الصفحة الرئيسـية  

متفـرقـات

 

 


 

ليس من مات فاستراح بميْت

وانما الميت ، ميّت الأحياء

" المتنبّي "

----

عاشق المدينة الذى رحل !


          تقول الأخبار الواردة من المملكة الأردنية ، أن المربّي القديم وأحد أبرز رجال التعليم ، وكوادر المملكة الليبية الادارية بعد الاستقلال ، الأستاذ مصطفى فوزي الأمير، قد وافاه الأجل المحتوم ، قبل اسبوع مضى ، اثر مرض لم يمهله طويلا ، وانتقل الى رحاب الله ، عن عمر يناهز الثمانين سنة .

          وقد مشى في موكب تشييعه ، الى مثواه الأخير، نجله السيد مهنّد وشقيقتاه والسيد وليد نجل شقيقه ، المرحوم الشيخ عبد الرزاق ، وعدد من معارفه القلائل فى الأردن ! 
 

          وورى جثمان الفقيد مصطفى الأمير بأحد مقابر عمان ، تماما كما يوارى جثامين الغرباء الذين يرحلون عن الدنيا ، بعيدا عن أهاليهم وأوطانهم .. !


          مصطفى الأمير، هو نجل الأستاذ المبرّز ( البروفسور ) فوزي الأمير ، أحد أعمدة التربية والتعليم فى ليبيا ، فى نهاية العهد التركي وخلال العهد الايطالي ، وهو شقيق الراحلين الأساتذة : فاضل الأمير، الموظف السامي بمناصب مهمة فى الدولة الليبية ووزير داخليتها الأسبق ، ومظفر الأمير، الأستاذ بالمدرسة الاسلامية العليا قبيل اعلان الاستقلال ، وسكرتير عام مجلس الشيوخ فى عهد المملكة الليبية ، والخطاط الكبير صبري الأمير والشيخ عبد الرزاق ورياض وهاشم ، وجميعهم انتقلوا الى جوار ربهم قبله ويستحقون الآن ، الدعاء لهم بالرحمة والغفران .
 

          أنهى الفقيد مصطفى الأمير، دراسته فى ( المدرسة الاسلامية العليا ) وبدأ حياته العملية مدرسا فى مدينة طرابلس ثم انتقل للعمل في عدد من شركات النفط ، حيث تقلد وظائف مهمة متعددة ، آخرها وظيفة " مستشار" بشركة ( آجيب ) الايطالية التى استمربالعمل معها حتى أوائل السبعين من القرن الماضي ، وكان قبل كل ذلك وبعده ، أحد الوجوه اللامعة فى مجتمع المدينة وأوساط الثقافة والشباب والرياضة .
 

          بعيد " الانقلاب العسكرى " الذى أطاح بدولة ليبيا ومؤسسات المملكة فى الأول من سبتمبر 1969 ، فقد الأستاذ مصطفى الأميرمثل العديد من رجال المملكة منصبه بشركة ( آجيب ) !! ولكن " الشركة الايطالية " أصرت على دفع راتبه الشهري كمستشار لها حتى وان أقصى من عمله ولزم بيته ! الا أن ما جرى بعد ذلك من أحداث جسام - كان من أبرزها تقديم جميع رجال الدولة الليبية ، الى محكمة ( الملازم بشير هوّادى ) بتهمة " التورّط " بالمشاركة فى العمل والقبول بالمساهمة فى بناء الدولة الليبية عند قيام الحكم الوطني بعد تحقيق استقلالها - أصابه بالكثير من الاحباط ومشاعرالكآبة واليأس ، دفعه الى مغادرة بلاده ، والنأي بنفسه ،عما أسماه يومها بـ ( السرك الثوري ) واختيارالاقامة مع أسرته ، بعيدا عنها ، فى عمان ، حيث أمضى فى عزلة تامة وانطواء بقية سنوات عمره .
 


 

          كان الأستاذ مصطفى الأمير واسع الاطلاع غزير المعرفة متمكنا من اللغات الايطالية والانجليزية الى جانب تمكنه من اللغة والأدب العربي ، واشتهر بين جميع معارفه بدماثة الخلق ولطافة المعشر والتزام الاستقامة والاستعداد لخدمة الآخرين ومساعدة من يحتاج اليه .. وكان شديد التعلق بالقيم النبيلة ومكارم الأخلاق والتفاني فى خدمة بلاده والاعتزاز بالانتماء الى تراب الوطن ، ولذلك فقد عانى المرحوم الاحساس الحاد بالغربة والحزن والتعاسة عندما اضطره " الزمن " للبقاء خارج وطنه وبعيدا عن مدينته التى كان واحدا من ألمع وجوهها المشرقة يوم كانت مدينته تستلقي وادعة فى أحضان الأمن والطمأنينة والبهجة والسلام ، في " ذلك الزمن " الذى لم يكن يعرف الناس فيه الخوف أو القلق .. ولا الكآبة .


          وعندما داهمه الشوق بعد ذلك ، واشتد به الحنين الى مدينته الجميلة ، النظيفة الوادعة التي تضم كل الصحاب .. شدّ الرحال .. وانطلق اليها .. ، انطلق - حسب مفرداته الايطالية ، التى كان يحب استعمالها - الى " اللونقومارى " كما هو اسمه باللغة الايطالية، والمشهور بـ (كورنيشه ) الجميل الرائع .. ولكن صدمته كانت مهولة عندما وجد أن " الكورنيش " قد هدّم وأزيل ! وعندما تسآل الرجل فى دهشة وحسرة ، أجابه : ثوري خبيث و " خفيف الدم " أن الازالة جرت بسبب ما ظهرمن " الكورنيش " من استفزاز واثارة لعضو بارز من مجلس قيادة الثورة ، فأمر على الفور، بهدمه واستبداله بكورنيش آخر ذا ميول هندسية عربية وثورية ، بل أن عملية الانتقام من كورنيش الطليان أدت الى العبث ، بأطراف البحر وردم جزء من الشاطى !!
 

          ويواصل مصطفى الأمير، التجوال فى المدينة التى كان يعشقها ، فيروعه ما حل بميدان الشهداء والفسقية التى كانت تتوسطه ، واختفاء تمثال " جدنا العظيم " الأمبراطور سبتيموس سفيروس ، ثم يلتفت يمنة ويسرة ، فلا يجد جامع سيدى احموده ولامكتبة الأوقاف التى كانت ضمن مبناه الأنيق ! ... ويهرول فى اتجاه " الكورسو " أى ( شارع فيتوريوعمانويل ) الذي أطلقت البلدية عليه ( شارع الاستقلال ) باحثا عن مقهى : صوردى و ( مقهى الكورسو ) ملتقى نخبة شباب المدينة وأكثرهم أناقة ونضارة ومرحا وخفة دم ، وملتقى صفوة الأدباء الشبان والكبار وأهل الثقافة والفكر والسياسة والفن قى ذلك الزمن ، الأديب الراحل يوسف الدلنسي والكاتب الكبير مفتاح السيد الشريف أطال الله فى عمره ، وزين الشباب "الوجيه" ناشد دريبيكه والأديب الصحفي ، محمد فريد سياله ، والصحفي الأديب عبد القادر بو هروس ، والمثقف المناضل ، رمزالاستقامة ونزاهة المواقف والالتزام بالمبادئ ، الأستاذ على عمّيش ، والأديب ، الناقد ، الكاتب الذى ينحت كلماته نحتا ويرسم حروفه بالريشة لا بالقلم : يوسف القويري ، والأديب المخضرم الأنيق راسم قدري .. وأشهر ظرفاء شباب ذلك الزمان : محمد حبحب والطاهر العربي المقدود وشيخ نقاد الرياضة الصحفي حسن الشغيوي .. وبقية فرسان الصفوة وشباب المدينة .. فلم يجد مصطفى الأمير منهم أحدا ، وانما وجد ما يشبه ذلك " المقهى " وبقايا ما كان يعرفه من معالم الشارع الذى كان جميلا وأنيقا ، فغمره الأسى على ما انتهى اليه ، بل واجتاحته مشاعر أعمق من الحزن والحسرة ، على " تلكم الصبايا الحسان " اللآتي كنا يقدمن الخدمات للزبائن من رواد ذلك المقهى الراقى الرائع ..  لقد ذهبت الفتيات مع الريح وأختفين ليحل فى مكانهن " أشخاص تعساء " باسمال بالية وقلنسوات داكنة ووجوه كالحة وعيون يتطاير من نظراتها الشرر، لتبعث الرعب فى قلب " الزبون " وتسلب منه الاحساس بالطمأنينة ، فيحتسي المسكين مشروبه الحلال على عجل ويطلق ساقيه للريح ..



         ويواصل ابن المدينة وعاشقها الحزين .. ابن طرابلس " المهاجر العائد " مصطفى الأمير، جولة البحث ، وتفقد ما بقى من أثار المدينة ، فلا يجد تلك المحال البديعة الراقية ولا حتى ( مقهى السياحة ) ملتقى السواح الأجانب وملاذ الساهرين من كل الأجناس .. فى ليالي طرابلس الساحرة .. ، لقد خبت أنوار الشوارع وأنطفأت واجهات المحال التجارية بعد " القرار الثورى " بتكسير وازالة اليفط التى تتضمن جملا أو حروفا بلغة أجنبية ! .. حتى " الخضراء " مقهى الشباب والرياضيين، الذى يتوسط الحدائق الخضراء الواسعة أمام مبنى مجلس النواب ، بل وحتى قهوة ( عبد الله ) بشارع الوادي ، وهى من معالم المدينة البسيطة والرائعة ، وكانت تجمع شرائح أخرى من أهالي المدينة القديمة وبسطاء الناس ، فلم يعثر مصطفى الأمير .. لهما عن أثر !




          فيسارع المهاجر العائد بالرحيل .. ويعود الى منفاه الاختياري فى الأردن ، وهو أكثر كآبة وأعمق حزنا .. واحسرتاه، على مدينته طرابلس التى أخذت تتحول الى أطلال وخرائب مهجورة ، وكأن غزاة من قبائل متوحشة قد اجتاحتها كما اجتاح التتار مدينة بغداد فى القرون الوسطى ، وأن ما بقى هو مجرد " بقايا مدينة " ، وكل ما كان بها آخذ فى الاضمحلال والتآكل ، حتى الناس .. أجل ، حتى الناس فى مدينتنا قد اندثروا واختفوا ولم يعثر الأستاذ مصطفى لهم عن أثر!


          وقال لي والأسى والحزن ينزف من نبرات صوته : لقد مشيت كثيرا ، أجوب الشوارع وأدرع الأزقة لعلي ألتقي بأحد من أهل المدينة .. من أصدقائي القدامى .. معارفي .. زملائي .. وأصحابي .. فلم أصادف الا الغرباء ، والوجوه التى لم أرها من قبل فى بلادنا !!


 

          لكي أواسي الأستاذ الصديق مصطفى الأمير بعد سماعي لما رواه عن طرابلس ، وأخفف قدرا من هول الحزن الذي كان يأكل قلبه ، تذكرت ما حدث لصديقنا جمعه نصر ، يوم غادر منفاه الاختياري فى مالطا على عجل وقرر العودة الى طرابلس ! ورويت له ما حدث :

          " انطلق جمعه نصر فى اليوم التالي من وصوله لطرابلس ، يمشي في المدينة الكئيبة في كل اتجاه .. ويجوب الشوارع ويدرع الأزقة ، من الصباح ، حتى أوشكت الشمس على المغيب ، .. يحاول العثور عن واحد من أصدقائه أو معارفه وزملائه القدامى .. ولكن النهار أوشك على الانقضاء ولم يعثر جمعه عن أحد منهم ! توقف جمعه ، تحت أحد الأقواس فى شارع عمر المختار من شدة التعب والحيرة .. ثم اتكأ على الجدار لكي لا يسقط من الاعياء ، ثم أخذ يجهش بالبكاء ..

          وبمحض الصدفة ، لمحه عن بعد ، أحد العاملين سابقا فى جريدة ( الميدان) وهو الشاب سليمان صالح عيسى ، فاسرع اليه ، وعندما رأى الدموع تنهمر من عينيه صرخ فى فزع : عمي جمعه ماذا بك .. ماذا حدث ؟ ماالذي وقع لك ؟
 

          فارتمى جمعه نصر عليه ، وأخذه بالحضن ، وواصل النحيب !

          وعندما تمكن من استعادة هدؤه ، قال جمعه نصر: تصور يا ولدي سليمان ، لقد مشيت في مدينتنا هذه ، اليوم كله ، أبحث عمن كنت أعرف .. فلم أعثر على واحد أعرفه !! أين اختفى الناس يا سليمان ؟ أين هم أصدقاؤنا ورفاقنا القدامى .. وأين هم أهل طرابلس ؟؟ .. 

          - ما الذى حدث !
 

          - أليس هذا محزنا ومبكيا يا سليمان .. ؟!!
 

*****

          ذات يوم من خريف 1996 ، التقيت صدفة بالأستاذ مصطفى الأميرهائما على وجهه في شارع اكسفورد بلندن ، فسألته :
 

          - وماذا بقى الآن من طرابلس ، يا أستاذ مصطفى ؟

          كست وجه الرجل سحابة كثيفة من الأسى ، ثم رأيت دموعا تترقرق فى مقلتيه قبل أن يجيبني بصوت أجش وحزين :


          - ان شعوري بالاغتراب فى طرابلس - يا صاحبي - والوحشة التى ملأت صدري فى بلدي كانت أشد وطأة وأكثر قسوة وايلاما مما أحس به الآن ، فى الأردن ، أو أي مكان آخر من هذه الدنيا !؟
 

          وذلك بعض ما حدث ، للمرحوم الأستاذ مصطفى الأمير بعد محاولاته المتكررة للعودة الى مدينته طرابلس ، باحثا عن أهله ، محاولا فهم السر فيما حدث .. وأسرار الكارثة التى عصفت بالوطن والناس والمدينة ، ولكنه يضطر بعد كل محاولة ، للعودة الى عمان ، بمزيد من الحزن والمرارة والاحساس بالضياع .. وربما لهذا السبب ، انطوى الرجل ، على نفسه وقضى بقية سنوات عمره فى عزلة ، وحيدا وغريبا وكئيبا ، حتى رحل ..
 

          وربما هو الذي أوصى بأن يدفن فى مقابر الغرباء بعمان .. ولم يحرص على أن يعودون بتابوته ، ليدفن فى مقبرة " سيدى منيدر" الى جانب اشقائه وأفراد أسرته ! فمقبرة ( سيدى منيدر ) قد أغلقت هى الأخرى ولم يعد فى الامكان أن تستقبل جثمانا لميت آخر من مدينة طرابلس ؟
 

          ان الذي ليس له وطن - كما قال شاعر من فلسطين - ليس له كفن !


*****

          أسرة الأميرمن أكبر أسر مدينة طرابلس ، ورغم رحيل كل أشقائه الثمانية ، الا أننا لم نعد نعرف من الذين بقوا منهم .. ومن بقى من الأسرة من الأبناء والأحفاد ! ويبدو أن الجميع قد داب فى عواصف " اللهث وراء لقمة العيش " ، أوالهرولة بحثا عن مأوى آمن ومقام مريح .. وربما أن رياح " البزنسة " وسباق اقتناص ما يمكن أن يتساقط من أكياس ( الشطار ) قد أخذ الجميع الى بعيد .. بعيد جدا عنا .. حتى أننا لم نجد من نتبادل معه التعازي فى فقيدنا الراحل .. أو نعرف منهم شيئا عن أيام الأستاذ مصطفى الأخيرة فى المنفى . 
 

          اننا نعزى المدينة المنكوبة طرابلس .. ونتقبل التعازي فيما انتهت اليه ، بعد سبع وثلاثين سنة .. من واجتياح الغرباء ووصول .. الوافدين .
 

          الله أرحم به من " البلد الضائع " الذى قدر أن يولد فيه ، و" الناس " الذين ظهر وسطهم ، والمدينة التى كان يعشقها ، ولكنها ضاعت منه فى زحام العاصفة التى اجتاحت " الوطن " الذى كان آمنا، فأقتلعت أشجاره وأودت بثماره ومسحت بهاءه وضيعت معالمه وشوهت أناسه .. ولم تخلف وراءها الا الأوشاب والهمل والخراب .. والجراد .
 

          .. الله يرحم الفقيد العزيز ، ويغفر له ، ويمدنا بمزيد من قدرة الاحتمال والصبر ، حتى نلحق به .. الله يرحمه .. هو أرحم به وبنا جميعا .. وهو أرحم الراحمين .
 

فاضل المسعودي
9 فبراير 2007