الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

المحرقة الصهيونية في عامها الستين

 

لم يأت بجديد نائب وزير الحرب الصهيوني بإنذاره قطاع غزة ، إذا لم يتوقف إطلاق الصواريخ على مستعمرات النقب ، بهولوكوست اكبر مما اقترفها النازيون . وذلك لتواصل تعرض الشعب العربي على مدى السنوات الستين الماضية ، لإرهاب الدولة الصهيوني بدعم وتأييد صناع القرار وأجهزة الإعلام على جانبي الأطلسي . علما بأن شعب فلسطين وحقوقه المشروعة كانا ، ولا يزالان ، الأكثر تضررا من الهولوكوست النازية ، لتوظيفها في تهجير اليهود إلى فلسطين ، واستصدار قرار التقسيم ، وتدفيع الألمان تعويضات عن جرائم العنصريين النازيين ، فيما كان الصهاينة ، ولا يزالون  ، وحدهم المستفيدين من تجارة الهولوكوست.

 

وكانت إدارة ترومان ، التي قادت  حملة انتزاع قرار التقسيم ، قد طالبت مجلس الأمن في آذار / مارس 1948 بالعدول عنه ووضع فلسطين تحت الوصاية ، لما تبينت عجز الصهاينة عن قهر إرادة المقاومة العربية ، رغم تفوقهم بالتدريب والسلاح والعدد ، حيث تجاوزوا الستين ألفا مقابل ما لم يصل العشرة آلاف مقاوم عربي . وتذكر الرواية الإسرائيلية الرسمية لحرب 1947 – 1948 ( ص 325 ) أن رئيس الأركان ايجال يادين قدم في 1/4/1948 تقريرا لبن غوريون تضمن القول  بان كل مراحل المعارك لغاية تاريخه فرضها العرب ، ولم يتمكن الصهاينة من التأثير في مجراها الاستراتيجي والعملياتي.

 

ويومها كانت منظمة "الجهاد المقدس " بقيادة عبدالقادر الحسيني تحاصر القدس والمستعمرات المجاورة ، وتكاد تفرض استسلام خمس الصهاينة- كما يذكر شامير في مذكراته  ص 89 و 90 - لولا امتناع "اللجنة العسكرية" للجامعة العربية عن تزويد الحسيني بالسلاح لحسم معركة القدس ، فعاد ليستشهد في القسطل يوم 8/4/1948 . وبالانشغال بتشييع القائد الشهيد في اليوم التالي سقطت القسطل بلا قتال  ، واقترف  الصهاينة  مجزرة دير ياسين.  

 

وكنتيجة لغياب القيادة ذات كفاءة في إدارة الصراع ، والهلع الذي أشاعته الإثارة الاعلامية الخرقاء لفظائع المجزرة ، ودعم سلطة الانتداب للصهاينة بإحكامها إغلاق الحدود لمنع النجدات الشعبية العربية ، والتقاء المعسكرين : الرأسمالي والاشتراكي على إنقاذ المشروع الصهيوني بالجسر الجوي الأمريكي لنقل السلاح التشيكي ومئات الطيارين والضباط والخبراء من أوروبا الشرقية . بكل ذلك متفاعلا خسرت المقاومة الشعبية العربية زمام المبادرة ، وتوالت الانتصارات الصهيونية ، وفكت حصار القدس ، واحتلت  يافا مركز ثقل المقاومة في الساحل.

 

ويذكر بني موريس ، كبير المؤرخين الإسرائيليين الجدد ، أن بن غوريون وضع مطلع نيسان / ابريل 1948 مخطط الترحيل القسري " الترانسفير " واصدر أوامر شفوية باقتلاع العرب من مدنهم وقراهم .  لقناعة القيادة الصهيونية بان دولة يهودية لن يكتب لها البقاء إذا بقي للعرب وجود مؤثر فيها . وفي لقاء موريس مع "هارتس" سنة 2005 ، بمناسبة قرب إصدار كتابه " إطلالة جديدة على مشكلة اللاجئين "  الذي ألفه استنادا لأرشيف القوات الصهيونية ، قال : "كانت هناك مجازر إسرائيلية أكثر بكثير مما كنت اعتقد ، وكانت هناك العديد من حالات الاغتصاب " . فيما يقرر د. سلمان أبو ستة - في كتابه حق العودة ص 122 – أن هناك نحو مائة مجزرة تحقق المؤرخون من وقوع 35 منها . كما يوثق لتهجير 805 آلاف ، يقاربون 85 % من مواطني  530 مدينة وقرية ، يملكون 18643 كلم2 ، ما يعادل 92 % من مساحة إسرائيل سنة 1949.

 

وكانت لبريطانيا السيادة على فلسطين ، باعتبارها دولة منتدبة ، وتتحمل بحكم التزامها الدولي المسؤولية التاريخية والأخلاقية لعدم تقديم الحماية للمواطنين العرب ، كما كانت تتصدى للقوات العربية أثناء حصارها للمستعمرات وقوافل الإمداد الصهيونية . فضلا عن إنها لم تمكن لجنة الأمم المتحدة ، المكلفة بالإشراف على تنفيذ قرار التقسيم ، من أداء مهمتها ، خلافا لما فعلته مع لجنة تقسيم الهند في السنة السابقة . مما يسر للصهاينة تجاوز حدود التقسيم باحتلال 50 % مما حدد للقسم العربي.

 

وصحيح أن الدول العربية لم تدع الفلسطينيين لمغادرة بلادهم ، إلا أنها لم تمكنهم من الدفاع عنها . إذ تولت جامعة الدول العربية إدارة الصراع ، وهمشت القيادة الوطنية الفلسطينية استجابة لضغوط دولية وعربية . بينما لم تعد للحرب عدتها ، إذ لم تتجاور قوات دولها السبع المشاركة الأربعين ألفا ، متعددي القيادات ، متبايني الغايات ، مقابل مائة وعشرين ألفا موحدي القيادة ، حسني التدريب والتسليح ، ولديهم  من عمقهم الأوروبي والأمريكي إمدادا متواصلا من السلاح والخبراء . وبالنتيجة كانت الحرب محسومة والنكبة محتومة.

 

وبرغم تراجع أحلام التمدد الجغرافي الصهيونية ، وسقوط أسطورة من الفرات إلى النيل ، لم تغب الدعوة العنصرية للتطهير العرقي ، التي دعا لها هرتزل في كتيب "الدولة اليهودية " ، باستعادة  فكرة الدولة العنصرية . وأدهى ما في الأمر محاولة توظيف الطموح الوطني الفلسطيني لإقامة الدولة في تحقيق ذلك ، بدعوة الرئيس بوش بان تكون إسرائيل "البيت القومي للشعب اليهودي" إلى جانب "البيت القومي للشعب الفلسطيني " . ولكنه بيت من معازل متنافرة ، لاتجاوز مساحتها 10 % من فلسطين التاريخية ، الغاية منها ضبط الفلسطينيين لحماية "امن " إسرائيل ، وتوفير العمالة الرثة رخيصة الأجر لتنمية الاقتصاد الصهيوني ، وان تكون معبر تمدد "التطبيع " في عموم الأرض العربية.

 

وكما كانت المحرقة الصهيونية في سنتها الأولى وسيلة بن غوريون لإخراج قواته من مأزقها ، وإنقاذ مشروع التقسيم من فشل لاحت نذره ، ونجاحه بالتبعية في إعلان قيام إسرائيل  ليلة 14/5/1948 . فان المحرقة في عامها الستين ، لا تستهدف الصواريخ ، "العبثية " على رأي الرئيس أبو مازن وحوارييه ، إلا كذريعة لاستعادة قوة الردع الصهيونية والهيمنة الأمريكية ، ولوقف تداعيات امتلاك المقاومة في لبنان وفلسطين زمام المبادرة الاستراتيجية ، والالتفاف حولها عربيا وإسلاميا وتأييدها من قبل أحرار العالم . والذي لم يفطن له صناع القرار الأمريكي والصهيوني أن الظروف العربية والصهيونية ، لم تعد مواتية للمحرقة في عامها الستين ، كما كانت عليه في عامها الأول.

 

والسؤال الأخير : إذا كان الرئيس بري يقرر أن غزة هي المستهدفة من وقوف البارجة كول قبالة الساحل اللبناني ، وهو محق ، فهل يشكل افشال غزة المحرقة الصهيونية في عامها الستين فرصة لمراجعة المصالحين والمطبعين مواقفهم ويتحرروا وسواهم من ثقافة الهزيمة ؟

 

عوني فرسخ

6 مارس 2008