الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

في ذكرى تحرير القدس من الاحتلال الصليبي

                           

في الثاني من أكتوبر/ تشرين أول 1187 دخل صلاح الدين القدس محرراً بعد ثمانية وثمانين عاماً من الاحتلال الصليبي.  ويجمع المؤرخون أنه حاول فتحها صلحاً احتراماً لقدسيتها وحرصاً على معالمها الأثرية.  ولكن الصليبيين داخلها كانوا يشعرون بالقوة بعد أن انضم إليهم كثير من المدن والقلاع التي فتحت عنوة بعد معركة حطين التاريخية.  وكان أمير الرملة الصليبي أسيراً وقد استأذن صلاح الدين لإحضار أسرته من المدينة المحاصرة، ولكنه حنث بقسمه وتولى قيادة المحاصرين.  مما دفع صلاح الدين لبدء هجوم لم يطل إذ سرعان ما استسلم المحاصرون. وقد أبقى على حياة جميع المسيحيين وسمح للفرنجة واللاتين منهم بالمغادرة خلال أربعين يوماً لقاء فدية، قدرها عشرة دنانير للرجل وخمسة للمرأة وديناران للصبي.  فيما ثبت أوضاع المسيحيين العرب والسربان وصان لهم حقوقهم وأملاكهم واعتبرهم "أهل ذمة".

 

        ويجمع مؤرخو المرحلة على الاشادة بمواقفه يومها، إذ سمح بخروج البطريرك الافرنجي الأكبر بما يحمله من أموال البيع وذخائر المساجد التي كان الغزاة قد غنموها.  ولم يأخذ باعتراض أعوانه الذين رأوا أن البطريرك سيقوى بهذه الأموال على حرب المسلمين.  كما أنه استجاب لرجاء أميرات ونبيلات الافرنج باطلاق سراح رجالهن، وأعفى من الفدية المعوزين من الشيوخ والعجائز.  ولم تغلق كنيسة القيامة سوى ثلاثة أيام سٌمح بعدها للحجاج الافرنج بزيارتها.

 

        ويقرر المؤرخ البريطاني ار. سي. سميل – في كتابه الحروب الصليبية ص 50 – 52 – أن الافرنج ومشاركيهم من الشعوب الأوروبية انطلقوا للشرق وهم أسرى ثقافة مشوهة ومضللة صيّرتهم شديدي التعصب، بحيث اعتبروا المسيحيين الشرقيين "هراطقة" والمسلمين "كفرة" وِ"برابرة".  كما كانوا على قناعة بأنهم يخوضون حرباً دينية غايتها "تحرير" القبر المقدس وتخليص وامتلاك الأرض التي تفيض لبناً وعسلاً كما تقول التوراة.

 

        والثابت أنه ما بين الرها في الشمال الشرقي وانطاكية في الشمال الغربي والقدس والرملة في الجنوب لاقت كل مدينة وبلدة أبت الاستسلام بشروط الغزاة التقتيل والتدمير والنهب، وتشرد الذين كتبت لهم النجاة من المواطنين مسلمين ومسيحيين.  وفي هذه يقول المؤرخ  د. نقولا زيادة:  "الحملة الصليبية الأولى، والفظائع التي ارتكبتها في طريقها وفي احتلال القدس ليس مما يشرف.  وقد ظهر لنا رغبات الصليبيين من خلال تصرفهم مع مسيحيي فلسطين أنفسهم، فقد استولوا على أديرتهم، وطردوهم من الكنائس والبيوت، فتبعثر المسيحيون في جهات فلسطين وشرق الأردن، وسار البطريرك الى القاهرة ليعيش في حماية الفاطميين".

 

        وغداة احتلالهم القدس سنة 1099 اقترفوا بحق مواطنيها مذبحة رهيبة، يقول فيها جوستاف لوبون – في كتابه حضارة العرب ص 287 – "لم يكتف قومنا الصليبيون الأتقياء بضروب العسف والتدمير والتنكيل التي اتبعوها، بل عقدوا مؤتمراً اجمعوا فيه على ابادة جميع سكان القدس من المسلمين واليهود وخوارج النصارى، الذين كان عددهم 60 ألفاً فأفنوا عن آخرهم، ولم يستبقوا منهم امرأة أو شيخاً".

 

        وغداة احتلال القدس حولوا المساجد والكنائس الشرقية إلى كنائس لاتينية.  وقد اطلقوا على مسجد قبة الصخرة اسم "هيكل الرب"، أما المسجد الأقصى فقد حولوا معظمه لكنيسة باسم "هيكل سليمان"، واتخذوا ما تبقى منه سكنا للفرسان.  وفي غالبية المدن المحتلة أزيلت من مساجدها المحاريب وعلقت فوقها الصلبان بدل الأهلة.  وقد منع الأقباط من الحج الى القدس لاعتبارهم إياهم "هراطقة"، ويذكر المؤرخ سميل "إن القدس لم تشهد بطريركا ارثوذكسياُ، ويقرر:" اضطر الارثوذكس الى تقديم الطاعة وضريبة العشر الى رجال الكنيسة الأعلى مركزاً، والمنتمين الى جنس دخيل، والممارسين طقوساً مختلفة".

 

        وفي مواجهة "الارهاب المقدس" الافرنجي استفز المكون الحضاري للأمة، إذ سرعان ما ارتفعت الدعوة للجهاد من على المنابر في عموم الهلال العربي الخصيب.  ولقيت الدعوة استجابة جماهيرية ونخبوية، والفت الكتب والرسائل في فضل الجهاد والمجاهدين ومكانة القدس وأهميتها.  وتشكل رأي عام ضاغط على القيادات.  وقدر لهذه الحركة الفكرية أن توجه الأحداث، بدءاً من نهوض البرسقي، أمير الموصل، بدعم حامية حلب والحيلولة دون سقوطها سنة 1124م.  ولا أدل على أهمية ذلك من قول المؤرخ المعروف توينبي: " لو سقطت حلب لصار الشرق لاتينياً".

 

        وبعد اغتيال البرسقي، على أيدي الحشاشين، حمل الراية عماد الدين زنكي، الذي أحال المد الافرنجي الى جزر بتوحيده شمالي العراق مع شمالي بلاد الشام وتحريره الرها.  وأعقبه ابنه عماد الدين وفي زمنه غدت دمشق عاصمة الجهاد.  ثم تسلم الراية صلاح الدين الأيوبي، الذي نجح في إقامة دولة الطوق بتوحيد مصر مع بلاد الشام، وبسط نفوذه من الموصل شرقاً الى تونس غرباً، ومن حلب شمالاً الى اليمن جنوباً، وأعاد لمصر دورها التاريخي كاقليم قاعدة عربي، ذلك الدور الذي مارسته بنجاح حتى تصفية الوجود الصليبي.

 

        ويحرص كثير من المؤرخين والباحثين على إبراز النسب الكردي لصلاح الدين، في محاولة الإيحاء بأنه لم يكن للعرب دور قيادي في تحرير الديار المقدسة.  وهي ادعاءات يكثر القائلون بمثلها في الزمن الراهن بالحديث عن دور مأمول لتصفية الوجود الصهيوني من قبل تركيا حينا، وايران أحيانا.  ومع تقدير دور المشاعر الاسلامية تجاه العدوان الآثم على المقدسات، إلا أن الادعاء بغياب أو ضعف الدور العربي القيادي غير تاريخي ولا موضوعي.  ذلك لأن صلاح الدين ونظراءه قادة التحرير التاريخيين من عماد الدين زنكي الى الظاهر بيبرس وقلاوون، وإن كانوا من أصول غير عربية، إلا أنهم نشأوا في الأرض العربية وتشربوا ثقافتها، بحيث كانوا عرب النشأة واللغة والثقافة ونمط السلوك.  وليس منهم الذي جاء بالجند والسلاح وتكاليف القتال من أرض آبائه وانما هي الأرض العربية التي تحملت أعباء الصراع مع الغزاة، ودفعت الثمن من دماء أبنائها، وعلى حساب عمرانها  وتطورها الاقتصادي والاجتماعي.

 

        وبرغم أن تسعمائة وخمسين عاماً تفصل ما بين الغزوتين:  الافرنجية الصليبية والاستعمارية الصهيونية إلا أن بينهما قواسم مشتركة.  فكلاهما صدرت عن المجتمعات الأوروبية التي تحملت عبء الحملات الصليبية فيما أوروبا والولايات المتحدة لما تزالان تحملا عبء المشروع الصهيوني.  وكلا الغزوتين انطلقت من ثقافة عنصرية شديدة العداء للآخر، ومارست جريمة التطهير العرقي في محاولة إخلاء الأرض "الموعودة" من مواطنيها العرب أصحاب الوجود التاريخي الممتد.  واستهانت بالمقدسات الاسلامية والمسيحية، خاصة استهداف مسجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى.  والتماثل يكاد يكون تاماً برغم الفارق الزمني في ارتهان التحرير بالصمود وتنامي المقاومة ، وتكامل القوى العربية، وقيام مصر بدورها التاريخي.  وكل من لديه حس تاريخي في قراءة معطيات الواقع ينتهي الى ما قاله محقا د. عزمي بشارة من أن اسرائيل ستلقى نهاية الامارات الصليبية بإجماعها على رفض كل من حل الدولتين والدولة الواحدة.

 

عوني فرسخ

4 أكتوبر 2008