الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

الليبراليون الجدد والتضامن القومي مع البشير

 

يبدو ان عقد المؤتمر القومي العربي دورته العشرين في الخرطوم بين 16- 19 نيسان / ابريل الماضي استفز عددا من الليبراليين العرب الجدد ، ذوي الخلفية اليسارية . إذ رأوا فيها تاييدا لرئيس غير ديمقراطي بتاثير مشاعر قومية لا تقيم وزنا للديمقراطية في مجافاة لاعتبارها احد الاهداف القومية الستة للمؤتمر . وادعاء هذا النفر من الليبراليين الجدد يبدو منطقيا في ظاهره فيما هو كلمة حق يراد بها باطل . ذلك لان القائلين به يتجاهلون عامدين ان مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية لم يختص الرئيس السوداني بالادعاء عليه بسبب طبيعة نظامه وانما لانه لم ينصع لمشيئة الادارة الامريكية والشركات متعددة الجنسيات وتمكينها من ثروات السودان وموارده ، فضلا عن انحيازه للقوى الشعبية العربية الملتزمة بالمقاومة خيارا استراتيجيا في الصراع العربي – الصهيوني .

 

ولعله لا يجافي الحقيقة الادعاء بان غير يسير من الليبراليين العرب الجدد هم اليوم اقرب للمراهنة على التدخل الامريكي في الشؤون القطرية العربية لاحداث التغيير الذي باتوا عاجزين عن احداثه . وهو ادعاء مما يرجح صحته اندفاع بعضهم في الدفاع عن المحكمة الجنائية الدولية واعتبارها انجازا تاريخيا لصالح الشعوب مهدرة الحقوق ، وكأنها متحررة من المداخلات والضغوط الامريكية وغير الامريكية ، وتتحرى الدقة والموضوعية فيما يصدر عنها من قرارات . في حين ان مدعيها العام في ادعائه على الرئيس السوداني باقتراف جريمة ابادة الجنس في دار فور لم يدعم ادعاءه باية اسانيد ثبوتية تؤكد مصداقيته . الأمر الذي يدعو للشك في صحة وسلامة ما بنى عليه مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية قراره بحق الرئيس البشير .

 

وللامة العربية تجربة مرة مع الادعاءات الدولية بحق الرؤساء العرب . إذ جرى توظيف الادعاء على نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بحيازة اسلحة الدمار الشامل ، الذي ثبت كذبه فيما بعد ، في تدمير دولة العراق ، وتفكيك جيشه ، وتبديد تراثه الوطني ، ونهب ثرواته العامة ، واعادة السيطرة الاجنيبة الاحتكارية على موارده النفطية . فضلا عن اشاعة "الفوضى الخلاقة " في ربوعه مما تسبب بقتل وجرح واعاقة مئات الالوف من مواطنيه وتهجير ما يتجاوز الاربعة ملايين منهم وتشريدهم داخل العراق وخارجة . ووضعه على عتبة التجزئة العرقية والمذهبية باعتماد المحاصصة في اقامة السلطة ، والنص على ذلك في الدستور الذي جرت صياغته واقراره في ظل الاحتلال وافتقاد شعب العراق حرية الارادة في تقرير مصيره .

 

وليس ينكر ان انظمة الحكم السودانية منذ الاستقلال اولت المركز والشمال اهتمامها الاول والاساسي ، على حساب الاطراف ، سواء في التنمية الاقتصادية ، أو الخدمات الاجتماعية . وبالتالي عانت الاطراف ولا تزال الحرمان الطويل والتهميش المتواصل . الامر الذي تفاعل جدليا مع كونها مراكز ثقل القبائل والجماعات التي لم تتعرب او تسلم ، مما يسر تواصل المداخلات الخارجية في الشأن السوداني ، التي كانت قد اعتادتها سلطة الانتداب البريطاني والارساليات التبشيرية الناشطة في جنوبي السودان منذ ثلاثينيات القرن الماضي . فضلا عن دور المداخلات الاستعمارية والصهيونية في تحفيز حركات التمرد منذ بداياته الاولى في جنوبي السودان ، التي استدعت بالتبعية ردات فعل حكومية غلب عليها الطابع العسكري . مما فاقم من حدة الازمة من ناحية ، واستنفذ غير يسير من الموارد العامة على حساب التنمية وتجاوز التخلف الموروث عن المرحلة الاستعمارية البريطانية من ناحية ثانية .

 

ويعلمنا تاريخ شعوب اسيا وافريقيا في العصر الحديث ان الدعوات والحركات المطلبية ، وإن هي انطلقت من محفزات محلية موضوعية ، نادرا ما سلمت من محاولات الاستغلال الخارجية ، والسودان أحد ابرز الامثلة على ذلك . وعليه استقر في الفكر السياسي لحركات التحرر الاسيوية والافريقية النظر للدعوات والحركات المطلبية في ضوء مواقف قادتها من وحدة التراب والنسيج الاجتماعي الوطني . فهي عادلة ومحقة وجديرة بالمساندة ما دامت ملتزمة بالحرص على الوحدة الوطنية والسلم الاهلي . أما إن هي ارتبطت بالقوى الخارجية الطامعة والمستغلة ، أو كان الانفصال غايتها المستهدفة ، افتقدت صفتها الوطنية وباتت موضوعا للشبهة والاتهام .

 

والتمرد في دار فور لا يخفي بعض قادة فصائله اعتمادهم على الدعم المالي والسياسي الخارجي ، وبالذات الامريكي والصهيوني . وعليه فتصدي نظام البشير للتمرد في دار فور ، مبرر وطنيا وقوميا ، بل وفي القانون الدولي العام . إذ هو تصد لتدخل خارجي في شأن سوداني خالص ، ودفاع مشروع عن وحدة السودان وسلامه وأمنه واستقراره . وفي تاريخ اوروبا المعاصر اكثر من مثال للتصدي لحركات التمرد الانفصالية ، برغم انعدام ارتباطاتها الخارجية ، كما في حال اسبانيا مع حركة الباسك ، وبريطانيا مع ايرلندا الشمالية .

 

وعملا بالتزام المؤتمر القومي العربي بقضايا الامة ، نص البيان الختامي لدورته العشرين ، فيما يخص السودان ، على رفض قرار المحكمة الجنائية الدولية بحق الرئيس البشير ، من منطلق الدفاع عن الذات العربية والكرامة العربية ، وتعرية كل المخططات العدوانية التي تستهدف السودان ، باعتبارها تستهدف كل الامة العربية . ولم يقف المؤتمر فقط عند دعم الرئيس وشعب السودان فيما يواجهانه ، وانما أكد في بيانه الختامي أن العدالة قيمة عليا لا تقبل القسمة أو التجزئة ، وان الديمقراطية حق لكل الشعب السوداني ، وطالب بان يكون العدل والديمقراطية طريق وحدة السودان واستقراره ، وأعلن بان تأمين حقوق الانسان في السودان ، والتماسك الوطني القائم على الولاء الوطني السوداني ، هما الطريق الامثل لصمود السودان في وجه كل القرارات والتحديات . كما دعا الحكومة السودانية الى إجراء الانتخابات النيابية في موعدها المقرر ، والحرص على ان تكون نزيهة وحرة ، وختم بتأكيد انه يجب حل قضية دار فور ضمن مشروع سوداني يحقق الأمن  والتنمية ضمن مصالحة وطنية شاملة .

 

وفي ضوء ما تضمنه البيان الختامي للمؤتمر القومي العربي بشأن السودان وقضية دار فور يتضح افتقاد الموضوعية في اتهام هذا النفر من الليبراليين العرب الجدد للمؤتمر وامانته العامة واعضائه بالانسياق وراء المشاعر القومية في تضامنهم مع الرئيس البشير . ذلك انهم في تضامنهم مع السودان المستهدف بشخص رئيس نظامه لم تغب القيم الانسانية والديمقراطية عما صدر عنهم ، سواء في مناقشاتهم خلال ايام المؤتمر الاربعة ، أو في لقاء بعضهم مع الرئيس البشير ، وحديث بعضهم الآخر مع اجهزة الاعلام السودانية التي رحبت بالمؤتمر واعضائه بما هو معهود بالسودانيين من كرم الضيافة ودماثة الخلق وكريم المحتد . ولا ادل على صحة رؤية المؤتمر القومي العربي لواقع الحال في سودان الصمود والتحدي من بداية تراجع حدة الحملة الظالمة التي سُخٌرت فيها المحكمة الجنائية الدولية ، واجهزة الاعلام السائرة في الركب الامريكي والصهيوني .

 

عوني فرسخ
  8 مايو 2009