الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

هذا الترحيب الشاذ بقرار تقسيم العراق

 

     أقر مجلس الشيوخ الامريكي بما يقارب الاجماع اقتراح عضو ديمقراطي بانشاء ثلاثة اقاليم فيدرالية في العراق المحتل على أساس عرقي ومذهبي . وذلك في استهانة صارخة بسيادة العراق ، وتهديد خطير لوحدة ترابه الوطني ونسيجه المجتمعي وأمن وآمان مواطنيه ، وافتئات مفضوح على حق شعبه في اختيار النظام الاكثر توافقا مع تراثه في العيش المشترك والسلام الاجتماعي . وبالتقاء شيوخ الحزبين الجمهوري والديمقراطي على تأييد القرار ما يدل على اجماع امريكي على اعتماد مخطط تقسيم العراق وإذكاء النزاعات فيما بين قواه السياسية ، باعتبار ذلك ما يؤمن المصالح الامريكية بعد انسحاب قوات الاحتلال تحت ضغط المقاومة متصاعدة الفاعلية والتأثير .

 

     وللقرار الأمريكي ، وإن كان خاصا بالعراق المحتل ، دلالته العربية العامة . فهو اولا يتجاوز القانون الدولي وشرعة حقوق الانسان في التعامل مع الشعوب العربية  ، باهدار حقها في تقرير مصيرها واختيار انظمتها السياسية والاقتصادية وتوجهاتها الاجتماعية ، إن لم تكن متوافقة مع المصالح الاستغلالية وطموحات الهيمنة الامريكية . والمثال الحي رفض نتائج انتخابات المجلس التشريعي في الضفة والقطاع المحتلين التي فازت بها حماس على خلاف ما كان  يأمله صناع القرار في واشنطن والقدس المحتلة . وهو ثانيا يؤشر الى اعتماد استراتجية تفتيت الاقطار العربية لاقامة " الشرق الاوسط الكبير الجديد "المشكل من كنتونات عرقية وطائفية تدار في الفلك الامريكي باشراف صهيوني .

 

      وقد رأت غالبية القوى السياسية العراقية في القرار الامريكي محاولة تحفيز التناقضات الثانوية فيما  بين ابناء الوطن الواحد لتغدو تناقضات رئيسية تتقدم في الاولوية والاهتمام على تناقضهم العدائي مع القوى الخارجية المستهدفة العراق وامكاناته المادية وقدراته البشرية وتراثه الحضاري . وعليه التقت على ادانته فور صدوره ، مستنكرة التدخل الامريكي في شأن خاص بدولة عضو مؤسس في جامعة الدول العربية وبين أوائل اعضاء الأمم المتحدة . وعليه اجمع اعضاء مجلس النواب العراقي على رفض القرار في جلسة طارئة ، شاركت في الدعوة لها كل من :  جبهة التوافق العراقية ، والائتلاف العراقي الموحد ، والتيار الصدري ، ومجلس الحوار الوطني ، وحزب الفضيلة ، والقائمة العراقية الموحدة ، والجبهة التركمانية ، والكتلة العربية المستقلة . فيما اعلن ممثل المرجع الشيعي الاعلى السيد علي السستاني رفضه وادانته للقرار . واما قوى المقاومة والهيئات والشخصيات الرافضة لما يسمى "العملية السلمية " ، فان في رفضها المبدئي للاحتلال وافرازاته ، والتزامها بمقاومته بكل الوسائل المشروعة ، الرد العملي على قرار مجلس الشيوخ الامريكي .

 

     وتوالت بيانات الرفض والادانة عن الانظمة والقوى السياسية وهيئات المجتمع المدني العربية؛ فأمين عام الجامعة العربية اعلن ادانته ورفضه للقرار ، كما أعلن أمين عام مجلس التعاون الخليجي رفض دول المجلس القرار الامريكي وتحميلهاالاحتلال وما تمخض عنه مسؤولية تدهور الاوضاع العراقية . كما ادان اليمن القرار باعتباره تدخلا غير مشروع بالشأن العراقي،  فيما اتفقت دول جوار العراق على عقد لقاء  تشاوري لاتخاذ موقف من القرار قبل اجتماعها في اسطنبول اواخر تشرين أول / أكتوبر القادم . وفي باريس اعلن مساعد الناطق بلسان الخارجية تمسك فرنسا بوحدة العراق وسلامة اراضيه وسيادته .

 

        غير أن رئاسة اقليم كردستان العراق شذت عما يبدو من اجماع عراقي وعربي واقليمي ودولي ، بل وخالفت ما التقى عليه بقية شركائها في "العملية السياسة " المدارة امريكيا . إذ اصدرت بيانا تضمن القول : "إن مواطني وحكومة اقليم كردستان العراق ترحب بقرار مجلس الشيوخ الامريكي لاعادة بناء العراق على اسس فيدرالية  ، وهو قرار يؤكد ثوابت الدستور العراقي " . وبيان رئاسة اقليم كردستان العراق ليس شاذا فقط وانما ينطوي أيضا على اكثر من دلالة جديرة بالتنبيه لها .

 

     أولى هذه الدلالات ، واشدها خطورة ، عدم اعتراض رئاسة اقليم كردستان العراق ، على استهانة الشيوخ الامريكين بسيادة العراق ، وتدخلهم المستفز بشؤونه ، وعدوانهم الصارخ على حق مواطنيه بالتشريع لانفسهم . وترحيب رئاسة الاقليم بقرار ينطوي على تهديد خطير لوحدة العراق ونسيجه الاجتماعي ، ويؤسس لصراح دام بين مواطنيه ظاهرة لها اكثر من مثال في مشرق الوطن العربي ومغربه .

 

    وثاني الدلالات ، التي لا تقل خطورة عن سابقتها ، تصرف رئاسة اقليم كردستان في شأن يخص الشعب العراقي على اختلاف تكويناته الاجتماعية ، دون مراعاة لمصالح بقية شركاء المسيرة والمصير . فهي  بادرت للترحيب بالقرار التقسيمي من غير استطلاع وجهات نظر بقية شركائها في "العملية السلمية" ، ناهيك عن قوى مقاومة الاحتلال ورفضه . وكأنها ارادات ان تضع الاخرين امام الأمر الواقع وفرض رؤاها عليهم . وحين يؤخذ في الحسبان ان الأكراد لا يجاوزون 20 % من مواطني العراق يتضح ان الاقلية تتصرف ، وكأنها باتت الاحق  والاولى بصناعة القرار الوطني ، مستقوية في ذلك بالدعم الامريكي  . وهي ظاهرة  ملموسة في المشرق والمغرب العربيين .

 

      وثالثة الدلالات عدم ادراك رئاسة اقليم كردستان انها بلا مبالاتها بوحدة التراب الوطني والنسيج الاجتماعي العراقي ، وغلبة الذاتي الخاص لديها على الكردي العام ، انما تلقي بظلال الشك على مواقف وممارسات الاكراد في دول الجوار ، الأمر الذي سينعكس على مواقف الانظمة وبقية مواطنيهم من حراكهم السياسي وانشطتهم الاجتماعية ، مما سيكون له تأثيره السلبي على طموحاتهم ومصالحهم المشروعة . وفي الساحة التركيــــة مثال ساطع .

 

      وآخر الدلالات محاولة تسويق التفتيت العرقي والطائفي في لبوس ديمقراطي .  ذلك لأن الفيدرالية حيث وجدت لم تقم على أسس عرقية او طائفية ، ولا هي حجمت دور السلطة المركزية لصالح السلطات المحلية ، وفي الحالة الامريكية برهان ذلك . والدستور العراقي ، الذي جاء القرار الامريكي يؤكد ثوابته على رأي رئاسة اقليم كردستان العراق . مطعون به لدور الاحتلال في صياغته واصداره ، ولانه أسس على قاعدة المحاصصة العرقية والمذهبية وليس على أساس المواطنة وتدعيم الوحدة الوطنية .

 

       فهل يكون هذا الترحيب الشاذ بالقرار التقسيمي الامريكي ، وهذه بعض دلالاته ، منبها لاخطار ما ترسمه الادارة الامريكية ، وتسخر في تنفيذه صقورا محلية تجيد الرقص ايقاع الانغام الصهيونية ودقات الطبول الامريكية ؟

 

    والسؤال الأخير : ماذا تقول رئاسة اقليم كردستان العراق بعد أن اعترفت وزيرة الخارجية الامريكية بأن قرار مجلس الشيوخ كان خاطئا ؟!!

 

عوني فرسخ

6 أكتوبر 2007