الصفحة الرئيسـية  

متفـرقـات

 

 


حـان الـوقـت
 

مضت سنوات العمر وهو يحمل فى نفسه الاماً لم تخفف الأيام وطأتها، كما لم تنسيه خضاب الشيب التى تتخلل شعر رأسه غصة الغربة فوق ثرى وطنه وبين اهله، لكن ما يعتصر قلبه من الم وحرقة لم يفقدانه الأمل فى المستقبل. تميز بين اقرانه بالأدب الجم ... والخلق الرفيع ... وسعة الأفق ... وغزارة الثقافه ... وهدوء الصوت ... وحب الخير. تدثر بحب الأطلاع والمعرفة ومزكياً نفسه بالجهد الصادق والأجتهاد الكبير. كنت تراه يمشى سويعات المساء فى شوارع وازقة بنغازى مدينته التى احبها ممسكاً بيمناه كتاب او واضعاً تحت ابطه الأيسر مجلة او صحيفة يومية. لم يكن متكلفاً فى لبسه او مظهره، كان يتميز دائماً بقميصه المُقَلَم "والشبشب بواصبع" محياً هذا الصديق ومبتسماً لذاك. كان نموذجاً للشاب العصامى الطموح الذى ينظر الى المستقبل بعين الأمل والتفاؤل، وهى القيم السامية التى كانت سائدة ومتأصلة بين ابناء جيله.

رجع صاحبنا الى بيته ذات ليلة بعد صلاة العشاء، واستقبلته والدته كعادتها بالحب والترحاب، جلس على الأرض بعد ان قام بغسل يديه وسارعت الأم لأحضار وجبة العشاء. وعندما هَمَ بألتقاط اللقيمات الأولى وإذ بأمه تقول: ان صديقك فلان قد حضر اثناء غيابك وترك لك خبراً بأن هناك امسية شعرية سوف تعقد مساء الغد على مسرح مدرسة "شهداء يناير" وانه الح على ضرورة حضورك. وفى مساء اليوم التالى ذهب صديقنا لحضور تلك الأمسية الشعرية. لقد قضى وقتاً ممتعاَ بسماع قصائد رائعة قدمها فحول الشعراء من الذين لهم باع فى إقراض الشعر، ثم قفل راجعاً الى بيته بعد ان ودع اصدقائه ومحبيه متمنياً لهم ليلةً مباركةً هنيئة، وشاكراً لصديقه دعوته الكريمة املاً ان يراه فى مساء الغد.

فى صبيحة اليوم التالى ذهب صاحبنا كعادته مبكراً لعمله فى إدارة جامعة بنغازى والتى سميت فيما بعد "بجامعة قار يونس". اقتربت عقارب الساعة من وقت الضحى، وبينما هو جالس فى مكتبه ومنهمك فى اداء عمله ويقلبً الأوراق المبعثرة امامه، إذ بثلاثة من عتاة المجرمين يدخلون عليه مكتبه بلا إستئذان وامروه بمرافقتهم الى الخارج. لقد رأى على وجوههم الشر والبغضاء فحاك فى صدره شئى من الشك ... والريبة ... والقلق. طلب منهم التريث والأنتظار قليلاً حتى يتسنى له إستئذان رئيسه فى العمل "الأمين الأدارى" للجامعة. ذهب الرجل وطرق الباب على رئيسه واخبره ماذا طلب الثلاثة منه بعد ان عرفه بهويتهم. اذن له رئيسه المباشر بالخروج معهم مطمئناً اياه بأنه لن يتعرض لمكروه. بعد ساعات دخل صديقنا الى مكتب رئيسه ممزق الثياب ... متورم الوجه ... تلطخ الدماء رأسه وجسده واطرافه ... وجروحه الغائرة تنزف بغزارة، والرضوض تؤلمه بشدة. تسأل رئيسه فى العمل ماذا حدث؟! من فعل بك هذا؟! قال الضحية: فعلها الذين اذنت لى بالذهاب معهم. لقد ارغد هذا المسئول وازبد ... وهدد وتوعد ... وانذر وحذر ... واستأسد وتشدد ... لكنها الفقاقيع "الدى الفاضى وكلام النجوع" الذى لا طائل منه.

قال الشاب والألام تشتد به وبصوت خافت لا يكاد يُسْمَع: انه ركب سيارة مع المجرمين الثلاثة واتجهوا به غرباَ صوب منطقة تيكة، ثم عرج السائق بالسيارة يميناً الى طريق ترابى فى إتجاه البحر وفى منطقة خالية اخرجوه من السيارة، وطرحوه ارضاً ثم انهالوا عليه ركلاً بأحذيتهم القذرة التى إنتعلتها اقدامهم النجسة، وقاموا بضربه بألأسلاك المعدنية حتى اغمى عليه، وتركوه طريحاً بلا حول ولا قوة وغادروا مسرح الجريمة. وبعد حين من الوقت افاق صاحبنا من الغيبوبة واستجمع قواه، وسار ببطء رغم الألام التى كان يشعر بها صوب الطريق الرئيسى، واستوقف إحدى السيارات المارة التى نقلته الى المدينة الجامعية ودخل الى "امانتها"  فى تلك الحالة التى يرثى لها. بعدما سمع الأمين الأدارى للجامعة ما سمع نصح مرؤوسه بتقديم بلاغ لشرطة القوارشة عن حادثة الأعتداء، ثم التوجه بعد ذلك الى المستشفى لتلقى العلاج اللأزم ولتضميد جراحه. فُتِحَ المحضر لدى الشرطة التى لم تتحرك ساكناً، وواصل الجناة جرائمهم فى حق الأنسان والوطن بدون رقيب او حسيب، وذهب الرغد والزبد ... والتهديد والوعيد ... والأنذار والتحذير ادراج الرياح. حتماً سوف تتدول الأيام بين الناس "إن رَبَكَ لبالْمِرْصَاد".

  ما دفعنى للكتابة هو خبر شدنى يفيد بأن الكاتب الليبي سالم الكبتي قد إعتذر عن قبول "جائزة التميز والإبداع" الصادرة عن "لجنة الفاتح للجوائز". وكلمسة وفاء منى لهذا الأديب المبدع، ولمواقفه الوطنية المشرفة، ولقطرات دمه التى روت حبات تراب وطننا اقول: حان الوقت لرفع الستار وإماطة اللثام عن جريمة ارتكبت فى حق الوطن وفى حق إنسانه، والكشف عن ان سالم الكبتى الذى تتلمذ فى مدرسة "الحقيقة" مع زميله الأستاد عبدالرازق بوخيط على يد الأساتذة يوسف الدلنسى، ومحمد وريث، ورشاد الهونى، والصادق النيهوم، ومحمد على الشويهدى، وابوبكر الهونى كان هو الضحية الذى مارس عليها الجناة ساديتهم الحاقدة ضرباً وركلاً، وان ابراهيم بكار الذى عمل "وزير عدل" هذا النظام فيما بعد كان هو امين عام جامعة بنغازى الذى هدد وتوعد. اما عن المجرمين او "الأغبياء الثلاثة" فهم المقبور محمد المجدوب، والملقب زوراً "الدكتور" يونس معافه او معافى، واما الثالث فهو احد اسمين اتحفظ عن ذكرهما لآن الذاكرة وبعد مضى ما يزيد على ثلاثة عقود من الزمان لا تسعفنى بالأسم الأدق، وحتى لا ازيف التاريخ ... او اقذف احداً بجهالة اترك تلك المهمة لمستقبل الأيام ولمن له معرفة ودراية بملابسات هذه الجريمة القذرة.
 

أبـوأحمـد

29 ديسمبر 2010