الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

المشروع الصهيونى فى لبنان

لم يتغير منذ نصف قرن

 

ما زلنا مع محاضرة وزير الامن الداخلى الصهيونى التى القاها فى معهد ابحاث الامن القومى الاسرائيلى ، والتى تناول فيها استراتيجية اسرائيل فى سبعة ساحات اقليمية . تناولنا منها فى موضوعات سابقة كل مصر والسودان والعراق . واليوم نتناول الساحة اللبنانية .

 

وكان اهم ما جاء فيها :

 

* ان لبنان تمثل التحدى الاكبر لاسرائيل ، وعلى الاخص حزب الله .

 

* والحرب الاخيرة عام 2006 لم تحقق الهدف الاستراتيجى الاسرائيلى هناك وهو خلق بيئة تصالحية ، على غرار ما حدث عقب حرب 1982

 

* ولكن سيظل خيار القوة مطروحا لتكرار ما حدث عندما تحين اللحظة المناسبة

 

* والى هذا الحين فان الخيار المطروح الان هو العمل على اضطراب لبنان والابقاء على الخلافات بين المكونات السياسية والطائفية والمذهبية فيه

 

* ولاسرائيل خبرات طويلة فى هذا المجال :

 

* فلقد نجحت سابقا فى خلق بيئة معادية للمنظمات الفلسطينية هناك ، مما ادى الى الحرب الاهلية اللبنانية عام 1975

 

* ولقد نجحت فى تكرار التجربة مع سوريا مؤخرا ، فنجحت فى خلق بيئة معادية للوجود السورى هناك

 

* وبفضل الجهود الامنية والمخابراتية الاسرائيلية داخل لبنان ، بالاضافة الى الجهود السياسية فى المحافل الدولية والامريكية والفرنسية ، نجحت فى اجبار السوريين على الانسحاب من لبنان .

 

* وبعد حرب 2006 نجحت كذلك فى خلق بيئة داخلية معادية لحزب الله تستنزف قواه

 

* وتعمل اسرائيل مع الولايات المتحدة يدا بيد لإختراق الساحة اللبنانية وزرع  الإختلالات فيها مما يعمق النزاعات السياسية والمذهبية والطائفية وقطع الطريق أمام تحقيق توافق فعلى

 

وقبل ان نعرض نص المحاضرة ، نراجع  معا ما جاء فى وثيقتين صهيونيتين قديمتين حول لبنان:

 

* الوثيقة الاولى هى جزء من رسالة بعث بها ديفيد بن جوريون الى موشى شاريت فى فبراير عام 1954 ، اى بعد قيام دولة الكيان بـ 6 سنوات فقط ، حيث لم تكن هناك مقاومة لبنانية ولم يكن هناك حزب الله ، ولم تكن هناك قوات فلسطينية او سورية فى لبنان ، وقد جاء فيها :

 

" من الواضح أن لبنان هى أضعف حلقة فى سلسلة الجامعة العربية.. فالاغلبية المسيحية فى لبنان ، لها تقاليد وحضارة تختلف كلية عن تقاليد وحضارة باقى بلاد الجامعة العربية . 

 

وإنشاء دولة مسيحية هنا هو شئ طبيعى له جذور تاريخية , وسيلقى تأييد قوى كبيرة فى العالم المسيحى سواء الكاثوليكى أو البروتستانتى . وهذا الأمر لا يكاد يكون فى حيز الإمكان فى الأيام الهادئة , أولا ـ لغياب المبادرة والجرأة من جانب المسيحيين , ولكن فى وقت البلبلة والإضطراب  والثورة أو الحرب الأهلية يتغير الوضع , فيقول الضعيف أنا بطل .

 

ومن الجائز .. أن هذه الساعة هى الساعة المواتيه للعمل على إقامة دولة مسيحية بجوارنا , فبدون مبادرتنا ومساعدتنا الفعالة لن يتم الأمر . ويبدو لى أن هذه هى المهمة الرئيسية الآن  أو على الأقل إحدى المهام الرئيسية لسياستنا الخارجية . ويجب بذل الإمكانات والوقت والجهد والعمل بجيمع السبل التى من شأنها أن تؤدى الى تغيير جذرى فى لبنان ."

 

* والوثيقة الثانية حول لبنان ايضا ، نشرتها مجلة كيفونيم لسان حال المنظمة الصهيونية العالمية عام  1982تحت عنوان " استراتيجية اسرائيل فى الثمانينات " ، بعد 28 عاما من الوثيقة الاولى ، وقبل 27 عاما من الآن . ونشرناها نحن بعنوان : "الوثيقة الصهيونية لتفتيت الامة العربية " ،  وقد جاء فيها عن لبنان ما يلى :

 

" ان تفتيت لبنان الى خمس مقاطعات اقليمية يجب أن يكون سابقة لكل العالم العربى بما فى ذلك مصر وسوريا والعراق وشبه الجزيرة العربية ... "

 

" فلبنان مقسمة ومنهارة اقتصاديا لكونها ليس بها سلطة موحدة ، بل خمس سلطات سيادية : مسيحية فى الشمال تؤيدها سوريا وتتزعمها اسرة فرنجيه ، وفى الشرق منطقة احتلال سورى مباشر ، وفى الوسط دولة مسيحية تسيطر عليها الكتائب ، والى الجنوب منها وحتى نهر الليطانى دولة لمنظمة التحرير الفلسطينية هى فى معظمها من الفلسطينيين ، ثم دولة الرائد سعد حداد من المسيحيين وحوالى نصف مليون من الشيعة "

 

نص المحاضرة فى 4 سبتمبر 2008

 

* استهل ديختر حديثه بالإشارة الى أن الحرب اللبنانية الثانية 2006 لم تحقق الهدف الاستراتيجى المنشود فى خلق بيئة  سليمة تصالحية  تجاه إسرائيل على غرار ما أعقب حملة سلامة الجليل 1982 ووصف البيئة اللبنانية  بأنها أكثر بيئة إقليمية تفرض التحدى الإستراتيجى على   إسرائيل.

 

* بات معلوما أن التحدى الذي يشكله حزب الله . خطورة التحدى وتفاقم هذه الخطورة رغم ما أصاب حزب الله من ضرر وأذى خلال تلك الحرب يستدعى ويبرر استخدام كل الخيارات فى مواجهة هذا التحدى .

 

* والسؤال الذي طرحة ديختر على نفسه : " أى مستقبل  ينتظر هذه الخيارات ثم ما حدود الحركة الإسرائيلية فى ضوء تعاظم تحدىحزب الله ؟"

 

* الإجابة قدمها ديختر على النحو التالى :

 

* خيار القوة  بعد أن جربنا خيار القوة لحسم خطر وتحدى حزب الله عام 2006  لا يعنى أبدا أننا سنطوى صفحة هذا الخيار لأننا لم ننجح فى جولة لابد أن تعقبها جولات لكن الجولات الجديدة جب أن تدار وفق وضوح الهدف والتصميم على تحقيقه ووفق الكفاءة على مختلف المستويات لدى القيادة السياسية والعسكرية .

 

* نحن نقوم بكل ما تتطلبه تلك المواجهة على الجبهتين العسكرية والمدنية  وستظل هذه الإجراءات والاستعدادات تتخذ بوتيرة عالية الى أن نحين الساعة المناسبة .

 

* خيار العمل على اضطراب الساحة اللبنانية  والإبقاء على الخلافات بين المكونات السياسية والطائفية والمذهبية فى لبنان . هنا سوف يتحدث ديختر عن أن لإسرائيل تجربة طويلة فى التعامل مع هذه الساحة بمختلف الخيارات . من أهم عناوين هذه التجربة :

 

* جهود ناجحة فى مختلف المستويات السياسية والأمنية والاستخباراتيه لخلق بيئة معادية للمنظمات الفلسطينية توجت فى اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 . أورد ديخترمعلومات عن الدور الإسرائيلى بتنسيق سياسى وأمنى مع قوى لبنانية عبر تزويدها بالسلاح بموافقة رئيس الوزراء آنذاك اسحق رابين ووزير الدفاع شيمون بيرتس وضخ الأموال الى تلك العناصر , وإقامة بنية استخباراتيه  فى معظم المناطق اللبنانية . 

 

* يستطرد ديختر قائلا : ( ثمة من لا يعرف أن المجهودات الإسرائيلية الأمنية والإستخباراتيه  فى داخل لبنان والسياسية فى المحافل الدولية والأمريكية والفرنسية هى التى أجبرت السوريين على الإنسحاب من لبنان مكرهين لأنها ولدت بيئة لبنانية عدائية منافية للوجود السورى وللعلاقة مع سوريا لن تتوقف تداعياتها السلبية عند فترة زمنية محدودة ).

 

* و جهود إسرائيلية  سبقت وأعقبت الحرب الثانية على لبنان 2006 لخلق بيئة معادية ومحاصرة ومستنزفة لقوة حزب الله  السياسية والعسكرية والنفسية .

 

* هنا راح ديختر يؤكد  أن الحرب  ضد حزب الله لم تتوقف  بمجرد الإعلان عن وقف إطلاق النار بل استمرت ولكن من خلال خيارات  ووسائل وأساليب أخرى . إسرائيل ـ كما يقول ـ كان عليها أن تستعيد حركتها وأن تعيد لنفسها زمام المبادرة . ديختر أمسك عن الخوض فى التفاصيل  مبررا ذلك أن المجهودات الإسرائيلية الحالية فى لبنان هى إمتداد  للمجهودات السابقة ولكى تحقق هذه المجهودات  النتائج المرجوة علينا أن نبقى على تفاصيل ما قمنا به ضمن الأسرار العليا للدولة طالما أن المواجهة على هذه الساحة لم تحسم .

 

* ومما قاله ( لابد أن أشير الى أنى أتحمل المسئولية الكبرى فى الحفاظ على الأسرار الإسرائيلية وقد سبق لى أن حذرت وسائل الإعلام بل كشفت الوزراء وأعضاء الكنيست  الذين يسربون معلومات واعتبرتهم  بأنهم لا يقلون خطرا عن الإرهابيين والمخربين لأن كشف هذه الأسرار يخدم أعداء إسرائيل )

 

* لابد أن نذكر أن ديختر ورغم حرصه على كتمان أسرار الدولة ـ كما يدعى ـ تسربت من بين كلمات ومضمون المحاضرة أمور لا تخفى عن العين الراصدة والعقل المستوعب لكل واردة وشاردة .

 

* من هذه الأمور أن إسرائيل  تعمل وبالتعاون مع الولايات المتحدة على تعظيم قدرة البيئة المعادية لحزب الله وسوريا , وإيران فى لبنان  لتكون قادرة على شن حروب استنزاف  صغيرة تتسع وتتصاعد الى مستوى إرباكيه وخلخلاته  على الساحة اللبنانية لأن هذا خيار من الخيارات المهمة والوسائل  الفعالة التى نمارسها ضمن حركتنا فى الساحة اللبنانية . 

 

* نحن والولايات المتحدة نقيم تشكيلات ومعسكرات من فرق مختلفة يجمعها هدف واحد معنا ومع الولايات المتحدة , وهو التخلص من خطر حزب الله .

 

* وفى هذا الخصوص أذكر أمرا مهما وهو أن حركتنا فى الجوانب الخلفية  فى الحرب السرية كخيار وكوسيلة من وسائل الحرب ضد حزب الله تسير بتسارع وتيرة الخيارات الأخرى .

 

ثم فى ختام حديثه عن خيارات إسرائيل فى الساحة اللبنانية  أشار إلى :

 

* القوة العسكرية ستبقى الخيار الأكثر استخداما إذا كانت الخيارات الأخرى عاجزة عن تحقيق الهدف الإسرائيلى . لم يحاول ديختر أن يحدد سقفا زمنيا للإلتجاء  الى هذا الخيار لعلاقة هذا الأمر بالأسرار الأمنية والعسكرية .

 

* إن إسرائيل تجرب خيارات أخرى بالعمل مع الولايات المتحدة يدا بيد لإختراق الساحة اللبنانية وزرع  الإختلالات فيها مما يعمق النزاعات السياسية والمذهبية والطائفية وقطع الطريق أمام تحقيق توافق فعلى .

 

* لقد تحدث ديختر عن وجود معسكرين تتطلب عودتهما وتعظيم قوتهما فى لبنان استعدادا للدخول فى مواجهة حاسمة إضافة  الى مجهودات استخبارية إسرائيلية تعمد عدم الحديث عنها والبوح بالأسرار .

*  *  *

الخيارات الصهيونية تجاه سوريا

 

بعد مصر والسودان والعراق ولبنان ، نتناول الآن ما جاء فى محاضرة آفى ديختر وزير الامن الصهيوينى عن سوريا ، وهى المحاضرة التى القاها يوم 4 سبتمبر الماضى 2008  بمعهد الامن القومى الاسرائيلى والتى كان اهم ما جاء بها ما يلى :

 

* ان المفاوضات الاسرائيلية  مع سوريا لا تتم بهدف السلام وانما بهدف فك الارتباط بينها وبين وايران وحزب الله.

 

* وان هذه المفاوضات من وجهة نظره ، بلا محتوى وبلا مضمون وأن اولمرت أقدم عليها مدفوعا باعتبارات سياسية تعنيه هو أكثر مما تعنى إسرائيل

 

* وان الاسرائليين يشكون فى نوايا سوريا السلمية فهى تسعى طول الوقت لتعظيم قدراتها العسكرية وتكديس منظومات اسلحة متطورة فى مواجهة اسرائيل

 

* وان السلام ليس خيار سوريا الاستراتيجى ، وإنما هو خيار تكتيكى لتحقيق فوائد سياسية هى فك العزلة والعودة الى الحظيرة الدولية . 

 

* وان لاسرائيل ثلاثة خيارات فى التعامل مع سوريا :

 

الخيار الاول :  وهو الخيار السائد لدى قطاع كبير من القادة الاسرائيليين و هو استخدام القوة العسكرية ضد سوريا فى حالة توفر  واحد او اكثر من الحالات الاتية:

 

1) إذا واصلت بناء قدرتها العسكرية  فى نطاق تعظيم هذه القدرات خارج الاحتياجات والضرورات الدفاعية .

 

2)   إذا بقيت عند مستوى تحالفها مع إيران

 

3)   ان احتفظت بعلاقاتها وتحالفها مع حزب الله واستمرت فى إيصال الأسلحة إليه .

 

4) ان استمرت فى دعمها للمنظمات الفلسطينية الراديكالية وتوفير المأوى والرعاية لقيادتها فى دمشق خاصة حماس والجهاد الاسلامى .

 

* وان سوريا الان تحت المراقبة والرصد والمتابعة ، بحيث انه اذا ثبت انها تعظم من قدراتها العسكرية ، فلابد ان توجه اليها ضربة عسكرية اسرائيلية استباقية

 

* كما يجب ان توجه اسرائيل لها تحذيرات عملية بهذا الشأن

 

* ولقد كادت اسرائيل ان تلجأ الى هذا الخيار عام 2007ولكنها تراجعت فى اللحظة الاخيرة لاعتبارات لم يحن الوقت للحديث عنها .

 

ثانيا ــ الخيار الثانى : وهو ما اسماه باستراتيجية شد الاطراف ، المقصود بها الضغط على سوريا من خلال دول الجوار الحليفة لاسرائيل .

 

* ولقد كانت تركيا هى التى تقوم بهذا الدور منذ الخمسينات ، الا انه بعد التحولات الاخيرة هناك ، وصعود حزب العدالة والتنمية ، تغيرت السياسة التركية تجاه سوريا واصبح بينهما علاقة ممتازة

 

* ويمكن تعويض ذلك من خلال الاكراد ، فالكيان الكردى الوليد يمكن ان يقوم بهذا الدور

 

* وان اسرائيل منذ 5 سنوات وهى تستخدم كل المحفزات من اجل ان يكون الاكراد اداة اضعاف وارباك للسوريين

 

* ولقد سبق للاكراد ان قاموا بهذا الدور من قبل ، بتوظيف من ايران الشاه ، وايضا ايران الاسلامية اثناء الحرب العراقية الايرانية

 

* وان ثقة اسرائيل فى الاعتماد على الاكراد فى هذا الشأن ، تنبع من ان القيادة الكردية ذات العلاقات التاريخية مع اسرائيل تدرك بعمق اهمية الشراكة الشاملة مع اسرائيل

 

* وفى اطاراستراتيجية شد الاطراف ذاتها ، فان اسرائيل وبالتعاون مع الولايات المتحدة ، تستخدم الساحة اللبنانية فى الضغط على سوريا . فلاسرائيل وامريكا هناك اصدقاء وحلفاء على استعداد للتحالف مع الشيطان للتخلص من التهديد  السورى ومن حزب الله

 

* وان الوصول الى الساحة السورية ليست عملية مستحيلة أو شاقة ، بسبب وجود منافذ عديدة للولوج الى داخلها مثل الأردن والعراق و منطقة كردستان و لبنان  . فهذه كلها فجوات نحن نعمل على استثمارها فى نطاق استراتيجية شد الأطراف تجاه سوريا إذ لم يتغير النظام ويعدل سلوكه .

 

ثالثا ـ الخيار الصهيونى الثالث فى التعامل مع سوريا ، هو خيار التواصل مع المعارضة السورية فى الخارج وفى الداخل ، على الوجه الذى حدث بنجاح من قبل مع المعارضة العراقية

 

* فلقد قدمت اسرائيل دعما كبيرا للمعارضة العراقية ، ففتحت لهم ابواب الادارة الامريكية والكونجرس ووكالة الاستخبارات الامريكية . و ضمنت لهم دعما امريكيا سياسيا واعلاميا . كما قامت بتدريب بعض عناصرهم على عمليات عسكرية داخل العراق

 

* وليس العراق فقط ، فاسرائيل اقامت علاقات مع قوى معارضة ايضا فى السودان ولبنان .

 

نص المحاضرة

فى حدبثه عن الحركة الإستراتيجية الإسرائيلية باتجاه الساحة السورية خلا  الحديث عن الجهود الإسرائيلية للتوصل الى سلام مع سوريا , لوحظ أن المفاوضات غير المباشرة مع سوريا لم تحتل مساحة فى هذا الحديث سوى بضع عبارات هى أن رئيس الوزراء ( أولمرت ) رأى من وجهة نظره أن يجرب أسلوب المفاوضات  كأحد الخيارات للتعاطى بأكثر فاعليه مع تحديات إيران وحزب الله الخطيرة , هذا عندما قال : " أن ( أولمرت ) يعتبر المفاوضات مع سوريا وسيلة لخدمة خيارات إسرائيلية فى التعامل مع كل من إيران وحزب الله ".

 

ومن وجهة نظره فإن هذه الوسيلة لم تثبت فاعليتها , فمن الواضح أن سوريا لم تبد حتى الآن عمليا وبعيدا عن الحالة المصرية أو الأردنية ـ نهج يحقق السلام وإقامة العلاقات الشاملة بين إسرائيل وسوريا .

 

الشكوك حول نوايا سوريا  ورغبتها فى تحقيق السلام تزداد يوما بعد يوم وبعد عقد أربع جولات من المفاوضات مع السوريين فى تركيا , غالبية الشكوك هى حول جهود السوريين تعظيم قدراتهم العسكرية عن طريق نكدس منظومات أسلحة متطورة فى مواجهة اسرائيل .

 

هنا راح ( ديختر )يتساءل : " هل زيارة الرئيس السورى بشار الأسد لموسكو هى لأجل السلام أم لأجل الحرب ؟ ".

 

الإجابة نجدها فى طلب الرئيس السورى أسلحة متطورة صواريخ أكثر قدرة على الإضرار بإسرائيل والفتك بها , صواريخ أبعد مدى وأكثر دقة , منظومات دفاع جوى لتحييد السلاح الجوى الإسرائيلى , قواعد عسكرية روسية  ومنظومات إنذار مبكر .

 

ويستطرد : " قائمة طموح كبيرة وكثيرة لدى السوريين  لتعزيز قدراتهم العسكرية التقليدية وغير التقليدية , ولكن إذا كانت سوريا تريد السلام فلماذا إقتناء هذه الأسلحة وضد من ستستخدم ؟."

 

أما من وجهة نظرى الشخصية لا يمكن أن يعول على التصريحات السورية عن وجود رغبة قوية لدى القيادة السورية لإنهاء الحرب مع إسرائيل وتبادل العلاقات معها . 

 

هناك أيضا وجه آخر لازدواجية  السياسة السورية يدحض كل المزاعم  السورية عن السلام  والحرص عليه . هذا الوجه هو استكمال لعملية تعظيم القدرة العسكرية السورية وللإستراتيجية السورية فى التعامل مع إسرائيل على الصعيد الفعلى بأسلوب المواجهة . 

 

استمرار بل وتعزيز وتوثيق علاقة التحالف مع حزب الله وهو ما يحرص الرئيس السورى  على تأكيده فى الآونة الأخيرة  دليل آخر على أن السلام هو ليس خيار سوريا الاستراتيجى وإنما هو خيار تكتيكى لتحقيق فوائد سياسية  فك العزلة والعودة الى الحظيرة الدولية . 

 

فى مقارنته عن التعاطى مع الساحة السورية عبر ( ديختر ) عن عدة خيارات :

 

ـ خيار استخدام القوة العسكرية : شدد فى هذا الأمر على أن هذا الخيار يظل مطروحا ومقبولا بل وضروريا فى الحالات التاليه :

 

* إذا واصلت سوريا بناء قدرتها العسكرية  فى نطاق تعظيم هذه القدرات خارج الاحتياجات والضرورات الدفاعية .

 

* إذا بقيت سوريا عند مستوى تحالفها مع إيران لأن استمرار هذا التحالف يرتب على سوريا واجبات مثل إسناد إيران إذا عوقبت عسكريا على خلفية برنامجها النووى من جانب إسرائيل والولايات المتحدة . ولم يستبعد ( ديختر ) إحتمال أن تقف سوريا الى جانب إيران فى حالة بقاء إيران قادرة ومالكة للقدرة على الرد .

 

* احتفاظ سوريا بعلاقاتها وتحالفها مع حزب الله والاستمرار فى إيصال الأسلحة إليه , مثل هذا الموقف لا يجب السكوت عنه .   عير سوريا تلقى حزب الله أكثر من 30 ألف صاروخ بمديات مختلفة لتهديد الجبهة الداخلية الإسرائيلية , هذا عمل عدوانى وإسرائيل مضطرة أن ترد عليه برد فعل يتناسب مع خطورة الموقف السورى .

 

* دعم سوريا  للمنظمات الفلسطينية الراديكالية وتوفير المأوى والرعاية لقيادتها فى دمشق .

 

هذه الأسباب منفردة ومجتمعة تنتج حالة حرب مع إسرائيل وليس أجواء سلمية .

 

هل من المنطق والحكمة والفعالية أن نضع رؤسنا فى الرمال كالنعامة ونغفل رؤية هذا المشهد العدوانى والمنافى لأبسط قواعد السلام ؟.

 

( ديختر ) قدم نفسه خلال هذه الندوة على أنه أحد الذين عارضوا مبادرة أولمرت إجراء مفاوضات مع السوريين بشكل مباشر وبرر هذه المعارضة بوجود شكوك قوية لديه حول عدم جدية الموقف السورى والمفاوضات .

 

هذه المفاوضات من وجهة نظره بلا محتوى وبلا مضمون وأن رئيس الوزراء أقدم عليها مدفوعا باعتبارات سياسية تعنيه هو أكثر مما تعنى إسرائيل . وجهة النظر التى عبر عنها حيال استخدام القوة هى ليست وجهة نظر فردية أو شخصية بل هى سائدة لدى قطاع عريض من القيادة السياسية والعسكرية .

 

وجهة النظر هذه تتعلق بضرورة إخضاع سوريا للمراقبة والرصد والمتابعة من أجل إستخلاص التقييم الصائب والسديد .

 

فإذا جاء هذا التقييم أن سوريا تعظم قدرتها العسكرية لغرض ضد إسرائيل فعليها أن تبادر بلا تردد الى توجيه الضربة الاستباقية لعرقلة الاستعدادات العسكرية السورية .

 

على صعيد ما يمكن أن تقوم به إسرائيل عبر استخدام هذا الخيار , توجيه تحذير قوى الى سوريا بأنها لن تكون بمنأى من عمل عسكرى إسرائيلى , هذا التحذير  لا يجب أن يقتصر على تصريحات القيادات السياسية والعسكرية  بل من خلال رسائل عملية وحركة مستمرة للجيش الإسرائيلى فى الجولان وتدريبات وتمرينات .

 

يجب أن يتضمن التحذير أيضا تهديد سوريا بعدم التدخل  إذا ما بادر جيش الدفاع الإسرائيلى الى شن عملية عسكرية ضد حزب الله . استخدام هذا الخيار كان سيصبح واقعا عمليا خلال عام 2007  أو أكثر من مرة لكنه أوقف فى اللحظة الأخيرة لاعتبارات لم يحن الوقت للحديث عنها .

 

خيارات أخرى : لدينا خيارات أخرى منها استراتيجية شد الأطراف وإن فقدت هذه الاستراتيجية أركانا مهمة كانت ترتكز عليها عندما بلورت فى الخمسينات من القرن الماضى , فقدت الركن التركى الذي كان دائما عاملا مهما فى ممارسة استراتيجية شد الأطراف تجاه سوريا .

 

تركيا الآن على علاقة جيدة بل وممتازة مع سوريا , هذا التحول من السياسة التركية تجاه سوريا نجم عن تحولات سياسية داخل تركيا منها فوز العدالة والتنمية  فوزا كاسحا ووضعه على رأس السلطتين التشريعية والتنفيذية .

 

ولكن إلى جانب خسارة هذا الركن ثمة فرصة لتعويضه  بركن آخر وإن أقل كفاءة وفاعلية , العامل الجديد هو وجود الحكم الذاتى أو الإقليم الكردى  فى شمال العراق الذي أصبح دولة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ,إسرائيل  إدراكا منها لأهمية وجود هذا الكيان أو إن شئنا هذه الدولة , تستخدم منذ خمسة أعوام كل المحفزات من أجل  أن يكون هذا الإقليم  منطلقا لممارسة استراتيجية شد الأطراف مع سوريا أى أن يكون قادرا ومستعدا فى ذات الوقت على لعب دور تركيا فى السابق , هذا الإدراك لدى القيادة السياسية لا ينطلق من فراغ بل من أسس راسخة بأن القيادة الكردية التى لها علاقات تاريخية مع إسرائيل تدرك بعمق حيوية وأهمية شراكة شاملة مع إسرائيل  لأنه يتعذر عليها إقامة شراكة مع الدول التى تحيط بالمنطقة الكردية من كافة الإتجاهات ؛ هذه الشراكة مبنية فى الأصل على مفهوم المصالح أى تبادل الدعم وتبادل المصالح .

 

من أهم التساؤلات الأمنية المثارة فى هذا الإطار  هل بإمكان الأكراد أن تكون لهم لهم بذور فى الضغط على سوريا فى نطاق استراتيجية شد الأطراف تجاه سوريا ؟.

 

فى الحقيقة يجب أن نؤكد أن ذلك يتوقف على تطور الأوضاع فى العراق وبقاء القوات الأمريكية,

لا يجب أن ننسى  أن الأكراد إذ قاموا بهذا الدور على أحسن وجه  ولكن فى نطاق توظيفهم من قبل إيران فى عهد الشاه وحتى فى عهد النظام الإسلامى أثناء الحرب بين إيران والعراق كما استخدموا من قبل تركيا فى إطار نفس الاستراتيجية .

 

يجب أن نؤكد أنه رغم عدم تناظر قوة الأكراد مع قوة إيران  وتركيا  فإن ثمة ما يؤكد أن الأكراد فى العراق أصبحوا قوة عسكرية وسياسية واقتصادية , أى أنهم أداة فاعلة وقادرة على أن تتجاوز عند استخدامها أداة الردع الى أداة فعل وأداة إضعاف وإرباك للسوريين , هذه الفاعلية مصدرها التقارب والتداخل الجغرافى والديمغرافى  لمنطقة شمال العراق مع المنطقة التركية فى سوريا فى الشمال الشرقى .

 

هناك شيئا ثانيا فى هذا الخصوص : هذا يرتبط بإمكانية توظيف خيارات أخرى للضغط على سوريا , من بين هذه الخيارات الساحة اللبنانية , البيئة اللبنانية زاخرة بالعوامل التى يمكن الإفادة منها لممارسة هذا الضغط من أجل تحقيق الأهداف والمطالب الإسرائيلية وفى ذات الوقت المطالب الأمريكية منها :

 

* إلغاء التحالف مع إيران .

 

* قطع الإمدادات والمساعدات الى حزب الله فى لبنان عبر سوريا .

 

* إغلاق مكاتب المنظمات الفلسطينية التخريبية وعلى الأخص حماس والجهاد الإسلامى .

 

فوق الساحة اللبنانية   هناك حلفاء وأصدقاء للولايات المتحدة ولنا أيضا حلفاء وأصدقاء ولكنهم يجدون حرجا فى الكشف عن العلاقة بإسرائيل  والمجاهرة بها : هؤلاء  الحلفاء لديهم الحماس والإستعداد للتعاون مع " الشيطان " إذا كان ذلك يخلصهم من التهديد السورى المستمر ومن خلفه حزب الله . نحن لا نضيع الفرصة فى الإفادة من هذا الخيار ولكن بالتعاون مع الولايات المتحدة .

 

الخيار الثالث  الذي نجد فائدة وجدوى فى محاولة استخدامه فى نطاق ممارسة الضغوط على سوريا هو خيار الوصول الى المعارضة السورية فى الخارج وفى الداخل , حيث أثبت هذا الخيار  فاعليته على الساحة العراقية . حيث كانت لها علاقات مع المعارضة العراقية ـ عدا الأكراد ـ  فى الولايات المتحدة وفى بريطانيا .

 

نحن ساهمنا فى التأثير لصالحهم داخل الولايات المتحدة  والتعامل معهم كخيار يمكن توظيفه لتغيير النظام فى العراق . فتحنا لهم أبواب الإدارة الأمريكية  الكونغرس ووكالة الإستخبارات  ودوائر أخرى , وضمنا لهم دعما أمريكيا وإعلاميا وسياسيا وكذلك تدريب عناصر تنتمى الى المعارضة على عمليات عسكرية داخل العراق . أقمنا علاقات مع قوى معارضة أخرى فى دول عربية فى السودان وفى لبنان .

 

المعارضة السورية فى الخارج لها حضور وامتدادات فى الولايات المتحدة وفى بريطانيا وفرنسا وفى الأردن وحتى فى لبنان .

 

على أية حال  نحن نقوم بجهود كثيرة فى هذا المجال لا نستطيع أن نسلط الضوء عليها  لأن المصلحة تقتضى أن نبقيها بعيدا عن دائرة الضوء .

 

يبدو لى أن هذا الخيار ليس خيارا إسرائيليا فقط الولايات المتحدة تعول على هذا الخيار فهى تعمل على تنظيم هذه المعارضة , هذه المعارضة كما فهمنا من خلال اتصالات معها أو من خلال العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة تطمح فى تغيير النظام والعودة الى سوريا لتولى زمام الحكم أسوة بنظيرتها المعارضة العراقية .

 

لم تعد تجد حرجا فى التعاون مع الولايات المتحدة  أو مع دول أخرى حتى بما فيها إسرائيل لتحقيق هذا الطموح , هناك سوابق جديرة بالذكر ومناسبة لأن تطبق فى الساحة السورية .

 

الوصول الى الساحة السورية ليست عملية مستحيلة أو شاقة لوجود منافذ عديدة للولوج الى داخلها , الأردن العراق منطقة كردستان لبنان هذه كلها فجوات نحن نعمل على استثمارها فى نطاق استراتيجية شد الأطراف تجاه سوريا إذ لم يتغير النظام ويعدل سلوكه .

 

  محمد سيف الدولة

9 يونيو 2009

Seif_eldawla@hotmail.com

 

------------------------ 

 

السودان في عيون صهيونية