الصفحة الرئيسـية  

رســائـل

 

     
 

الملـيون الأول ...

 

الآن في ليبيا أو هو منذ سنوات ، تقريبا بعد فتح باب التجارة ، صار من المهم جداً أن تكسب المليون الأول كي لا تحتاج إلى حمل قضايا غيرك كالعوز لدى الفقراء أو الشعور بالألم عند المرضى أو الغربة الشديدة لملايين المبعدين عن أوطانهم كالشعب الفلسطيني مثلاً ، وأن تهتم بضرورة البنية التحتية ، وسبب العزوف عن حضور المؤتمرات الشعبية الأساسية وشد الرحال إلى طرابلس للحصول على شقة في الدور العاشر ، كما لا يهمك ارتفاع سعر المتر الواحد من الأرض إلى عشرة آلاف دينار في حي الدولار أو على جاني ملهاد قرقارش على سبيل المثال  ،,وأن لا تهتم  بالجواب عن سؤال أن أحدهم خصصت له قطعة أرض في ( سُرة المدينة ) بدون أن  يدفع ديناراً  واحداً  فقط  فقط لأنه حاجة كبيرة هلبة ، ومزال .

 

أعني أن تحوز مليون دينار من دقن الحكومة والأمر في غاية الياغمة،  يبعدك عن شبح الخوف من الفقر منفلتاً  من الخط الأدنى له  ،  تسكن دارة فاخرة تطوف فيها عليك خادمات من البلاد البعيدة  ،  مستطعماً  مذاق كلمة يا سيدي إذ تؤكد وجود العبيد حولك وأنك الآمر الناهي لهم ،  وتركب دابة غربية الصنع عالية خلف مقودها سائقك الذي تشهد زوجتك بمهارته  تطوي  شوارع المدينة خاصة بعد توسعتها وصحراء الحدود  ، وترسل أطفالك من زوجتك الثانية إلى الدراسة في الخارج لأن أولادك من الأولى قد تعلموا في مدارس الحكومة وشهاداتهم ليس ذات المستوى المطلوب  ،  وأن تختلي  بصاحبتك راقدة الريح ، في استراحتك عند أطراف المدينة ليلية الخميس الحمراء لتصلي  الجمعة في الجامع الكبير وكل مظاهر الثراء والعفة والزهد واضحة عليك وكأنك بوقار أحد الصالحين .

 

أن تفعل كل ذلك وأن  يكون لك مكانةً  اجتماعية تتفرشخ بها ، تسمح لك بأن تمارس الوساطة لدى الآخرين ويتودد لك من له حاجة بين  يديك ، خاصة  يوم عاشوراء  حيث  يصير بيتك محجاً  للفقراء ، من الموظفين وعمال المصانع اللي سكرتها القطاطيس ، توزع عليهم فتاتك ، وأن تكون قادراً  وأنت تربي  المليون الثاني على دفع قيمة الرشاوى لمن  يملكون التوقيعات  المعتمدة في القطاعات الرسمية  .

 

أن تكون مليونيرا ولو كنت ببذلة  يتيمة ، ونظارة طبية قديمة تمارس البذخ المتوحش ، تدعي النزاهة والثورية وفي  يدك ساعة بخمسين ألف  يورو وعطرك علامة مسجلة  ،  ولابد من أنك ستجد أحد الشيوخ من  يحلل لك إسرافك وإذا مرضت ، فذلك الشيخ المداوي  يأتيك قاطعاً برنامجه بإذاعته الخاصة التي  يسترزق بها مستغلاً  السذج متاجراً  بكلام الله . أو تأتي بشيخ يده طويلة من بلاد الزنج بلحية بيضاء يشفيك من مرض لم تتعرف على صاحبته التي مات زوجها في الحرب هناك فدعت عليك لأنك ساومتها على عرضها لحاجة ما.

 

بعد أن تكون مليونيراً  بعد المليون الأول ، لا فرق عندك بين الوطن والبطن ، وحتما ستتبدل حياتك وتكثر مشاغلك ويزيد عدد معارفك في  كل أنحاء  العالم الذي  ستسافر إليه على الدرجة الخاصة وسترتاد أفخم الفنادق وتلج أكبر الملاهي  وأوسع صالات الشراب والقمار وستحضر عروض الأزياء  النسائية ، وأغلب الشهيرات جمالاً  ستجدهن على فراشك  ( يمسّجن  جسدك التعب جداً وهو ليس حرام في  دين الأثرياء  ،  بل أن المال بعد أن جربت كل مذاقات الحياة سيجرك إلى أن تجرب مذاق  ( شهوة أخرى ) وليس غريباً أن يصل منطقك المادي إلى التفريق بين الشهوات التي  تغزوك أو تغزوها فالأمر ليس معقداً  إلى الحد الذي يراه غيرك ويتحدث عن الأخلاق العامة والخاصة  .

 

أشياء كثيرة ستتغير بعد حصولك على المليون الأول ، لأن مرتك تشيان وحوشك يضياق كذلك  أصحابك وأهلك وأترابك وحتى نبرة صوتك وحركة خطواتك وملمس جلدك لأنك ستصير  ثلث ملك وسدس إنسان .

 

فقط مليون دينار فالساحة على مصرعيها مفتوحة عمولة من صفقة أبصر كيف تكون ، كنتر حشيش من هاديك الجهة ، مشروع لوزير وأنت الواجهة ، شوية مستخلصات في المالية ـ هذا ما أعرفه والجماعة يعرفوا أكثر ـ وعدها ستجد المليون الأول يلد الملايين اللاحقة ، فقط عليك أن تبدأ وأن تدخل عامك الثلاثين لأنك ستعد من الشباب الجديد الذي يجب مساندته خاصة عندما تكون بطرحة تهبل ، بدلة وسيارة وهاتف مليح وشوية كلمات أنجليزية وصديقة جميلة  ومش مهم تكون من غادي والكل عارف .

 

كان تسكرت بكل ، بكل ، فليس من سبيل إلا  أن  تمسك ملفاً  يضج بالأوراق  من هني ومن غادي  وتتقدم به إلى أحد المصارف التجارية بحيلة ماكرة كأن تأتي بمصنع  مش عارف شنو أو التوجه إلى صندوق التحول إلى الإنتاج بأوراق من بينها جدوى اقتصادية لحاجة ما صارتش ، أو إلى المصرف الزراعي  لغسيل سبخة الملاحة أو أراضي تاورغا  أو ما بعد زلتن أو لتزرع الموز في غات وأشجار الكرز في زوارة أو غرس أشجار جوز الهند في سوق الجمعة أو وهذا في نهاية الأمر لاستصلاح أرض لا وجود لها ، لكن مصرف التنمية يظل  أسهل الطرق  .

 

ليس الأمر مستحيلا فقد بنيت مدارس وتم افتتاحها ونسب لها طاقمها التعليمي وبقت لسنوات بعدها تم اكتشافها على أنها لم تكن إلا على الورق فقط ولا شيء قد حدث وهكذا دواليك والقصص معروفة تظهر الفساد والأبهة.

 

أن تصير سيداً ... الأمر سهل .

 

كان حصلت وشدوك قول أني خديت حصتي من التروة بس ، ومتعدلش.

 

عزيزي القارئ أعذرني على المبالغة حتى أني عندي صغار

 

ليـبي متكـدر

17 أبريل 2010