الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

 

المشروع الإمبراطوري الأميركي: إلى أين؟*

 

زياد حافظ**

 

          تمرّ الولايات المتحدة بمرحلة صعبة للغاية. فمشروعها الإمبراطوري في تراجع و مصداقية الولايات المتحدة في الحضيض و استطلاعات الرأي العام في العالم تعتبر أن سياسات الولايات المتحدة أصبحت تشكل خطرا على السلام العالمي.  فهل كل ذلك حصل بسبب سياسات الإدارة الحالية ؟  و هناك من يستسهل الإجابة و يحمّل "حماقات" الرئيس بوش كافة المسؤولية.  في الحقيقة لم يأت  الرئيس بوش بجديد. فجوهر سياسته قديم ولكن صاغه و عبّر عنه بأسلوب فظّ لمسيرة طويلة بدأت منذ نشأة الولايات المتحدة.

        فالمشروع الإمبراطوري مرتبط ارتباطا عضويا بنشأة الولايات المتحدة و تاريخها و يمكنني تلخيص ذلك المشروع بالعقيدة المسيطرة على النخب الأميركية التي توالت على الحكم أو كانت في المعارضة.  تلك العقيدة هي نظرية "القدر المتجلّي" التي تبرّر و تفسّر كل سياسات الإدارات المتتالية حتى لما كانت الولايات المتحدة مجموعة من مستعمرات للتاج البريطاني.  و الجدير بالذكر هو حاجة القوى المستعمرة لشعار يبرّر الأعمال الوحشية التي يقوم بها بحق الشعوب المستعمرة. فبريطانيا أطلقت شعار "ثقل مسؤولية الرجل الأبيض" (white man’s burden) بينما فرنسا كان شعارها "المهمة التمدينية" (mission civilisatrice).  و لن أخوض في تفاصيل تلك العقيدة لضيق الوقت المتاح لي في هذه المداخلة إلاّ أن ما يهمني إبرازه هي أن عملية الاستيطان التي بدأت مع أقلية من المسيحيين التبشيريين و الملقّبين با"لمتطهرين" (Puritans) لجأت إلى القارة الجديدة في الربع الأول من القرن السابع عشر هاربة من الاضطهادات التي كانت تلاحقها في بريطانيا.  لجأت إلى القارة الجديدة باحثة عن أرض الميعاد الجديدة و عن أورشليم الجديدة أو لتأسيس ما كانوا يسمّوها "المدينة على الجبل".   و المتطهرون كانوا أصحاب قراءة ضيقة و متزمتة بل أصولية فعلا ل"العهد القديم و الجديد" و بالتالي كانوا يعتقدون أنهم ينفذون مشيئة الله عبر تأسيس صهيون الجديدة في بلاد كنعان الجديدة مما وجب عليهم -كما كانوا يعتقدون- "تطهير" تلك الأرض من سكانها.  فكانت بداية حملة الإبادات الجماعية للسكان الأصليين – أي الهنود الحمر.  للمزيد من التفاصيل حول تلك الحقبة أعيدكم إلى مؤلف الباحث منير العكش : "أميركا و الإبادة الجماعية" من منشورات رياض الريس. و استغرقت عملية الاستيطان للقارة الأميركية في الشمال أكثر من قرنين مع ما رافقها من مجازر و استعباد الأفارقة و جلبهم إلى القارة الجديدة للعمل على تطوير المزارع بينما كانت أفواج المستعمرين البيض القادمين من أوروبا تزحف غربا وصولا إلى المحيط الهادي. 

        عندما اكتملت عملية الاستيطان بدأت النخب الحاكمة في الدولة الناشئة تفكر بالتوسع غربا عبر المحيط الهادي (استعمار جزر الفليبين) و جنوبا في بحر الكاريبي (جزيرة كوبا) و ذلك في أواخر القرن التاسع عشر و مطلع القرن العشرين.  و للمزيد من التفاصيل أعيدكم إلى مؤلفات نعوم شومسكي الذي عدّد المجازر التي ارتكبتها الولايات المتحدة بحق الشعوب في الفليبين و كوبا أولا تحت شعار " التحرير" من الاستعمار الإسباني و لكن في آخر المطاف كانت المجازر و الإبادة بالمئات الألوف لتحقيق سيطرة الرجل الأبيض. أيضا لا يجب أن يغفل عن بالنا أن في الربع الأول من القرن التاسع عشر برزت "عقيدة مونرو"-نسبة إلى رئيس الولايات المتحدة جيمس مونرو- التي حذرت الدول المستعمرة المنافسة للولايات المتحدة – أي بريطانيا و فرنسا و إسبانيا و البرتغال- من التدخل في القارة الأميركية الجنوبية. فهي دعمت حركة الاستقلال في أميركا الجنوبية لتطرد النفوذ الإسباني من أميركا اللاتينية. ذلك حصل و لم تكن الولايات المتحدة قد أصبحت دولة مكتملة فارضة سيطرتها على القارة الشمالية ناهيك عن قوة بحرية عظمى!  أي أنها أوضحت باكرا في تاريخها الحديث أطماعها في النفوذ و السيطرة على كافة القارة الجديدة شمالا و وسطا و جنوبا.  طبعا هذه قراءة سريعة جدا للتاريخ الاستعماري الأميركي و اعترف أنها لا تخلو من شيء من التبسيط لكنني واثق من بلورة الفكرة الأساسية أن المشروع الإمبراطوري الأميركي قديم و مرسخ في صميم نشأة الولايات المتحدة.  من هذه القراءة نفهم أسس التعاطف مع الكيان الصهيوني فالكيان يشكل بالنسبة للأميركيين يهود اللحم بينما يشكلون هم يهود الروح. ولكن هذه قضية قائمة بحد ذاتها يمكن بحثها في إطار آخر.

        الحرب العالمية الأولى و الثانية كانتا السبب الرئيسي لزوال واضمحلال الإمبراطوريات المنافسة – أي الدولة العثمانية و الإمبراطورية النمساوية المجرية و البروسية- و من ثمة الإمبراطورية الفرنسية والبريطانية. أزمة السويس شكلت المسمار الأخير في نعش الإمبراطوريتين الفرنسية و البريطانية.  ساهمت الولايات المتحدة بشكل ممنهج في إخراج فرنسا من القارة الآسيوية و شمال إفريقيا و بريطانيا من الشرق الأوسط عبر "تفهمها" لحركات التحرر الناشئة آنذاك فاستطاعت ترويج مفهوم خاطئ ألا و هو مفهوم أن الولايات المتحدة معادية للاستعمار المباشر مما أتاح الفرصة لبعض النخب العربية من الالتحاق بسياسات الولايات المتحدة "الأقل ضررا" من سياسات بريطانيا أو فرنسا. أما فيما يتعلق بدعم الولايات المتحدة للكيان الصهيوني فهذا نتيجة نفوذ "اللوبي الصهيوني" و بالتالي تمت تبرئة النخب الحاكمة في أميركا من أي مسؤولية!

        بعد انهيار الاتحاد السوفيتي اعتبرت الولايات المتحدة أنه أصبحت الدولة الوحيدة صاحبة النفوذ الشامل.  و مشروعها الإمبراطوري أخذ شكلا أكثر فظاظة عن خطابها السابق عبر تحديد مفهومها الجديد لأمنها القومي متذرعة بأحداث الحادي عشر من أيلول 2001.  و هذه الصياغة الجديدة لمشروعها الإمبراطوري تفيد أنه لا بد من فرض سيطرتها المباشرة على كافة المعمورة و ترويض كل من يمكن أن ينافسها من الدول الكبيرة الحجم الناشئة كالصين و الهند و البرازيل و حتى روسيا الناهضة من تحت ركام الحرب الباردة.  فمشروع شرق الأوسط الكبير هو جزء من المشروع الإمبراطوري و يسعى إلى إعادة رسم خريطة المنطقة عبر خلق كيانات عرقية و مذهبية متناحرة مع بعضها بعض و مرتبطة بشكل مباشر و ثنائي مع الولايات المتحدة باتفاقات عسكرية و اقتصادية غير متوازنة.  و هي تعتقد أن غزو و احتلال العراق و فرض نظام طيعّ  للمشيئة الأميركية تشكّل الخطوة الأولى لتحقيق السيطرة على المنطقة و ثرواتها و تأمين الحماية للكيان الصهيوني.  لكن أين حقيقة الواقع و هل تستطيع الولايات المتحدة تحقيق مشروعها الإمبراطوري؟

        في رأيي بدأ نجم الولايات المتحدة في الأفول بعد الحرب العالمية الثانية.  فهي أولا لم تستطع منع لا الاتحاد السوفيتي من تملك السلاح النووي و لا الصين و لا حتى دول مثل الهند و باكستان و بالتالي اضطرت إلى التعايش مع ذلك الواقع وفقا لتوازن الرعب حتى سقط الاتحاد السوفيتي ليس بسبب سياسات الولايات المتحدة كما تزعم النخب هناك بل بسبب توسع الاتحاد السوفيتي بشكل لا يتناسب مع قدراته.  فعلى سبيل المثال ارتكب الاتحاد السوفيتي نفس الحماقات التي ارتكبتها الولايات المتحدة في الفيتنام في "المغامرة غير المحسوبة" في أفغانستان و التي أسرعت في انهياره. ناهيك عن سؤ الإدارة و الفساد المتفشي و الدور السلبي الذي قام به غورباتشيف.  و لكن هذا حديث آخر.  المهم هنا أن الولايات المتحدة لم تستطع أن تنتصر في المواجهات الكبرى التي خاضتها بعد الحرب العالمية الثانية.  فحربها على كوريا و التي كانت تحظى بموافقة الأمم المتحدة و مشاركة العديد من الدول لم تسفر عن أي نصر بل عن تعادل لا يخفي الإخفاق و ذلك بسبب القوة الرادعة التي كانت تشكله الصين و الاتحاد السوفيتي ناهيك عن مقاومة الكوريين أنفسهم.

        المجابهة الثانية الكبيرة التي أسفرت عن هزيمة نكراء للولايات المتحدة كانت حربها على الفيتنام و خروجها المذلّ من القارة الهند الصينية.  و ما زالت كوابيس تلك الحرب تلاحق النخب الأميركية حتى الآن.  اضطرت الولايات المتحدة لاستعادة هيبتها العسكرية عبر "احتلال" جزيرة غرانادا في البحر الكاريبي و من ثمة احتلال بانما.  أما حربها الأولى على العراق فقد ضخمت إعلاميا قدرات الجيش العراقي الذي خرج منهكا من حربه مع إيران لإبراز "نجاح باهر".   لكن تلك " النجاحات" العسكرية لم ترافقها "نجاحات" سياسية اللهم فقط في الدول العربية التي لم يستطع حكامها قراءة الوقائع بشكل جيد و التي كبلتهم ثقافة الهزيمة و أبعدتهم عن شعوبهم.  و لكن هذا حديث آخر.  ف"نجاح" أميركا في هذا المضمار تحقق بدون مقاومة من النظام العربي السائد.

        أما على الصعيد السياسي فلقد شهدت الولايات المتحدة تراجعا كبيرا في نفوذها في الحديقة الخلفية في أميرك اللاتينية حيث برزت قيادات منتخبة ديمقراطية ترفض الوصاية الأميركية.  أما محاولات الإدارة الأميركية في تغيير مسار الأمور و نقض نتائج الاقتراع الشعبي في فنزويلا عبر تشجيع انقلاب فباتت بالفشل الكبير.  و الجدير بالذكر أن فنزويلا أكبر مصدر لاستيراد النفط للولايات المتحدة. 

        و أخيرا أتت "المغامرة غير المحسوبة"  لغزو و احتلال العراق لتدّق المسمار ربما الأخير في نعش المشروع الإمبراطوري الأميركي في المنطقة و حتى في العالم.  فسوء التقدير و قلّة التخطيط بسبب الغطرسة و الغرور و العنجهية الأميركية كانت من ضمن الأسباب للانهيار الأميركي في المنطقة.  أما السبب الفعلي و الأساس هو بسالة المقاومة العراقية و قدرتها التكتيكية في التعامل مع خصم عملاق في مجابهة غير متوازنة و إلحاقه بهزائم متتالية و تعظم حجم و نوعية الاشتباكات و الخسائر التي تمنى بها قوات الاحتلال- كل ذلك كشف العورة السياسية و العسكرية للولايات المتحدة. أما في لبنان فصمود المقاومة أمام هجمات الاحتياط الإستراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة- أي الكيان الصهيوني- و ما ألحقت به من خسائر بشرية و مادية و عسكرية و الإرباك الناتج عنه و تداعياته الوجودية داخل الكيان شكل ضربة قاسمة للمشروع الأميركي في المنطقة.  كما لا بد من التأكيد على دور استمرار الانتفاضة و المقاومة في الأراضي المحتلة في فلسطين أتت لتفشل الدعم الأميركي اللامشروط للكيان الصهيوني دون أن تفرض سيطرة الكيان الصهيوني و كسر إرادة الشعب الفلسطيني.

        كان هذا عرض سريع لنشأة المشروع الإمبراطوري و لمعالمه.   أما أسباب التراجع فهي عديدة يمكن تلخيصها في عدم التوازن بين الطموحات و الأهداف المعلنة و غير المعلنة للنخب الحاكمة في أميركا و بين الإمكانيات الفعلية المتوفرة لديها. هذه الأسباب عديدة أتناول منها لضيق الوقت الوضع الاقتصادي الأميركي و تداعياته على الساحة السياسية الأميركية.  لقد أعدت منذ فترة بحثا في هذا الموضوع نشرته مجلة "المستقبل العربي" في عددها لشهر آب 2004.  فبشكل مختصر إن الولايات المتحدة تمرّ بأزمة نظامية و بنيوية تؤدي إلى عسكرة المجتمع الأميركي و إلى نقض نظام الحريات بحجة ضرورات الأمن.  و هناك ثقافة جديدة بدأت تظهر بشكل ملموس هي ثقافة الرعب و ما ينتج عنها  من ترسيخ عسكرة المجتمع.   أما الأزمة النظامية فهي ناتجة عن سياسات غيّرت قواعد  اللعبة الاقتصادية داخل الولايات المتحدة حيث زاد تمركز الثروة بأيدي أقلية مسيطرة على منظومة المؤسسات الاقتصادية المتمركزة في المجمع العسكري الصناعي و المسيطر على السياسة الخارجية.  هذه التغييرات كانت في تفكيك القيود المنظمة للنشاطات الاقتصادية و إطلاق يد الفعاليات الاقتصادية المتمكنة من السيطرة و تمركز الثروة بيد القلة.  كما أدّت تلك التغييرات إلى إطلاق الثورة المضادة و تحجيم المكتسبات الاجتماعية التي تحققت في الثلاثينات و الستينات من القرن الماضي مما ساهم في تفاقم الفجوة الاجتماعية بين الميسورين و الطبقات الوسطى و الفقيرة.  و الظاهرة الملفتة للنظر هو تقلص حجم و دور الطبقات الوسطى و إلحاقها بالطبقات الفقيرة مما يمهد إلى أزمة اجتماعية كبيرة.

   من نتائج تلك السيطرة الوقوع في مآزق بنيوية كالعجز في الموازنة و تراكم الدين إلى مستويات قياسية و ترسيخ ثقافة الاستدانة إلى أقصى الحدود عند الفرد و العائلات و الشركات و نبذ الادخار و دفعه إلى أدنى المستويات و ذلك لتشجيع الاستهلاك و ما يتبعها من فقدان الاستقلالية عند المواطن الأميركي العادي.  كما أن تلك السياسات أدت إلى إعادة توطين القدرات الإنتاجية من سلع و خدمات خارج الولايات المتحدة لانخفاض كلفتها في الدول النامية مما أدى إلى تزايد الاستيراد و بالتالي العجز في الميزان التجاري.  أضف إلى ذلك التبعية المتفاقمة للنفط المستورد مما يزيد انكشاف الولايات المتحدة تجاه الخارج.  بمعنى آخر أصبحت الولايات المتحدة عاجزة عن إنتاج حاجتها من جهة كما أصبحت تعيش وفق نمط يفوق قدراتها.    من جهة أخرى أبدت الإدارة الأميركية الحالية عجزها في معالجة قضاياها الداخلية سواء كانت تتعلق بمعالجة تداعيات الكوارث الطبيعية (إعصار "كاترينا") مثلا أو قضايا الهجرة الوافدة من المكسيك (الجدار الفاصل) أو قضايا تراجع مستوى التعليم و الإخفاق في استقطاب الكفاءات الشابة للانخراط في القوات المسلحة مما يدّل أن الولايات المتحدة لا تستطيع في تركيبتها الحالية مواجهة التحديات الكبرى سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو طبيعية- كل ذلك يقلل من قدراتها على مواصلة تحقيق حلمها بفرض سيطرتها الكونية.

 الانكشاف تجاه الخارج و تفاقم الدين العام يساهمان في انخفض قيمة الدولار التي تشكل النقد الاحتياطي لمعظم الدول و أداة التداول بين الدول و الأفراد.  إن أغلبية حاملي سندات الخزينة الأميركية هم المصارف المركزية الآسيوية كالصين و اليابان وكوريا الجنوبية.  و هذا يشكل وسيلة ضغط على الولايات المتحدة حيث أصبحت الأخيرة الدولة المستدينة و التي قد تخفق في الحفاظ على الثقة التي تمنحها الدول الدائنة.  حتى الآن ما زالت مصلحة تلك الدول تقتضي الحفاظ على الدولار حتى مع انخفاض قيمته لأن الدين الأميركي يساهم في استيراد السلع من الدول الدائنة و بالتالي يشجع حركتها الاقتصادية و نموها.  و لكن بدأت بوادر فقدان الثقة بالدولار و بالاقتصاد الأميركي عبر توزيع و تنويع الدول الدائنة محفظاتها من النقد الأجنبي.  قد يأتي يوم تتخلى تلك الدول عن الدولار و بالتالي تفقد الولايات المتحدة أهم أدواتها للسيطرة على الاقتصاد العالمي.

من جهة أخرى إن عسكرة المجتمع الأميركي أدّت إلى الزيادة في النفقات العسكرية التي وصلت إلى مستويات قياسية قد لا يستطيع الاقتصاد الأميركي استيعابها.  أضف إلى ذلك تفاقم كلفة الحروب التي شنتّها و تشنها الولايات المتحدة.  فالحرب على العراق الذي تمّ ترويجها بأنها لن تكون مكلفة بسبب عائدات النفط العراقية كلفّت حتى الآن حوالي 500 مليار دولار ككلفة مباشرة وفقا لتقديرات الاقتصادي الأميركي جوزيف ستيغلتز الحائز على جائزة نوبل و الذي كان كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس كلنتون و الذي شغر منصب كبير الاقتصاديين في البنك الدولي.  أما إذا أضيفت الكلفة غير المباشرة فقد تصل الكلفة الإجمالية إلى أكثر من ألف مليار دولار (أو ترليون) و هذه أرقام لا يقبلها المواطن الأميركي و قد يجبر حكومته على مراجعة سياستها.  و كلفة الحروب لا تقتصر على الكلفة الاقتصادية بل تشمل الكلفة البشرية.  لقد أبرزت مجلة "لانست" (Lancet) البريطانية المحترمة في كافة الأوساط العلمية و الطبية أن عدد القتلى في العراق تجاوز الست مائة ألف.  لقد أحدث ذلك النبأ ضجة كبيرة في المجتمع الأميركي الذي بدأ يكشف مدى زيف الادعاءات الرسمية ناهيك عن الخسائر البشرية الأميركية من قتلى و جرحى الذي تجاوز 60 ألف.  فقدان الثقة عند الشعب الأميركي لسياسات قادته عامل أساسي يسارع في تراجع الإدارة الحالية و ربما المقبلة عن الاستمرار ب"مغامرات غير محسوبة".

عامل آخر يساهم في تراجع القدرة الإستراتيجية على استمرارها في مشروع مدمّر للشعوب هو تراجع التفوق التكنولوجي التي كانت تتمتع به حتى فترة وجيزة.  فالأوروبيون و الروس و الهنود و الصينيون برهنوا عن قدرات في الإبداع التكنولوجي كاسرين بذلك الاحتكار الأميركي بذلك التفوق.  حتى الصناعات الحربية التي هي من أهم الصادرات الأميركية أصبحت تواجه تنافسا شديدا من أوروبا و روسيا و الصين.  و الحرب الأخيرة في لبنان أكدّت فعاّلية السلاح الصيني و الروسي الصنع و الإضافات الإيرانية و السورية لتلك الأسلحة و لكسر الاحتكار التكنولوجي.  و هناك أخبار عن فعالية الطائرات الحربية الروسية ظهرت في المناورات الأخيرة التي حصلت في الخليج العربي و في أماكن أخرى مما يؤكد كسر أسطورة التفوق الكاسح للسلاح الأميركي.  و يمكن الإضافة أن حتى الأداء العسكري الأميركي أصبح موضوع بحث و إعادة نظر و لكن لضيق الوقت لن استفيض في ذلك الأمر.  فعلى سبيل المثال يؤكد المؤرخ البريطاني الراحل ليدل هارت (Liddle Hart) أن الأداء العسكري للقوات الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية على مسرح العمليات في أوروبا لم يكن بالمستوى المطلوب.  إن المنتصر العسكري الفعلي ضد القوات الألمانية كان الاتحاد السوفيتي الذي دفع ثمنا باهظا لتحقيق النصر.  أما النظرية العسكرية الأميركية الحديثة التي تعتمد على التفوق التكنولوجي و القوة النارية التي لا ينازعها أحد و التي تركّز على العنصر المادي على حساب العنصر البشري فقد أكدت الحرب على العراق محدودية بل فشل تلك النظرية لتحقيق الأهداف السياسية المرتبطة بها.  كما أن صنيعتها العسكرية إسرائيل و التي اعتمدت نفس النظرية في حربها على لبنان و حزب الله - أي اعتمدت على التفوق الجوي لإلحاق الهزيمة بحزب الله- منيت بفشل ذريع و النظرية المستندة إليها.

هناك عامل إضافي و أساسي يساهم في تراجع النفوذ الأميركي و بالتالي يعرقل المشروع الإمبراطوري. صحيح أن الولايات المتحدة تمتعت خلال العقد الماضي بعد نهاية الحرب الباردة بهيمنة التي لا ينافسها أحد.  لكن اليوم هناك عدة دول بدأت تنافس الولايات المتحدة على الساحة الاقتصادية و حتى السياسية دون أن تستطيع الولايات المتحدة الحد من ذلك.  هناك الصين و الهند و كتلتهما البشرية الهائلة و نموهما الاقتصادي القياسي تنافسان الولايات المتحدة في القارة الآسيوية و بالتالي في احتياجهما لنفط شرق الأوسط.  ذلك يقوي الورقة التفاوضية للدولة الإيرانية مثلا. والدليل على ذلك عدم مماشاة الصين لرغبات الولايات المتحدة في فرض العقوبات على إيران. أما روسيا فهي تنظر بكل ريبة محاولات تمدد نفوذ الولايات المتحدة في الدول آسيا الوسطى و في أوروبا الشرقية.  فهي تقوم بهجوم مضاد في أوكرانيا و جورجيا من جهة و في أوزبكستان حيث أجبرت الأخيرة الولايات المتحدة على إخلاء قاعد عسكرية في جنوب البلاد. 

إن خشية المنافسة من القوى الصاعدة أفرزت نظرية جديدة لحماية الأمن القومي التي أصدرته الإدارة الأميركية في أيلول 2002 حيث بلورت مفهوم الحرب الوقائية (preventive war) بدلا من الحرب الإستباقية (preemptive war) المشروعة لدرء خطر مباشر و وشيك.  فالحالة الأولى هي حالة خيار حر بينما الحالة الثانية هي حالة الضرورة الملحة .   إن احتلال العراق يقع في الحالة الأولى و يشكل اختبارا يمكن تعميمه. إن إخفاق الولايات المتحدة أطاح بالنسبة لعديد من المحللين لجدوى الحرب الوقائية و هذا ما يضعف بشكل ملموس المشروع الإمبراطوري.  وكما ذكرت أتت الضربة القاضية في إخفاق إسرائيل في تحقيق الأهداف المعطاة لها خدمة للمشروع الأميركي في المنطقة.  من هنا إن تداعيات تلك الحرب على المنطقة هي إستراتيجية بامتياز ستتبلور في الشهور القادمة إن شاء الله. وشكرا لإصغاءكم. 

-----------------

*مداخلة ألقيت في ندوة نظّمها "المنتدى القومي العربي" في طرابلس (لبنان) في 4 تشرين الثاني 2006

**كاتب و باحث عربي من لبنان مقيم في الولايات المتحدة