد الرحمن بن خلدون !

والشخصية الليبية تزخر فى عمومها بهذه النماذج ، ولا يوجد ما يفرق بين مكونات هذه الشخصية وحقائق مركباتها ، سواء وجدت في أعالي جبل نفوسه أو في صحراء الكفرة والجغبوب .

ولكن حتى ذلك كله ، فلا يعطي ( لفارس تاوالت ) أن يترجّل الآن ، أو يرفع الراية البيضاء و يستسلم للهزيمة !!

عليه وعلينا أن نتذكر فى هذه الأيام الحالكة الظلمة والمثقلة بالانكسارات والهزائم ، الرجل الأمازيغي الذي وقف قبل ربع قرن وحيدا ووحده ، الشهيد سعيد سيفاو المحروق وهو يردد أغنية ( أم الأمازيغ ) التى كانت تقاوم حصار الغزاة وتحرّض من بقي معها من الرجال على مواصلة المعركة  :

أيها الرجال الأحرار..

أيها الأمازيغ

 

انهم مجرّد لصوص

وقطاع طرق

وغزاة متوحشون وأشرار

 

لا تعبئوا بالهزيمة

إن النصر آتٍ عما قريب

والعدل ، لابد أن يتحقق !

 

فاضل المسعودي
18 فبراير 2009