الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

دلالة وتحديات قانون الاعتراف بيهودية اسرائيل

 

أقر الكنيست يوم الثلاثاء 26 مايو/ آيار الماضي بأكثرية 47 نائباً ومعارضة 34 ، القراءة الأولية لمشروع قانون الاعتراف بيهودية اسرائيل .  وينص القانون على أن أي تعبير عن معارضة يهودية الدولة من شأنه أن يؤدي الى كراهية أو تحقير أو الحنث بالولاء للدولة ومؤسساتها يعتبر مخالفة جنائية يعاقب عليها بالسجن لمدة عام .  وقد عارض القانون نواب الكتلة العربية وحزب ميرتس ، فيما انسحب نواب حزب العمل قبل التصويت عليه .  وفي معارضته أوضح النائب جمال زحالقة بأن القانون عنصري ينسف أبسط مبادئ الحقوق الديمقراطية ، ويؤدي الى سجن كل من يطالب بالديمقراطية الحقيقية ، بمن فيهم المحاضرين الجامعيين والمفكرين والسياسيين العرب واليهود الذين يطرحون مشاريع بديلة مثل دولة لكل المواطنين ودولة ثنائية القومية .

 

ومشروع القانون وإن صدر عن الكنيست الاسرائيلي بتأييد حكومة نتنياهو وأحزاب اليمين الصهيونية ، إلا أنه في الواقع العملي ليس سوى الترجمة الصهيونية للدعوات الأمريكية والأوروبية التي توالت خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة مطالبة الاعتراف باسرائيل "كدولة يهودية" .  وهي الدعوات التي لم تكن قد لقيت من أركان النظام الاقليمي العربي ، وبالذات الأنظمة الملتزمة بالسلام خياراً استراتيجيا ، الرفض الحاسم درئا لتداعياتها الخطرة على الحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة . وعليه يغدو مبررا التساؤل عما إذا وجدت زمرة غلاة العنصريين الصهاينة بقيادة الثنائي نتنياهو – ليبرمان في الدعوات الأمريكية والأوروبية والسكوت الرسمي العربي عليها ضوءاً أخضر للتقدم بمشروع القانون العنصري وتأييده ؟

 

ثم إن هذا القانون، وتلك الدعوات ليهودية الدولة، تطرح على الباحث سؤال لماذا الآن تطرح الدعوة وتجرى صياغتها في قانون ؟  والثابت أن هرتزل بدأ نشاطه الصهيوني بإصداره كتيب "دولة اليهود" سنة 1896، الذي عقد المؤتمر الصهيوني الأول على أساسه في السنة التالية في بازل السويسرية . وقد تضمن برنامج بازل قراراً بالعمل على "إنشاء مؤسسات يهودية تمثل جهود اليهود وتربطها وتجمعها من أجل انشاء الدولة العبرية" .  ومع ذلك فإن البيان الذي أصدره "مجلس الدولة المؤقت" يوم السبت 14/5/1948 بإعلان قيام اسرائيل لم ينص على اعتبارها "دولة يهودية" ، بل أعلن محافظتها على المساواة التامة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع سكانها دون تفرقة في الدين أو العرق أو الجنس.

 

وليس ينكر أن خلال سنوات 1948 – 1966 أخضع المواطنون العرب لحكم عسكري تكاملت فيه أنظمة الطوارئ الاسرائيلية مع قانون الدفاع البريطاني لعام 1945 ، بما يناقض أبسط المبادئ الأساسية للقانون والعدالة والحق.  إذ كان من صلاحيات الحاكم العسكري بموجب القرارات (109 – 111) نفي المواطن العربي من قريته ، ومثوله أمام الشرطة في أي وقت وأي مكان ، وإرغامه على الإقامة الجبرية في بيته، وتوقيفه قيد الاعتقال الإداري لفترة غير محدودة ، وإحالته للمحكمة العسكرية دون أن يكون له حق الاعتراض ، فيما كان لضباط الحكم العسكري صلاحيات واسعة لفرض الغرامات والعقوبات ، حتى من دون محاكمة.  غير أنه برغم قساوة ذلك النظام العنصري كانت "الاعتبارات الأمنية " ما يحتج به الحكام العسكريون . ولم يكن للمساس بيهودية الدولة أي فكر في تلك الاجراءات المتعسفة، ذلك لأنه لم يجر بداية نعت اسرائيل بالدولة اليهودية حرصاً من بن غوريون وأركان حزب العمل على اعطائها صورة الدولة الديمقراطية . فضلاً عن أنهم ظنوا أن سينخرط المواطنون العرب في حياة الدولة ، ويصبحوا مخلصين لها .  كما عبر عن ذلك مسؤول الكيرين كايمت ، "يوسف فايتس" لدى مناقشة القيادة الصهيونية موضوع الأقلية العربية غداة قيام اسرائيل.

 

وهكذا يتضح أن فكرة "الدولة اليهودية" تقع في صلب الاستراتيجية الصهيونية ، غير أن شعور بن غوريون والقادة الأوائل بالثقة بالحاضر وتفاؤلهم بالمستقبل ، وما كان عليه واقع الأقلية العربية غداة قيام اسرائيل ، جعلهم يعطون الأولوية للمظهر الديمقراطي على الجوهر العنصري، وعلى ذلك غُيب الاعلان عن "يهودية الدولة".  غير أن جملة المتغيرات والمستجدات في موازين القوى بحيث لم يعد مختلا لصالح التحالف الامبريالي – الصهيوني ، كما كانت عليه الحال سنة 1948.  وبخاصة التحولات في واقع المواطنين العرب في الأرض المحتلة من حيث الوعي والفعالية والكثافة السكانية . فضلاً عن افتقاد اسرائيل قوة الردع وسقوط أساطير التفوق الصهيوني المدعى بها ، وغلبة القلق على الحاضر والشعور بانسداد آفاق المستقبل المتعاظمين في أوساط التجمع الاستيطاني الصهيوني . كل ذلك متفاعلاً استدعى الفكرة المتأصلة في فكر القيادات الصهيونية ورعاتها على جانبي الأطلسي .وبالتالي فالدعوات الأمريكية والأوروبية، كما القانون الاسرائيلي، ليست إلا من بعض تداعيات المأزق التاريخي الذي يعانيه التحالف الامبريالي – الصهيوني.

 

غير أن القانون العنصري ، وإن عبر صدوره عن أزمة الكيان ومأزق رعاته، إلا أن السكوت عليه يتضمن إقراراً ضمنياً بالاجراءات المعتمد تنفيذها عند وضعه موضع التنفيذ .  والتي بدأت مؤشراتها مبكراً ، إذ في أعقاب جلسة الكنيست ، وفي مواجهة اتهام النائب جمال زحالقة حكومة نتنياهو بالعنصرية لإصدار هكذا قانون، صرخ في وجهه النائب الصهيوني "اريه الداد" قائلاً : "إذا لم يعجبك الوضع اخرج هاجر" .  وبالتالي فالتهجير القسري "الترانسفير" غدا سيفاً مسلطاً على رقاب المليون ونصف مليون مواطن عربي فلسطيني، أصحاب الوجود الطبيعي والتاريخي في أرض آبائهم وأجدادهم.  فضلاً عن أن "يهودية" الدولة ستشكل عقبة إضافية أمام عودة ستة ملايين لاجئ فلسطيني واستردادهم عقاراتهم المغتصبة، والتعويض عليهم بموجب القرار 194 الذي والت الجمعية العامة للأمم المتحدة تأكيده بحيث اكتسب قوة القانون الدولي العام.

 

والقانون العنصري الذي أقره الكنيست في القراءة الأولى ، وإن كان قد جرى التراجع عنه راهنا ، إلا أن اعادة طرحه واقراره تظل احتمالا واردا . وبالتالي فالفكرة لا تشكل فقط تحدياً للمواطنين العرب في الأرض المحتلة سنة 1948، وفلسطينيي الشتات وللقوى العربية كافة ، خاصة الملتزمة بالمقاومة خياراً استراتيجياً ، وانما أيضاً للنظام الاقليمي العربي ، كما للقوى والعناصر التقدمية والديمقراطية ، وبالذات الأمريكية والأوروبية منها .  ومع اليقين بأن لدى مواطني الجليل والمثلث والنقب الإرادة والقدرة والعزم لتقديم الاستجابة الفاعلة للتحدي الذي قد يواجهونه . غير أن هذا لا يغني عن سؤال المصالحين والمطبعين العرب ، ومن هم على دربهم :  هل يجوز الصلح والتطبيع مع تجمع استعماري استيطاني عنصري إجلائي يقدم في كل يوم البرهان على أن السلام معه هو المستحيل بعينه ؟

 

عوني فرسخ

8 يوميو 2009