الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

لماذا يتصدر اللاجئون العراقيون قائمة طالبي اللجوء في العالم؟

 

تثير الاخبار التي تنشرها الوكالات المختصة والاعلامية عن قوائم اللجوء العالمية الكثير من التساؤلات وتطلب في الوقت نفسه تحميل المسؤولية للجهات المعنية والمكلفة بمثل هذه الحالات. انها تتحدث عن جموع بشرية تكابد صعوبات العيش والامن والاستقرار في بلدانها وتضطر (او تختار) الى الهجرة واللجوء وتعاني من اوضاعها وحالات اللجوء واماكنه ومستوياته وطبيعته وظروفه. وكي تكون الصورة واضحة ومعلومة لابد من تسليط الاضواء عليها والتوقف عندها بمسؤولية قانونية واخلاقية والعمل على ايجاد افضل الحلول لها ومحاسبة الجهات التي تسهم في صناعتها. وحين تخصص او تحدد انتساب هذه الارقام من اللاجئين فيها لمن يتصدرها. سواء من العراقيين او غيرهم، يصبح السؤال مشروعا، واذا ارتبطت هذه الاحصائيات بالوضع السياسي في العراق الآن ومقارنته مع اوضاع افغانستان والصومال، فالسؤال اكثر مشروعية هنا، لماذا من هذه البلدان بالذات ومن المسؤول او من يتحمل المسؤولية عنها؟ والمعروف ان هذه البلدان بالذات تتعرض لاحتلال قوات عسكرية امريكية واطلسية مباشر او بالنيابة، وانها بحكم القانون الدولي والانساني واتفاقيات جنيف الاربعة وملاحقها تحمل الادارة الامريكية والحكومات الغربية المسؤولية كاملة عن هذه الاوضاع عامة. اما بخصوص اوضاع اللجوء واللاجئين واحوالهم وكيف يعيشون واين يقيمون وكيف تحل مشاكلهم فهذه اسئلة اخرى، اضافية ومحرجة وصعبة وقاسية في اغلب الاحوال. فضلا عن ان هذه البلدان بالذات تعتبر من البلدان الغنية بثرواتها الطبيعية والتي لا تعاني من اوضاع اقتصادية تكون سببا وراء اللجوء، بل العكس هو السبب وراء احتلالها وتصنيع هذه الحالات ضمن سياسات استعمارية وبابعاد وتداعيات اخرى.

 

نقلت وكالات انباء ان المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة اعلنت مؤخرا: "أن العراقيين الذين فروا من العنف في بلدهم ما زالوا يحتلون للسنة الرابعة على التوالي الصدارة على لائحة طالبي اللجوء في الدول الغربية ، متقدمين على الأفغان والصوماليين. وقالت المفوضية في تقرير لها أن "ما مجموعه 185 ألف طلب لجوء سجلت خلال الأشهر الستة الأولى من هذا العام في 38 دولة أوروبية، بالإضافة إلى الولايات المتحدة وكندا واليابان وأستراليا ونيوزيلاندا وكوريا الجنوبية". وأوضح التقرير أن "العراق بقي للعام الرابع على التوالي في المركز الأول لجهة عدد طلبات اللجوء المقدمة والذي وصل إلى 13200 طلب، في حين كان عدد طالبي اللجوء الأفغان 12 ألفا، والصوماليين 11 ألفا، وحلوا في المركزين الثاني والثالث كأكبر مجموعات تلتمس اللجوء في العالم، وذلك نتيجة استمرار تدهور الأوضاع الأمنية في أجزاء كبيرة من بلديهم". وقال المفوض السامي لشؤون اللاجئين انطونيو غوتيريس إن "هذه الإحصاءات تبين أن أعمال العنف وعدم الاستقرار في بعض بقاع العالم تجبر أعدادا متزايدة من الأشخاص على الفرار والبحث عن الحماية في دول آمنة". وأضاف أن "هناك حاجة شديدة بالنسبة إلى الدول أن تكون أبوابها مفتوحة للذين هم في حاجة حقيقية للحماية الدولية".

 

هكذا قدر وحكم تقرير المفوضية التابعة للامم المتحدة، ووضع الارقام التي تناسبه وبرودة اعصاب وكانه يقرر حجم اشياء اخرى غير هذه الحيوات الانسانية ومعنى ان تكون لاجئة ومهاجرة من ارضها ومحيطها وتكوينها التاريخي والاجتماعي وغيره. وهي ارقام بلا شك لا تتطابق مع واقع الحال، فان اعداد اللاجئين من تلك البلدان وحدها وبحسب الاحصائيات الرسمية والاعلامية التي تقرها المفوضية  اكثر واعلى منها وتصل الى اضعاف كبيرة منها، وهذه كارثة اخرى لهؤلاء الضحايا الجدد لما تسميه المفوضية بالعنف في تلك البلدان، غاضة الطرف عن الاحتلال ومسؤوليته، وعن مصادر العنف الخارجية والتي تلعب دورا اخطر في عمليات التهجير القسرية وصناعة حالات اللاجئين المتزايدة. واذا اضيف لهذه الارقام حالات اللجوء الداخلية، واعدادها المتصاعدة والاوضاع التي يعيشها ضحاياها فان حجم المعاناة يكون اكبر مما تضعه بيانات المفوضية وغيرها. واذا فشلت المفوضية والحكومات المحلية وقوات الاحتلال واداراتها في هذه البلدان من توفير الحياة الطبيعية للسكان فكيف ستكون عليه امور هؤلاء اللاجئين حاليا ومستقبلا؟ وماذا تسميهم المفوضية والدول المحتلة لبلدانهم؟.

 

أشار التقرير إلى أن "أوروبا وحدها استقبلت 75% من كل طلبات اللجوء رغم أن الولايات المتحدة ما زالت اكبر دولة مستقبلة للاجئين بنسبة تقدر ب13% من مجموع الطلبات المقدمة إلى الدول الصناعية (23700 طلب)". وتأتي فرنسا في المرتبة الثانية كدولة مستقبلة بنسبة 10% من الطلبات (19400 طلب) ثم كندا (18700 طلب) ثم المملكة المتحدة (17700 طلب) ثم ألمانيا في المرتبة الخامسة (12000 طلب).

 

يحاول تقرير المفوضية ان يخفف عبء اوضاع اللاجئين عن كاهل الدول الغربية التي تسهم في استعمار البلدان ونهب ثرواتها وخيراتها وتدمير بلدانها وتخطيط الهيمنة عليها وعلى مناطقها الجغراسياسية، ويقسم استقبالها للاعداد منها في اطار التفاهم والتقسيم الدولي لحالات اللاجئين ومستقبلهم وتطورات قضايا بلدانهم وحاجات تلك البلدان لهم. وقد لفت التقرير مثلا إلى انخفاض حاد في طلبات لجوء العراقيين إلى السويد التي كانت وجهتهم المفضلة، وذلك بعد اعتبار محكمة الهجرة في عام 2007 الوضع في العراق ليس "صراعا مسلحا" ورفضت طلبات عديدة منهم. فانتقلت طلبات اللجوء إلى دول أخرى مثل ألمانيا وفنلندا والنرويج. واشار التقرير الى أن "عدد الطلبات المقدمة لا يساوي بالضرورة عدد الأشخاص لان بعض الناس يقومون بتقديم طلباتهم إلى أكثر من دولة في السنة نفسها أو أكثر من مرة واحدة إلى الدولة نفسها". وهذا القول يشبه الاعتذار المسبق عن مسؤولية المفوضية وتعاملها مع هذه الحالات الانسانية وما يحكى او يروى عنها.

 

وكان البيت الأبيض قد أعلن في 15 آب/ أغسطس الماضي أن الرئيس الأمريكي باراك اوباما استحدث منصبين مخصصين لإدارة المساعدات لملايين النازحين واللاجئين العراقيين، وذلك بالتعاون مع الحكومة العراقية. فاذا كانت هذه الارقام مثيرة واخذ البيت الابيض علما بها فمن يتحمل المسؤولية عنها ولماذا حصل ويستمر دون توقف؟.

 

كاظم الموسوي

7 نوفمبر 2009