الصفحة الرئيسـية  

متفـرقـات

 

 

 

اعتراف مبكر واكتشاف متأخر

 

أثارت الفضائح التي نشرها موقع الكتروني اسمه فضيحة، تسريبات ...، ضجة كبيرة على مختلف الأصعدة والمستويات، وهي تستحق ذلك، ومهما كانت دوافع الموقع وأهداف أصحابه تبقى الوثائق التي سربها إعلاميا قضية مهمة وذات دلالات يمكن الاستفادة منها أخلاقيا وقانونيا في محاكمة ومحاسبة مرتكبي فظائعها التي لا يمكن أن تنتهي أو تمحى بالتقادم. وقد يكون للموقع فضيلة كبيرة هنا في الإسراع في كشفها رسميا، وتعرية الكذب والدجل والتضليل والنفاق، لاسيما من حكومات الدول الكبرى، التي يسميها كثير من الحكومات العربية بالشرعية الدولية ولا يتحركون إلا وفق إشاراتها أو ريموت كونترولها العابر للقارات.

 

كشفت الوثائق العديدة المنشورة فضائح كبيرة، اغلبها لم يكن جديدا أو مخفيا، فقد كتب عنه ونشر موثقا بالصور والأسماء في حينه، بجهود فردية في اغلب الأحيان،  ومر اعتياديا أو كأنه كذلك، لاسيما وقد مورست ضده إجراءات مختلفة لتغطيته وإخفائه بأساليب متعددة. فالجرائم التي ارتكبتها قوات الاحتلال في أفغانستان والعراق، في سجون باغرام وأبي غريب خصوصا قد فُضحت وعُرفت عالميا، وتمت تحقيقات رسمية بشأنها، وأعترف قادة عسكريون وسياسيون من دول الاحتلال الأمريكية والأوروبية علنا بارتكابها وممارساتها وانتهاكها لحقوق الإنسان والقانون الدولي ولكل الاتفاقيات الدولية في مثل حالاتها. وتسابقت عمليات ومحاولات آلة الإعلام والضغوط الغربية المنظمة والموجهة لإخفائها وإبعادها من الواجهات المحلية والدولية تهيبا من خطورتها وتذرعا بحماية قواتها وأهدافها العدوانية. ولكن الجديد الذي يتوجب الإقرار به فيما يسربه الموقع أنها وثائق أمريكية رسمية، وأنها اعتراف مبكر من نشر الوثائق بمرور مدة زمنية عليها، وإقرار معلن بما حصل وحدث في زمن الاحتلال والعدوان، ولكنه من جهة أخرى اكتشاف متأخر، نوعا ما عما جرى وتحقق وخلف من تداعيات ووقائع اكبر من أثره المباشر قبل التسريب والاهتمام العالمي بكل ما سرب لحد الآن وما يتطلب العمل عليه استفادة من محتوياته وشهاداته ومصادر وأسماء المسؤولين عنه.

 

حتى القصص الأخرى التي سربت وتتعلق بفصول من المشهد السياسي العربي أو بآل الحكم العربي مثلا فهي أشبه بالمعروفة سلفا والمحجوبة علنا، وزيارات أي مسؤول غربي لأية عاصمة عربية مثلا يحمل معه الكثير من القضايا والمواضيع والإشارات التي تلخص أو تختصر إعلاميا في الفضائح العربية الرسمية والتي تتسرب بأشكال مختلفة وعبر وسائل متعددة إلى الرأي العام العالمي، حتى في أمور دقيقة وخصوصية داخلية في الدوائر الضيقة لآل الحكم أو المال العربي أو لتعاونهم وارتباطهم أكثر حتى من المكشوف مع مخططات الاحتلال والعدوان. وكل ما قامت به الوثائق الآن أنها أكدت على ما سبق ووثقته بالاسم والقول والمشهد. فهل هناك حاجة لمعرفة موقف حاكم عربي بما حصل في العراق مثلا؟. أو بطرق وأساليب وصول قوات الاحتلال إليه؟ أو بالحجج والتبريرات أو التعليقات وغيرها بشؤون حكمه وخرائط سياسته؟. هذه بعض تساؤلات لا تغير من الصورة العامة، ولكنها تثير أسئلة أخرى تستفسر عن تسابق المعنيين بالاسم فيها على تكذيبها والتهجم عليها والتبرؤ منها، وكأنها خارجة عن "أسرارهم ومكنونات أبراجهم" التي لا تختلف في الواقع عن قصة ثياب الإمبراطور المعروفة. ولعل الردود عليها، لاسيما الغاضبة، تضيف إليها ما لم تتضمنه سطورها، وتضع أمام الرأي العام وقائع أخرى تحتاج هي الأخرى إلى تحقيقات واعترافات واضحة ومحاسبات بقدر فعلها وأهدافها وخطورة مخططاتها.

 

هذه الكميات والأعداد من الوثائق المسربة، السرية والرسمية الخاصة بجهاتها ومصادرها، ومهما كانت أساليب الكشف عنها أو توقيتات نشرها، كشفت أمورا كثيرة، من بينها: إن السياسة الأمريكية العدوانية ومشاريعها في الهيمنة الإمبراطورية هي فوق كل الاعتبارات والعلاقات الدولية. ومنها أيضا كشف أساليب تعامل الإدارة الأمريكية مع من يعتبر نفسه حليفا أو صديقا لها، ومستويات خدمته لها واستخدامه لمشاريعها. ومنها إن المتعاونين مع سياسات الإدارة الأمريكية تنتهي صلاحياتهم بانتهاء عقد التعاون والاستخدام، وهذه في الواقع ليست سياسة جديدة فمن قرأ مذكرات الدبلوماسيين الغربيين في عهود الاستعمار عن أبناء البلدان المستعمرة وسياسيها يتكرر أمامه المشهد ولا يستغرب من مضمون التسريبات. وهي حالة غربية عموما في وصف الغير، لها أسسها ودوافعها وظروفها أيضا.

 

نجح أصحاب الموقع ومؤسسه في الإعلان عن خططه في تفعيل تسميته، والاتفاق مع مؤسسات إعلامية مشهورة عالميا وبلغات متعددة، انجليزية وفرنسية وألمانية واسبانية وعربية لمرة واحدة، ومازالت تلك المؤسسات تواصل التسريب معه، ما عدا المؤسسة العربية لإخلالها بشروط المهنية والموضوعية التي تدعيها هي والمشروع نفسه. وقد شوهت وأضافت للشكوك والتخوفات من عمليات الموقع وأصحابه الكثير سلبا، مثلما أساءت لنفسها ولما تزعمه عن توجهاتها. ولكن وسائل الإعلام العالمية الأخرى لم تتفرج على السبق الإعلامي والمتابعة وتواصل قرائها أو مشاهديها ومستمعيها لآخر التسريبات وتداعياتها وآثارها وغيرها من التفاصيل الإعلامية. فلم تخل وسيلة إعلامية في أركان العالم كلها اليوم من أخبار التسريبات والتعليق والتحليل والبحث فيها. بل أصبحت أخبار مؤسس الموقع في صدارة الأخبار أيضا بعد مضامين الفضائح في شتى أنحاء المعمورة.

 

الخلاصة فيما سرب وما يوعد به الموقع من تسريبات تتعلق في الأوضاع العربية والإسلامية، تتطلب قدرا عاليا من المسؤولية في المتابعة وتشكيل اللجان القانونية والسياسية المهتمة فعلا بحقوق الإنسان وكرامته، لوضع هذه الوثائق شهادات إثبات رسمية واتهام موثق ومحاكمة المسؤولين عن الانتهاكات والارتكابات الجسيمة التي حصلت وإقرار العدالة الإنسانية وإنصاف الضحايا الكثر جراءها. إنها كابوس كبير يقض مضاجع المشتركين في الجرائم الكبرى التي مرت سريعا سابقا وجاء الأوان لها الآن. لا وقت للصمت أو الإنكار أو التبرير. الوثائق رسمية والأدلة كافية وما يبقى سوى اختبار النوايا وشجاعة الضحايا وأهاليهم وبلدانهم في امتحان المعايير والقانون والعدالة والضمير الإنساني.

 

كاظم الموسوي

10 ديسمبر 2010