الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

وقفة مع اعلان الدوحة

 

القمم العربية وغير العربية مرايا عاكسة للواقع السياسي – الاجتماعي في الاقطار المشارك ممثلوها فيها . وفيما يتصل بالقمم العربية الملاحظ أنه منذ عقد اولاها ، في أنشاص سنة 1941 بدعوة من الملك فاروق ، لم تسلم من المداخلات الدولية والاقليمية في مداولاتها والبيانات الصادرة عنها . فضلا عن أن اعتماد قاعدة الاجماع في التصويت  على القرارات العربية تسبب في ندرة تجاوزها حدود ما يرتضيه ممثل النظام الاشد تأثرا بالخارج . وحين تٌقوٌم مداولات وبيانات القمم العربية استنادا لحقائق الواقع القطري يمكن الاستدلال على مدى تعبير القمة عما تمتلكه الامة العربية من امكانات مادية وقدرات بشرية ، ودرجة منعة القمة تجاه المداخلات والضغوط الخارجية ، ومستوى تجاوبها مع مصالح وطموحات الشعوب العربية . وفي حدود هذه الرؤية تأتي هذه الوقفة مع إعلان الدوحة في محاولة تسليط الضوء على جوانبه الايجابية والسلبية .

 

          وأول ما يلفت النظر في إعلان الدوحة ، المتضمن الخطوط العريضة لبيان القمة الحادية والعشرين الختامي ، الاجماع على رفض قرار المحكمة الجنائية الدولية ضد الرئيس البشير ، مما يؤشر لتغيير بالغ الاهمية في موقف رموز النظام الاقليمي العربي . ذلك أن القادة المشاركين وجدوا في صمود البشير والتفاف غالبية شعب السودان حوله ، والتضامن الشعبي العربي معه ، ما قوى اراداتهم بحيث رفضوا قرارا يؤيده مجلس الامن وتقف وراء اصداره الادارة الامريكية وحلفاؤها الاوروبيون والصهاينة . وحين يقارن موقف التحدي هذا بما كان في قمة بيروت العام 2002 تجاه الرئيس الراحل عرفات ، حين كان محاصرا في رام الله ، تتضح أبعاد النقلة النوعية في موقف أركان النظام الاقليمي العربي تجاه المداخلات الخارجية ، وما أحدثته المقاومة والحراك الشعبي العربي الداعم للصمود من تطور ايجابي في المنعة العربية . كما أن في ذلك دلالة على المتغيرات المستجدة في المناخ الدولي والعربي لصالح القوى الملتزمة بالمقاومة خيارا استراتيجيا .

 

وثاني ما يلفت النظر في إعلان الدوحة توجيه القمة تحية إكبار وإجلال للشعب العربي الفلسطيني لمقاومته الباسلة للعدوان الاسرائيلي ، وتأكيد دعم صمود قطاع غزة ومقاومته ، والمطالبة برفع الحصار وفتح المعابر كافة ، وملاحقة المسؤولين الاسرائيليين عن جرائمهم بحق القطاع ومواطنيه وإحالتهم للمحاكم الدولية . وبرغم الاشادة بالمقاومة استبعد رموزها من حضور القمة ، فيما حضرها رموز اوسلو معادو المقاومة والمشاركون في حصار القطاع واعاقة فتح معبر رفح . وهل كانت القمة تقع في هكذا تناقض لو كان هناك اجماع فلسطيني على اعتبار المقاومة خيارا استراتيجيا ، وحراك شعبي نشط خاصة في الضفة المحتلة رافض المفاوضات اللامجدية ، او لو لم تلتزم كوادر فتح السكوت تجاه تحولها من حركة تحرير الى اداة تمرير التنازلات المجانية ؟ فضلا عن أنه ليس فيما تناقلته وكالات الانباء عن مداولات القمة ما يدل على احتمالات الترجمة العملية لما تضمنه الاعلان بشأن دعم المقاومة ورفع الحصار وفتح المعابر ، وملاحقة المجرمين الصهاينة . فلا المقاومة رصدت لها الاموال التي تغنيها عن الدعم غير العربي موضوع التشكيك في دوافعه  وغاياته . ولا الحصار اتخذت الاجراءات العربية لرفعه ، ولا حتى مطالبة العرب المشاركين في فرضه بالتراجع عن مساهمتهم في إلحاق ابلغ الضرر بمواطني القطاع ، ولا تمت التوصية بالتقدم للمحكمة الجنائية الدولية بالشكوى ضد مرتكبي الجرائم الصهيونية الموثقة .

 

وثالث ما يلفت النظر في إعلان الدوحة التناقض القائم بين التأكيد على مواصلة الالتزام بالمبادرة العربية ، وبين النص على التوصل لحل عادل ومتفق عليه لمشكلة اللاجئين . وكانت قمة بيروت العام 2002 ، نزولا على اصرار الرئيس اللبناني السابق اميل لحود ، ضمنت المبادرة قرار الامم المتحدة رقم 194 بحق اللاجئين بالعودة لديارهم واستردادهم املاكهم والتعويض عليهم . إلا أنه بعد ست سنوات على طرح القمة بصيغة بيروت . أعلن شمعون بيريز ، وايهود أولمرت الاستعداد للنظر في المبادرة بصيغتها الاولى ، اي بعد استبعاد القرار 194 الدولي . وعليه فإن تضمين اعلان الدوحة النص على "الحل العادل المتفق عليه" يحمل شبهة الاستجابة للمطلب الصهيوني المدعوم امريكيا ، والمقبول من محمود عباس وأركان سلطته .

 

ورابع ما يلفت النظر في اعلان الدوحة ما تضمنه بشأن العراق المحتل بالنص على الالتزام باحترام وحدة العراق وسيادته واستقلاله وهويته العربية والاسلامية ، ودعم المسار السياسي الذي يرتكز على المشاركة الكاملة لمختلف مكونات الشعب العراقي وفقا للتصور العربي الذي اقرته القمة . دون أي  ذكر لقوى المقاومة ، وهي التي تصدت للغزو الامريكي وأدواته المحلية منذ اليوم الاول لاحتلال بغداد دفاعا عن وحدة العراق وطنا وشعبا ، وهويته العربية الاسلامية ، وتفاعله مع عمقه القومي العربي . بل وهي التي افشلت تنفيذ مخطط التفتيت العرقي والطائفي المستهدف امريكيا وصهيونيا ، ولما تزل تتصدى للقوى الساعية لتنفيذه . وليس فيما نقل عن مداولات القمة انها بحثت في دعم المقاومة الوطنية العراقية ، او رفض الاتفاقيات التي وقعت في غياب ممثلي العراق الحقيقيين ، او المطالبة بالافراح عن الاف المعتقلين من مناضلي العراق ، أو توفير المناخ الملائم لعودة المهجرين في داخل العراق المحتل وخارجه . مما يبقي ما ورد في اعلان الدوحة حول العراق منصبا في قناة قوات الاحتلال الدولية وادواتها المحلية المتسلطة على شعب العراق .

 

وخامس ما يلفت النظر في اعلان الدوحة النص على مواصلة الجهود لتطوير وتحديث العمل العربي المشترك ، وتفعيل آلياته بما يكفل بناء المجتمع العربي المتكامل . والملاحظ بهذا الصدد ان القمة رحلت المبادرة اليمنية حول قيام اتحاد عربي ، وتفعيل آليات العمل المشترك الى الاجتماع الوزاري العربي . وهو ترحيل يدل على استهانة اركان النظام العربي تجاه كل ما يمس تفردهم بصناعة القرارات القطرية ، وواقع التجزئة المستفيدة منه مجرد شريحة محدودة للغاية من النخبة على حساب مصالح الاكثرية المتضررة من واقع لم يعد يوفر لها متطلبات العيش الكريم ، ولا هو مؤهل لمواجهة تداعيات الازمة المالية العالمية وما قد تولده من تفجرات اجتماعية في العديد من الاقطار العربية المؤكد تضررها .

 

والذي يمكن قوله في تقويم القمة الحادية والعشرين انها تجاوزت بعض الخطوط الحمر الامريكية الضابطة للحراك السياسي العربي منذ العام 1973 . إلا أن النظام الاقليمي العربي لما يزل بعيدا عن توظيف ما تمتلكه الامة من امكانات وقدرات بما يحقق مصالح الشعوب العربية ويلبي طموحاتها المشروعة.

 

عوني فرسخ
8 أبريل 2009