الصفحة الرئيسـية  

متفـرقـات

 

 


 

( عمر المختار ... نشأته وجهاده )

قراءة مختصرة في كتاب

بقلم .. الكاتب عبدالمولى المنفى

 

           اليوم السادس عشر من شهر سبتمبر وتحديدا عند الساعة الحادية عشر من هذا الصباح قد مضى خمسة وسبعون عاما على رحيل روح شيخ الشهداء عمر المختار الدنيا لتحط رحالها عند الرفيق الأعلى بجوار الشهداء والصديقين ..

   

          ولأن عمر المختار رمزا للبطولة والفداء التي سطرها التاريخ لملحمة حددت معالم وهوية الشعب العربي الليبي وإعادة قراءته حيث أكد عشرات الآلاف من الشهداء أن هذا الشعب حيٌ بمبادئه وقيمه ومعالم شخصيته بل أكدت إرتباطه الوثيق بأرضه وتماسك أفراده بعضهم بعضا وتماسكهم مع أشقائهم في الوطن العربي وأفريقيا والأمة الإسلامية ، فرمزية البطل كشفت عن هوية الشعب الذي وقف مع أشقائه في تشاد وأبان الغزو الفرنسي لهم التي شارك فيها عمر المختار ورفاقه وكذلك كشفت عن الدور الإسلامى عندما تمرد فتية من الضباط الأتراك على الإتفاقية التركية الإيطالية وراحوا يدربون الضباط والجنود الليبيين الذين خاضوا أشرس المعارك ، وكذلك أكدت الأمتداد العربي من المحيط إلى الخليج والذي تعكسه الإمدادات المستمرة والمنقطعة النظير التي قدمها الأشقاء العرب والذي سجل التاريخ صور منها في ضوء ما قدمه الشعب العربي المصري الشقيق من سلاح ومؤن وكان أكثر وضوحا إلا أن هذا لا ينفى الدعم العربي في كافة ربوع الأمة العربية بمختلف الأشكال ومع تفاوت الإمكانات رغم الوضع الإقتصادى والسياسي والإستعمارى المنحدر الذي كان يعانيه الوطن العربي ..

   

          هكذا كان الرمز ،  ولازال الشعب واقفا لم ولن يخضع إلا لرب السموات والأرض ، والأبطال الذين أفرزهم كثيرون على مدى العصور والعهود ، إلا أنه عندما قدم رمزا للجهاد كان نموذجا يحتذى به واسطورة قلما وجد في طيات الزمن مثيلها ..

   

 وبالمناسبة وجب علينا أن نشير للجهد المتواصل والاهتمام الفائق لمركز دراسة جهاد الليبيين الذي أصدر كتابا قيما على عجالة في الذكرى الخمسون لاستشهاد الشيخ الرمز عمر المختار والذي إحتوى أعمال الندوة العلمية التي عقدت في الخامس عشر من سبتمبر سنة 1981 م وصدر في العام 1983 ويحمل عنوان ( عمر المختار نشأته وجهاده ) من 1862 - 1931 م ، ويعد الأصدر الأول في سلسلة الدراسات التاريخية واشرف على هذا الإصدار وقام بإعداد مقدمته الدكتور ( عقيل البربار ) الذي كان حينئذ عضو هيثة التدريس بقسم الدراسات التاريخية والاثرية بكلية الآداب جامعة قار يونس وشارك في الندوة بدراسة حول الأسس الاقتصادية والاجتماعية لحركة جهاد عمر المختار ..

 

وإن كانت البحوث التي إشتملها الكتاب لم ترتقي إلى الأكاديمية العلمية بصورة نموذجية حيث تنم الأبحاث عن عجالة في إعداد  دراساتهم مما أدى إلى عدم توخى الدقة في العديد من النقاط وكذلك تجاهل البحث العلمي في بعض النقاط لعلها لعدة اعتبارات سياسية واجتماعية أو لعل عامل الزمن والتجربة الأولى في خوض هذا المضمار ونضوب المصادر العلمية والاعتماد إلى حد كبير على مصادر شفوية أو مصادر إيطالية غير محققة تحقيقا أكاديمياً قد أدى إلى  ذلك ، فيرى البعض أن المشاركين في الندوة أو لنقل في الكتاب قد اعتمدوا في دراساتهم على ثلاث نقاط أساسية وهى ..

 

أولا : اعتماد المساهمين في الكتاب على الكثير من الوثائق والدوريات الشفوية التي جمعت أو سجلت من قبل مركز دراسة جهاد الليبيين ضد الغزو الايطالى وجامعة قار يونس أو من قبل  كتاب البحوث أنفسهم ، وبذلك أضافت هذه المصادر الأولية جديدا للموضوع من المعلومات.

 

ثانيا: إتبع المساهمين أسلوبا إلى حد ما علميا في سرد وتحليل المادة العلمية التي بين أيديهم ولم يكتفون بأسلوب سرد الأحداث .

 

ثالثا:  يرى البعض إن الكتاب جاء حصيلة جهد  وتعاون مشترك من قبل كل المشتركين فيه ، فقد درس كل منهم عمر المختار من زاوية معينة بحيث مثــّل نتاج جهدهم عملا جماعيا..

   

 وهذه النقاط الثلاثة التي يعتبرها أصحابها  إشادة بهذه الدراسة لا ننكرها بل نؤكد على أهمية الدراسة التي إشتملت على سبع محاور رئيسية قدمها نخبة من خبراء الدراسات التاريخية والباحثين المهتمين بدراسة تاريخ جهاد الليبيين ، إلا أنها- أي النقاط الثلاث - أكدت  ما سبق إلا شارة إليه من رأينا في الدراسة بصورة عامة ، وقد احتوى على الموضوعات التالية ..

   

   عمر المختار ، نشأته وبيئته الأولى حتى تسلم قيادة الجهاد في برقة سنة 1923م للدكتور ( حبيب وداعة الحسناوى ) مدير مركز جهاد الليبيين ، ولعل الدكتور حبيب لم يشاهد قط بيئة عمر المختار ولم يقف على الناحية الاجتماعية من خلال أسرته ونجله على الأقل ليعرف أسم شيخ الشهداء الذي أورده ، قد جانبه الصواب إلى حد ما في ذلك مما اثر في الجانب والإجتماعى على هوية عمر المختار ، فالاسم الصحيح لعمر المختار هو عمر بن المختار بن عمر بن فرحات من عشيرة فرحات عائلة إبريدان إحدى بطون قبيلة المنفة ـ وهو تحريف في اللهجة المحلية والأصل آل مناف ـ وليس كما أوردها الدكتور الحسناوى ، ولعل ذلك أمر بسيط لا يؤثر في رؤية الباحث التي تركزت حول جهاد عمر المختار إلا أن اختيار المحور يتطلب الدقة فلم يشير لأخيه محمد وأبنائه عبدالقادر وأحمد وسالم محمد المختار الذين رافقوا عمهم وأولهم قد أستشهد فيما يعرف بمعركة العشرة أو معركة الكراهب والثاني قد تزوج من زوجة عمه بعد استشهاده كي يربى ابنة عمر المختار التي كانت طفلة لا يتجاوز عمرها بضع سنوات أقل من عدد أصابع اليد الواحدة ، وعلى أية حال فهذه المسائل كانت تستحق دراسة تاريخية اجتماعية ولكن وردت للتوضيح ، ولا نهضم جهود الدكتور الحسناوى العلمية وإن كنا حتى اليوم لازلنا في حاجة للتحقيق وجمع المعلومات الميدانية الشفوية والوثائق التي قد توجد في خزائن بعض القبائل .

   

 أما المحاور الست الأخرى  التي إشتملها الكتاب فهى تؤكد الاعتماد على النقاط الثلاث أنفة الذكر إضافة لحالة الصراع مع الزمن وموضوع العمل المشترك الذي لم يعهده المشاركون في الدراسة من قبل وهى ..

                   البطل في التاريخ أعدها الدكتور / محمد الطاهر الجرارى ..

       مواقف خالدة / لعمر المختار / دراسة للدكتور / إدريس صالح الحرير..

   الأسس الإقتصادى والاجتماعية لحركة جهاد عمر المختار 23-1931 الدكتور / عقيل محمد البربار ..       

       النظم الحربية ( الأدوار ) لدى عمر المختار دراسة للدكتور / المبروك على الساعدى ..

   المعتقلات والأضرار الناجمة عن الغزو الإيطالي لليبيا للدكتور / يوسف سالم البرغثى  مدير فرع مركز جهاد الليبيين ببنغازي ..

       الشهيد عمر المختار في الشعر الشعبي للأستاذ / مصطفى سعد الهاين ..

  كما لا يفوتنا أن نشير إلى أن الكتاب قد ضم في نهاية موضوعاته ثلاث ملاحق هامة تعد ذات قيمة عالية لعل إن سمح لي السادة الأفاضل المشاركين في الدراسة أن أقول بأنها وضعت لشعورهم بالنقص الحاد في الدراسة التي أؤكد وبيقين راسخ من أنهم لديهم القدرة والكفاءة العلمية على أعادة صياغتها بقيمة علمية راقية بعد أن يتم التحقق من المصادر الإيطالية وكذلك الإنتهاء من الروايات الشفوية وغربلتها حيث إختلط فيها الكذب بالحقائق وهذا ما جعل مجهودهم مضاعف لإظهار المعلومة العلمية بالحد الأدنى الذي بلغنا وهذه الملاحق الثلاث تتمثل في ..

 

          الملحق الأول .. مختارات مما قيل في عمر المختار من أشعار الرثاء مع نماذج من شعر الجهاد أشتملت على تسع موضوعات معظمها قصائد رثاء لعمر المختار عدا الأخيرتين :

فلقد جاءت في مقدمة القصائد مرثية أمير الشعراء / أحمد شوقي .. التي يقول في مطلعها ..

ركزوا رفاتك في الرمال لواءَ .. يستنهض الوادي صباح مساءَ

 

     والثانية مرثية شاعر القطرين خليل مطران الذي يقول في مطلعها ..

أبيت ، والسيف يعلو الرأس ، تسليما .. وجدت بالروح جود الحر إن ضيما

 

     وأما القصيدة الثالثة من قصيدة لشاعر الشباب التونسي السيد محمود أبى رقيبة يرثى بها السيد عمر المختار فيقول في مطلعها ..

  مضى عمر المختار لله رافلا .. بثوب نقى حيك من خالص الطهر

 

     وقصيدة شاعر النيل حافظ إبراهيم التي يصور فيها بشاعة الطليان ضد الليبيين ، كان يرتبها في ملحق الكتاب الرابعة والتي يفتتحها بقوله ..

طَمعٌ ألقى عن الغرب اللثاما  .. فاستفق يا شرق وأحذر أن تناما

 

     وأما القصيدة الخامسة فكانت للشاعر معروف الرصافى يصور فيها كذلك بشاعة الطليان وبطولة الليبيين ويقول مطلعها ..

هو النصر معقود برايتنا الحمرا .. على أنه في الحرب آيتنا الكبرى

 

     أما الأستاذ الشاعر الطرابلسى الشيخ أحمد الشارف فأخذت قصيدته الترتيب السادس بين قصائد الملحق وقد أجاد فيها بما صوره من شعور قومه نحو وطنهم و إستبسالهم في الدفاع عنه حيث يقول في مطلعها ..

رضينا بحتف النفس رضينا .. ولم ترض أن تعرف الضيم فينا

 

     وسابع قصائد الملحق كانت قصيدة الشاعر المبدع محمد عماد التي يقول في مطلعها ..

طر بالخيال إذا عصتك الأضلع .. واشخص إلى حيث الأسنة تشرع

   

 وإذا كانت هذه القصائد السبع لفحول الشعراء المعاصرين لجهاد عمر المختار إلا أن اللفتة الثامنة من الملحق الأول لكتاب عمر المختار ونشأته وجهاده فهى تعد بمثابة وثيقة قد تعين البعض على دراسة شخصية عمر المختار وتكوينه النفسي و الإجتماعي ، حيث يستفاد منها أنه أبن مجتمعه الذي تأثر بالموروث الثقافي للبيئة البدوية الصحراوية التي لا يخلو أحدا أن ينهل منه وخاصة تمسك البيئة البدوية بالشعر الشعبي أو العامي ، فوردت من أبيات لشاعر بدوى ما كان يردده عمر المختار ويتسلى به من الشعر الشعبي حيث يقول ..

 

الدنيا أمفيت الله من واليها .. وين الصحابا قبلنا أو نبيها

وين بونا يادم .. أوين الشيوخ اللى كبار مقامها

ياعين كفى راه يومك قادم .. صيور لبنادم حفرة ماليها

 

 ومن أغنية بدوية كان يتغنى بها عمر المختار وهو يسير في كوكبة من الفرسان .. 

أجواد راكبين الخيل .. على وطنا مانماينو

     ومعنى البيت الأخير .. أننا أبطال نمتطى صهوات الجياد ومهمتنا عدم التهاون في حقوق وطننا ..

     وهذه البيات وغيرها الكثير التي كان الشيخ عمر المختار يرددها تستحق كما أشرنا الدراسة والتحليل لمعرفة عمر المختار بصورة أوضح ولرسم معالم عبقريته التي تجلت في الخطط العسكرية فقط ..

   

 أما أخر موضوعات الملحق الأول من الكتاب .. فهى كفاح الليبيين في بلاد الشام والذي جسده موضوع مقالة بمناسبة الذكرى السادسة لاستشهاد عمر المختار تخللتها آبيات من الشعر تصور بطولة وفداء الشعب الليبي والمقاومة الوطنية في برقة وتفان شيخ الشهداء في حب الوطن والعروبة ، إلا أن هذا الموضوع لم يتم التحقيق منه فقد ورد الإسم الأول لصاحبه بهذه الصورة

" راشد ... ؟ " ..

 

     أما الملحق الثاني فقد إحتوى على خمسة عشر وثيقة أغلبها إيصالات دفع الضرائب الإسلامية ( الأعشار) التي كان يجبيها المجاهدين من المواطنين و صورت كما هى ، ولم تفسر أو تكتب بأحرف الكتاب لتيسير دراستها إلا إحداها التي تحصل عليها مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية شعبة الوثائق والمحفوظات من الأستاذ إبراهيم سالم بن عامر المعاصر لأسرْ ومحاكمة عمر المختار والمترجم لكتاب " برقة المهدأة " للجنرال غريتستانى ، ولعل المصدر قدمها مطبوعة على آلة كاتبة أو شفوية والوثيقة قد أحضرها للمركز د. يوسف البرغثى ، وهى عبارة عن رسالة من عمر المختار ردا على رسالة عبود بك أبى راشد ، والذي يفهم من الرسالة أنه  كان مترجما لدى السلطات الإيطالية ولعله بعث برسالة لعمر المختار يحثه فيها على ترك الجهاد مما أدى بابن المختار أن يرد بهذه الرسالة معنفا إياه بأخلاق إسلامية وطنية عربية لم تحيد عن علو الخلق ، أما مصداقية الوثيقة فقد يشوبها بعض الإحتراس حيث لا أصل لها ، والمعهود عن كافة معاملات عمر المختار تمهر من قبل كتبة لديه رغم معرفته القراءة والكتابة ويصدق عليها بخاتمه ..

   

 أما الملحق الثالث فيحتوى على عشرة صور ستة منها لشيخ الشهداء وواحدة لجنود أرتيريين أثناء ترحيل الأهالي إلى المعتقلات وثلاثة للأسلاك الشائكة المكهربة والتي أنشأها غراتسيانى بين مصر وليبيا لقطع الإمدادات على المجاهدين من البحر شمالاً وحتى وراء واحة الجغبوب جنوبا ، وأخر صورة بل صفحة في الكتاب فتشمل على خريطة توضيحية لمعركة " وأدى بوطاقة " الأخيرة التي أسر فيها عمر المختار فجر الحادي عشر من سبتمبر سنة 1931 ..

     وقد تناولت قراءتنا هذه الطبعة الثانية من الكتاب منقحة ، ورغم ما اشرنا آنفا إلا أنه إحتوى على صفحة ناصعة لتاريخ جهاد الليبيين فرضت على المشاركين مجهود جبار في زمن قياسي نكن لهم من أجل ذلك كل التبجيل والإحترام والتقدير أملين أن نعمل جميعا لتوثيق تاريخنا الحديث والمعاصر بصورة دقيقة وواضحة والله الموفق ..

عبد المولى المنفى

19 سبتمبر 2006