الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

وقفة مع الرئيس عباس في حوار "العربية"

                           

أجرت فضائية "العربية" ليلة الخميس، الثامن والعشرين من الشهر الماضي، حواراً معمقاً مع الرئيس محمود عباس، أوضح فيه وجهة نظره في قضايا الحدود والمستوطنات واللاجئين والوحدة الوطنية والأسير جلعاد شاليط، بما يمكن اعتباره السقف الأعلى لمطالبه وفريق السلطة الذي يقوده. الأمر الذي يستدعي الوقوف مع طروحاته لبيان ما تنطوي عليه من مساس خطر بالثوابت الوطنية في مرحلة تتكثف فيها الجهود الرسمية العربية لرأب الصدع بين قيادات الفصائل، محدداً ذلك في النقاط التالية :

 

1- في موضوع الحدود قصر حديثه على ما احتل من الضفة والقطاع سنة 1967 ولم يأت بأي ذكر لما سبق احتلاله من التراب الوطني الفلسطيني. وبهذا يكون قد أضغى المشروعية على احتلال ما يجاوز 78% من مساحة فلسطين، في تناقض ليس فقط مع قناعة القطاع الأعظم من نخب وجماهير شعب فلسطين وأمته العربية، وانما ايضا مع "الميثاق الوطني" للمنظمة التي يرأس لجنتها التنفيذية.  فضلاً عن تناقض ذلك مع "اعلان الاستقلال" لسنة 1988 المؤسس على قرار التقسيم رقم 181 لسنة 1947.  ثم إنه بعد تأكيد قناعته بأن ما يعتبره حقاً وطنياً واجب الالتزام به انما هو استقلال الضفة والقطاع بما يشمل القدس وغور الأردن والبحر الميت وجميع الأراضي المحتلة سنة 1967 عاد وقال:  ولكن هذا لا يمنع اجراء تعديلات في الحدود، كما أنه لم يبين مستوى وطبيعة هذه التعديلات.  مما يعني في التحليل الأخير تسليمه بالمنطق الصهيوني الذي لا يعتبر الضفة والقطاع أرضاً محتلة وانما هي أرض متنازع عليها.

 

2- لم يأت على ذكر جدار الفصل العنصري وما ضم داخله من أراضي الضفة، ولا على الاستيطان الكثيف شرقي الجدار وفي أماكن تقترب من رام الله وبيت لحم.  وفي حديثه تبسيط مخل لخطورة الاستيطان في الضفة، فهو يقرر بأن المستوطنات سيجري تفكيكها كما سبق تفكيك مستوطنة ياميت واسترداد شرم الشيخ في سيناء، وتفكيك أربع مستوطنات في قطاع غزة، متجاهلاً تمايز الظروف الموضوعية في سيناء والقطاع عنها في الضفة.  فتفكيك ياميت والجلاء عن سيناء كان من بعض الثمن الذي دفعته اسرائيل لإخراج النظام المصري من الصراع. فيما كانت أوضاع قطاع غزة الديمغرافية وتصاعد المقاومة فيه على نحو خطر عاملين أساسيين في الانسحاب منه وتفكيك المستوطنات الأربع.  وكلا الأمرين غير قائم في الضفة المحتلة.  فضلاً عن وجود أكثر من مائتي ألف مستوطن مدججين بالسلاح في مستوطنات الضفة، مستعدين للقتال دفاعاً عن "حقهم" الاستيطاني.

 

3- تتجلى الاستهانة الأكبر بالحقوق الوطنية في تناوله لقضية اللاجئين، إذ بعد أن قال بأن هناك خمسة ملايين فلسطيني من حقهم العودة، اردف قائلاً:  ولكنني لن أطالب بعودتهم جميعاً لاسرائيل، فقد يعود عدد يتفق عليه معها، وقد يعود آخرون لأرض "الدولة" التي ستقام في الضفة والقطاع، وكما أن هناك تسعة ملايين لبناني في المهجر سيكون هناك مهاجرون يحملون جوازات سفر فلسطينية.  في حديثه عن اللاجئين تجاهل جملة حقائق:  أولها أن حق العودة لأرض الوطن حق من حقوق الإنسان كفلته شرعة حقوق الانسان.  ثم إنه حق مقر دولياً بالقرار 194 الذي قبلت اسرائيل عضوا في الأمم المتحدة سنة 1949 بعد أن أعلنت التزامها بتنفيذه، وقد والت الجمعية العامة للأمم المتحدة تأكيده في أكثر من ثلاثين دورة حتى اكتسب قوة القانون الدولي العام.  فضلاً عن أنه حق شخصي لا تملك أي سلطة المساس به.  وإذا كانت اسرائيل قد أصدرت غداة قيامها قانون "العودة" الذي يكفل لكل يهودي في العالم العودة لفلسطين المحتلة تأسيساً على اسطورة وعد إلاهي تعود لأكثر من ثلاثة آلاف سنة، فهل من الموضوعية والواقعية في شيء اسقاط حق عودة من هجروا قسرا من ديارهم قبل ستين عاماً فقط ؟!.

 

4- في اجابته عن سؤال المصالحة والوحدة الوطنية قال:  لقد قبلنا "المبادرة اليمنية" التي أقرها مؤتمر القمة في دمشق، وغدت بالتالي مبادرة عربية، ومصر تشهد حالياً مفاوضات مكثفة وصولاً الى اتفاق.  وأضاف:  وبعد ذلك ستقوم حكومة مؤقتة تجري انتخابات تشريعية ورئاسية، ثم تقوم حكومة وفاق وطني ولا أقول وحدة وطنية، حكومة تتيح فك الحصار.  قاصداً بذلك قيام حكومة تقبل بشروط "اللجنة الرباعية الدولية"، وهي الاعتراف باسرائيل، والالتزام بالاتفاقيات التي وقعها فريق أوسلو، والتوقف عن مقاومة الاحتلال.  ويبدو جليا ان الرئيس عباس انما يراهن على الموقف الرسمي العربي في تمرير اشتراطات الرباعية بعد أن عجز حصار الجوع عن تحقيق ذلك.

 

5- لعل أغرب ما صدر عن الرئيس في حواره الممتد ما قاله حول الأسير الصهيوني جلعاد شاليط من أن احتجازه كلف شعب فلسطين ألف ومائتي قتيل، معتبراً أن أسره والاحتفاظ به دافع اسرائيل للعدوان على القطاع والضفة المحتلين. وبدا الرئيس محملا حماس مسؤولية العدوان الصهيوني، متجاهلا أن التجمع الاستعماري الاستيطاني العنصري الصهيوني لا يحتاج ذرائع للعدوان، وان سجله حافل بالعمليات الاجرامية قبل قيام كيانه.  وعلى مدى سنوات اسرائيل الستين مارست ما يعتبر هولوكوست فلسطيني مفتوح كما وثق ذلك الباحث المتميز نواف الزرو في موسوعة صدرت حديثاً في عمان.  فضلاً عن تجاهله أن جلعاد شاليط ليس مستوطنا عاديا، وانما هو جندي مقاتل اسر من موقع عسكري، وهو باليقين ممن يصدق فيهم القول بأن ايديهم ملطخة بدماء النساء والأطفال العرب.  ثم إنه اسر في قطاع غزة، وهو محتجز فيه، فيما العدوان متواصل على الضفة والقطاع وليس على القطاع فقط.

 

6- بدلاً من أن يجد الرئيس محمود عباس في عملية أسر الجندي شاليط وعجز الأجهزة الصهيونية وعملائها عن اكتشاف موقع احتجازه ما يدل على سقوط قوة الردع الصهيونية، الأمر الذي يعزز قدرة الفريق الفلسطيني المفاوض بتحريره من الشعور بالهزيمة المسكون به حتى النخاع.  والذي يذكر انه طالما اعتاد المفاوض الصهيوني التذكير بانتصار "حرب الأيام الستة"، للتأثير سلبياً في نفسية المفاوض العربي.  غير أن أداء المقاومة المتميز في جنوبي لبنان والضفة والقطاع أسقط أساطير التفوق الصهيوني، مما أثر في ميزان القدرات والأدوار، الذي كان راجحاً لصالح التحالف الاستعماري- الصهيوني، إذ لم يعد بمثل ما كان عليه من ثبات بعد أن غدت المقاومة صاحبة دور مؤثر متنام في الأحداث، بل وتتقدم حثيثاً لامتلاك المبادرة الاستراتيجية في الصراع التاريخي.

 

وأخيراً: ما هي انعكاسات طروحات الرئيس عباس في حوار "العربية" معه على المباحثات الجارية الفصول في القاهرة؟  وهل ستقبل الفصائل، وبالذات حماس والجهاد، طروحات مهندس أوسلو كأساس لتوافق محكوم باشتراطات الرباعية الدولية ؟!!

 

عوني فرسخ

4 سبتمبر 2008