الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

تصريحات رايس الاخيرة حول انجازات بوش:

"حالة الانكار" مستمرة

 

لو كان الكوميدي الامريكي الذائع الصيت جون ستيوارت مكان رئيسة الديبلوماسية الامريكية كونداليزا رايس في مقابلتها الشهيرة مع شبكة "بلومبرج" التلفزيونية تمتدح سياسة رئيسها الخارجية "الناجحة"، لاسيّما في الشرق الاوسط، لاعتبره المشاهد الامريكي يقدم افضل عروضه الساخرة والهازئة من جورج بوش وسياسته، وهي عروض طالما ضحك معها ولها الامريكيون على مدى سنوات.

 

ولو كان المخرج الامريكي المعروف مايكل مور، صاحب فيلم "11/9"، الواسع الشهرة، يعد فيلماً جديداً من افلامه الرائعة والجامعة بين المرارة الصارخة والسخرية الجارحة من سياسة بلاده، لما وجد افضل من تصريحات رايس الاخيرة وهي الوزيرة الحالية والاستاذة الجامعية السابقة، ليفرد لها مقطعاً خاصاً في هذا الفيلم وبدون اي تعليق.

 

ولو ان الصحفي الامريكي الشهير بوب وودورد يعيد طباعة كتابه الكثيف التوزيع "حالة انكسار State of Denial"، لوضع دون شك في مقدمته هذه التصريحات الجديدة للسيدة رايس كنموذج ساطع لنص آخر يكشف حجم حالة الانكار التي تعيشها ادارة بوش، إنكار الوقائع، إنكار الحقائق، إنكار الهزائم، إنكار الازمات والارتباكات على انواعها.

 

طبعاً تستطيع رايس ان تعتذر غداً عن هذه التصريحات المجافية للواقع عن انجازات رئيسها في ولايته الطويلة في البيت الابيض، وخصوصاً "انجازه" الاكبر في العراق، فلقد سبقها الى الاعتذار عن تصريحات مماثلة سلفان لها في السنوات العشرة الاخيرة، اولهما كولن باول الذي اعتذر عن كذبه امام مجلس الامن، وامام الكونغرس، عن وجود اسلحة دمار شامل في العراق، وثانيهما مادلين اولبريت التي اعتذرت هي ايضاً عن جواب لها، وهي في ذروة النفوذ في الادارة الامريكية عام 1998، حين سئلت عن موقفها من موت أكثر من نصف مليون طفل عراقي من جراء الحصار المديد على العراق، وعما اذا كان الامر يستحق كل هذه الضحايا فاجابت الوزيرة ببساطة: "نعم انه يستحق"، لتعود بعد سنوات فتعتذر عن ذلك التصريح الذي يعرّض صاحبه للمحاكمة بتهمة التحريض على الابادة العنصرية.

 

يبدو ان الكذب ثم الاعتذار هما وجهان لعملة السياسة الخارجية الامريكية الواحدة، حيث يكذب المسؤول على العدو والصديق معاً، على مواطنيه وعلى العالم في آن، ثم يعتذر منهم او اليهم (لا فرق). فما دامت كلمة Sorry (آسف) حاضرة بقوة في اللغة الانكليزية فمن حق الساسة الامريكيين ان يفعلوا ما يحلو لهم بحق شعبهم او شعوب الدنيا.

 

ولكن بالمقابل، هل فكرت السيدة رايس، التي سبق ان وعدتنا "بشرق اوسط جديد يولد من الام المخاض اللبناني ابان العدوان الصهيوني على لبنان في تموز 2006" (اي قبل عامين تقريباً)، وهي تتحدث عن انجازات رئيسها في العراق بحالة مليوني عراقي استشهدوا بسبب السياسة الامريكية، حصاراً وحرباً واحتلالاً، وبأربعة ملايين عراقي تركوا بيوتهم وبلادهم، هائمين في بلاد الله الواسعة، يبحثون عن مأوى ولقمة خبز وهم ابناء الدولة الاقوى والاغنى والامنع في المشرق العربي والاسلامي.

 

بل هل خطر في بال رئيسة الديبلوماسية الامريكية، وهي تفاخر باحتلال بلد آخر في حديث لها في عيد استقلال بلدها، مصير عائلات عشرات الالاف من الامريكيين الذين قضوا موتاً، او جرحوا، او انهاروا نفسياً وعصبياً في العراق وافغانستان، دون ان ندخل في لعبة الارقام المعلنة بعد ان كشف "مكتب المحاسبة العامة" في الكونغرس على لسان مدير العلاقات الدولية والتجارة فيه السيد جوزف كريستو بان الارقام الرسمية المعلنة عن حجم الخسائر البشرية الامريكية في العراق ليست صحيحة، وان السياسة الامريكية هناك تفتقر الى البعد الاستراتيجي.

 

وهل تذكرت رايس وهي في غمرة حماستها للحديث عن انجازات ادارتها في حال الديمقراطية وحقوق الانسان، لاسيّما في العراق، ما جرى ويجري في ابي غريب وغوانتانامو وسجن ابوكا، وهل تذكرت المقابر الجماعية التي يتم اكتشافها كل يوم على امتداد العراق، ومعها الجثث المجهولة التي تغمر بلاد الرافدين دون حسيب او رقيب، والاغتيالات المتواصلة، والسجون السريّة للمخابرات المركزية في دول الغرب "الديمقراطي" الامريكية "ولتلامذتها" النجباء في ملاجىء الوزارات العراقية.

 

هل سألت السيدة المقربة من جورج بوش الابن نفسها عن عدد المعتقلين السياسيين في دول "الشرق الاوسط وشمال افريقيا" (وهو مصطلح امريكي شاع في العقدين الاخيرين لالغاء الهوية العربية لدول المنطقة وإدماج الكيان الصهيوني في منظومتها الاقليمية)، خصوصاً ان عدد هؤلاء المعتقلين يتزايد باضطراد "هندسي" لا "حسابي" حسب لغة اهل الرياضيات، اي ان العدد يتضاعف كل مرة ولا يكتفي بالازدياد فقط.

 

هل ناقشت السيدة رايس مثلاً سائق سيارتها عن السعر الجديد لصفيحة الوقود في بلادها، بعد أن وصل سعر برميل النفط الخام الى عتبة 150 دولاراً بعد ان كانت ادارة بوش قد وعدت، أبان التحضير للحرب على العراق، انها ستنجح في تخفيضه الى اقل من عشر دولارات بعد غزو العراق والسيطرة على موارده النفطية.

 

ثم هل اجرت وزيرة خارجية الولايات المتحدة الامريكية – قبل توجهها الى المقابلة التلفزيونية يوم الجمعة الفائت – اتصالاً بزميلها وزير الخزانة الامريكية بولسون ليخبرها عن الرقم القياسي الذي وصله العجز في الموازنة العامة، بعد ان كان الفائض قياسياً حين تولى بوش الابن رئاسة بلاده في مطلع العام 2000، ثم هل تأكدت رايس ايضاً من رئيس البنك الفدرالي الامريكي بننكي عما وصل اليه سعر صرف الدولار الامريكي مقارنة باليورو والجنيه الاسترليني والين الياباني بعد ان كان قوياً ومنيعاً ازاء هذه العملات جميعها، وهل سألت لجان الكونغرس ومكتب المحاسبة العامة عن حجم النفقات التي يتكبدها دافع الضرائب الامريكي نتيجة الحرب على العراق وافغانستان، وقد تجاوزت الاف المليارات، بعد ان كان الوعد ان لا تزيد عن 50 مليار دولار مع بداية تلك الحروب.

 

وهل دار بخلد رايس، قبل ظهورها التلفزيوني الاخير، ان تدير قرص هاتفها السري لتتصل برئيس هيئة اركان القوات المسلحة الادميرال مايك مولن وتستفسر منه عن حال التململ الواسعة التي تعصف بجنرالات البنتاغون، وقد باتوا يجهرون بان قوات الدولة الاقوى في العالم باتت "منهكة" بسبب حروب بوش، بل ان احدهم اعلن بصراحة ان بلاده لا تتحمل فتح جبهة ثالثة في ايران، بعد العراق وافغانستان.

 

اما حديث رايس المسهب عن انجازات رئيسها الديمقراطية في المنطقة عموماً، وفي العراق خصوصاً فينطبق عليه المثل المعروف "اذا لم تستح فقل ما شئت"، اذ يكفي ان تعلن حكومة المنطقة الخضراء في بغداد عن الافراج عن 20 الف سجين عراقي في اطار المصالحة الوطنية، لكي نعرف كيف بات العراق سجناً امريكياً كبيراً، ويكفي ان تتذكر كيف ان حملات عسكرية تجردها القوات الامريكية واعوانها على امتداد العراق، ولا توفر حتى مسقط رأس المالكي نفسه في "الهندية"، عشية كل "استحقاق انتخابي" او "استفتاء" لتكتشف ما هي طبيعة هذه الانتخابات والاستفتاءات التي اولها مجازر وحملات تأديب وآخرها تزوير وتلاعب بالصناديق، ناهيك عن نظام المحاصصة الطائفية والمذهبية والعرقية وهو بالتعريف مناقض للديمقراطية القائمة على مبدأ المساواة والمواطنة والكفاءة، وكما هو في الواقع تمهيد للاستبداد والتفرد داخل كل جماعة، وللتقسيم والانفصال على مستوى الوطن برمته.

 

اما في فلسطين، فيبدو ان رايس المشغولة _ على ما يبدو – بتعداد انجازات مؤتمر انابوليس، وبتطبيق خارطة الطريق الرباعية، وباحياء مهمة "بلير" الشرق اوسطية، وقد نست كيف ان ديمقراطية ادارتها تجلّت برفض الاعتراف بنتائج صناديق الاقتراع التي حملت (حماس) الى المجلس التشريعي، ونست ان 48 وزيراً ونائباً في هذا المجلس هم في السجون الاسرائيلية، وتناست حجم الضغوط التي تمارسها في كل زيارة للمنطقة، وقد بات عددها كبيراً، على رئاسة السلطة الفلسطينية لمنعها من الحوار مع حماس تحت طائلة وقف المفاوضات مع اولمرت، وهي مفاوضات لا تخرج من نفق مسدود حتى تدخل في نفق مسدود آخر، طبعاً حتى لا نسترسل في الحديث عن انتهاكات حقوق الانسان والعقوبات الجماعية في غزة وعموم الارض الفلسطينية التي يتلوى في احشائها "كالثعبان" جدار الفصل العنصري، وعن وجود اكثر من 12 الف سجين في معسكرات "الديمقراطية" الاسرائيلية، وعن التوسع المضطرد في عدد المستعمرات رغم كل الاتفاقات والوعود.

 

لن نتحدث عن "الديمقراطية" و "حقوق الانسان" في سائر بلدان المنطقة، فيما نعيش الذكرى الاولى لمجزرة المسجد الاحمر في باكستان، فهو أمر سنتركه للشعوب في علاقتها مع الحكام بعيداً عن اي تدخل او استغلال امريكي، ولكنني لا اعتقد أن منح المرأة "حق التصويت" في الكويت، وهو بالتأكيد انجاز ايجابي، هو صناعة امريكية اولاً، ولا اعتقد ايضاً ان هذا الانجاز يغطي العورات الضخمة في حال المرأة وحقوقها في دول اخرى صديقة لرايس وادارتها، كما لا ينسينا منح هذا "الحق" بالطبع اتساع واقع الاستبداد في عموم المنطقة التي تعتبر رايس معظم حكامها اصدقاء لها.

 

وفي النهاية، ولكي لا نظلم السيدة رايس، وهي اكاديمة عريقة، فضلاً عن موقعها السياسي، لا بد ان نعترف لجورج بوش بنجاحين باهرين، اولهما انه حوّل منطقة الشرق الاوسط الى بحيرة من الدماء والدمار والفوضى ولو بتكاليف عالية من ارواح جنوده وموارد بلاده وسمعتها، وثانيهما انه نجح في ان يكون الرئيس الاقل شعبية في حياة الولايات المتحدة الامريكية وهو أمر يحتاج الى قدرات "خارقة" بالتأكيد ...

 

معن بشور

9 يوليو 2008