الصفحة الرئيسـية  

متفـرقـات

 

 


رحيل محمد فريد سياله!
 

غيّب الموت، واحدا من أبرز رجال الصحافة والثقافة والأدب، فى ليبيا قبل نكبة الفاتح من سبتمبر1969 ، المرحوم الأستاذ محمد فريد سياله، عن عمر يناهز الثامنة والسبعين سنة، ووري التراب دون أن ينعيه أحد أو يهتم برحيله زملاؤه من فرسان الكتابة والصحافة فى العهد السابق ولا تلامذته من كتاب وصحفيي " عصر الجماهير"  فى داخل ( الجماهيرية العظمى ) وخارجها !!

ومحمد فريد سيالة من مواليد طرابلس وهو من أسرة معروفة جدا فى المدينة منذ أواخر العهد العثماني، وهي من العائلات المرموقة والمشهورة بالتدين والعلم والأخلاق الحميدة، ومنها كان العلامة المربّي، القطب الصوفي الكبير، الشيخ على سياله، ومن بينها أيضا الأستاذ " الكادر المثقف " المرحوم أبو بكر سياله مدير السياحة فى عصر ازدهار السياحة فى" ليبيا العهد المباد "  والأستاذ الفاضل احمد سياله مدير المطبوعات والنشر فى بداية الستينات بولاية طرابلس، أمدّ الله فى عمره وحفظ له الصحة والسلامة.

بدأ محمد فريد سياله حياته قبيل إعلان استقلال المملكة الليبية، وفى بدايات العهد الوطني سنة 1951 مدرسا بمدارس المدينة، ولكنه سرعان ما لمع بعد ذلك وسط النخبة المثقفة التى قامت على جهودها وكفاءتها الدولة الليبية الحديثة، وعلى رأس مجموعة المثقفين الليبيين، الذين كان لهم حضور متميز ونشاط كبير فى مجال الحركة الثقافية، على صعيد الصحف والمجلات والنوادي الأدبية، ككاتب للمقال والقصة ومحاضر فى الثقافة والأدب والقضايا العامة ورجل إعلام وإذاعة،  وكان  واحدا من مؤسسي ( جمعية الفكر ) فى بداية الستينات، تلك الجمعية التى لعبت دورا مهما فى تنشيط الحركة الفكرية والثقافية، ثم أصدر جريدة ( الفجر ) المستقلة التى أوقفت ضمن ما أوقفه " الانقلاب العسكري " من صحف ومجلات ووسائل إعلام، كانت تصدر فى العهد الدستوري البرلماني الملكي وازدهرت بفضل " حرية الفكر وسيادة القانون والنهضة التعليمية " لذلك العهد الذى أطاحت به ( المؤامرة الأمريكية النفطية )  فى الأول من سبتمبر 1969 !

  

  وعند استتباب الأمر للانقلابيين وأخذت  " أجواء الرعب والقمع والفوضى وتسلط الغوغاء " تجتاح ليبيا، اضطر الأستاذ محمد فريد سياله إلى " لزوم بيته " والانزواء بعيدا عن عواصف الرعب والفوضى، والركون إلى اعتزال الحياة العامة، شأنه فى ذلك شأن الذين صدمهم وقوع الانقلاب الذى لم يكن له أي مبرر فى " القرية التى كانت آمنة "؛ وأذهلهم احتشاد القوى الدولية وحلفاؤها من الأنظمة الحاكمة العربية التى تهافتت على تأييد الانقلاب والاشتراك فى تنفيذ المؤامرة وإنجاح مقاصدها والتي انطلقت بنوايا مبيتة، تحمي المتآمرين وتؤيد اغتصابهم للسلطة وانهماكهم فى عملية " تخريب " الدولة الليبية وتدمير مرافقها، والقضاء على كل منجزاتها التى تحققت قبل أن يتفجر النفط وتتوفر كل هذه الثروة.

وظل محمد فريد سياله تسعا وثلاثين سنة، وحيدا  فى منزله " المحاصر" بصخب الغوغاء ولغط الدهماء وأحداث الفوضى، يجتر المرارة ويتحسّرعلى ليبيا المنكوبة، ويعيش قابعا فى زوايا النسيان ويتخذ - مع عدد قليل جدا من رجال القلم والثقافة  - موقفا أيا كانت سلبيته الا أنه أشرف وأسلم من مواقف  " زملائه "  الذين انقلبوا سريعا على أعقابهم وركبوا الموجة، وانطلقوا يكتبون للعهد الانقلابي ويبشرون " بالثورة " الغراء ويشاركون فى عملية التضليل والخداع والترويج للباطل !!

وها هو ذا، محمد فريد سياله، بعد معاناة السنين العجاف الطوال، سنين أيام الهرج،  يحمل  " قلمه مع كفنه " ويرحل بعيدا عنا وإلى الأبد، ليلحق بزملائه من الكتاب والصحفيين الليبيين الشرفاء، الذين استمسكوا بالقيم والتزموا مواقف النزاهة، وسبقوه فى الرحيل إلى الدار الآخرة، من أمثال : الصحفي الكبير محمد المرابط صاحب جريدة ( الجور نالي دي اتريبولي ) اليومية، التى كانت تصدرفى طرابلس باللغة الإيطالية، ومحمد بن صويد الذى كان يصدر مع زميله النائب البرلماني ووزيرالعمل والشئون الاجتماعية، وصاحب مشروع المدينة الرياضية فى بنغازي، الأستاذ عبد المولى لنقي، جريدة ( سيرينايكا ويكلي نيوز )، والأديب القصاص عبد القادر بوهروس صاحب جريدة ( الرائد )، ومحمد فخر الدين رئيس تحرير جريدة ( طرابلس الغرب ) ومدير وكالة الأنباء الليبية لاحقا، والكاتب الصحفي محمد الشاوش، رئيس تحرير  جريدة العلم اليومية، والشاعرالمبدع حسن صالح، والصحفي القدير جمعه نصر، والإعلامي البارز الأستاذ محمد بن زيتون، الذى توفى فى نهاية السنة الماضية دون أن يحس بموته أحد !! والمناضل المثقف الموسوعي محمد القزيري، الذى توفي فى منفاه الاختياري منذ بضعة أشهر ودفن فى لندن.

ولكن، فى أي يوم من أيام فبراير أو مارس وافت محمد فريد سياله المنية ؟ وأين ووري الصحفي الراحل الثرى؟ ومن الذى مشى فى تشييع جثمانه، ممن بقي من زملائه القدامى؟ ولماذا صمت أو تجاهلت، البقية الباقية من زملاء عهده وليس زملاء " موقفه "  أمر رحيله، ولم يكتبوا حتى بضعة أسطر تشير إلى وفاته وتعزي ذويه فيه؟! إنها أسئلة حزينة ومتألمة تداهم الخواطر ولا تجد لها من جواب!

وكيف يمكن أن يكون لها جواب وأمرها يتعلق بعيّنة من البشر لم توجد الا فى هذه الصحراء القاحلة الموحشة، التى لم تنبث فيها زهرة وفاء ولا شجرة باسقة للرجولة! إنها صحراء الذئاب من فصيلة ابن آوى، والضباع القميئة، والعقارب والأفاعي .. والثعابين السامة!!

ورحم الله الزميل الراحل، والأديب الليبي الشريف محمد فريد سياله، وألهم أسرته وذويه وأبناءه جميل الصبر والمزيد من رباطة الجأش، والدعاء الحار بمزيد الثبات للذين التزموا بمواقف الشرف والصدق والنزاهة والشجاعة والوفاء " والولاء فقط " لليبيا الأم وليبيا الوطن ..  دعاء من القلب لبقية زملائه الكبار العظام .. وألف تحية وتقدير لهم .. للشعراء المناضلين الكبار : محمد الشلطامي وخالد زغبية .. وللكاتب الكبير الأستاذ يوسف القويرى، وللقصاص الأديب الكبير " الشريف " يوسف الشريف، والفنان الليبي الرسام العظيم محمد ازواوي، الدعاء لهم جميعا بطول العمر وموفور الصحة والسلامة ، وتجنّب  كل مكروه.

ولا شيء يبقى فى النهاية الا الحقيقة ووجه الله، وما عدا ذلك ورغم غلواء التسلط وجنون الأنانية، وسطوة المال، وغيبوبة الناس فى هذا الأيام، وضجيج الشهرة الرسمية، فان الزمن كفيل بكنس كل الأوشاب، والتاريخ هو وحده الذى سيلقي ببقية النفايات فى مزابله. 

 

ابن المقـفع

15 أبريل 2008