الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

 

أوضاع العرب و المسلمين في المغتربات*

 

محمد زيان
 

إتسمت هجرة و إستقرار العرب والمسلمين فى الغرب على شكل موجات، ولكل موجة أسبابها و أهدافها.  كانت البداية بهجرة أهل الشام إلى أمريكا اللاتينية و التي لا تصنف غربا بالمعنى السياسي الاجتماعي  ، وتزامنت هذه الهجرة مع القمع والظلم الإجتماعى الذى مارسته دولة الخلافة على بعض مكوناتها ومنهم العرب وخاصة أهل الشام .

تم هذا ودولة الخلافة " رجل أوروبا المريض"  تعيش أيامها الأخيرة، والدول العظمى فى ذلك الوقت تستعد لاقتسام إرثها أرضا وبشرا.  تلا تلك الهجرة هجرة أخرى من أهل شمال أفريقيا إلى فرنسا عقب الحرب العالمية الثانية، نتائج هذه الحرب أدت الى بداية إرهصات الوعى الأسلامى والعربى و الذى تبلور فى شكل مظاهرإحتجاجية سرعان ما تطورت إلى حركات سياسية تطالب بالانفصال عن فرنسا. وهذه المطالب كانت عاملا مساعدا لنزوح الكثير من سكان هذه المناطق تحديدا المغرب/ الجزائر / تونس وكونوا فى فرنسا جالية مغاربية كبيرة.

عقب الحرب العالمية الثانية إحتاجت المانيا الى عمالة تساهم فى إعادة بنائها فسهلت نزوح وإقامة جالية إسلامية تركية / كردية، للعمل فى ألمانيا الغربية فى ذلك الوقت. وذلك لأسباب يعيها الألمان و الأتراك ، فالدولة العثمانية كانت حليفا لألمانيا فى الحرب العالمية الأولى، ومتعاطفة فى الثانية.

نفس الأمر تكرر فى بريطانيا حيث منحت الحكومة البريطانية إمتيازات إلى  رعايا دول الكمونولث بالأنتقال إلى بريطانيـا دون عوائق أو مشاكل للمشـاركة فى التعمير والبناء كونهم عمالة رخيصة ويمكنها سد إحتياجات الأقتصاد البريطانى المنهك.

الموجة الأخيرة من الهجرة كانت عند إنهيار المشروع العربى الوحدوى والذى كـان يستمد الكثير من عنفوانــه لكونه مشروعــا مناهضا للوجـود الصهيونى، وواعدا- الأمة العربية-  بمستقبل يحمل الكثير من الأحلام، وإمكانية تحقيقها ولكن إنهيارهذا المشروع العربى الوحدوى الذى مثله الرئيس جمال عبد الناصر خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى والذي صاحبه قيام أنظمة ترى في الشعب مجرد رعايا لامواطنين، وتتصرف مع مجتمعاتها بشكل جعل من هذه المجتمعات مجرد أرقام، لا حول لها ولا قوة فى إدارة حاضرها أوالمشاركة فى رسم مستقبلها.  الأمر الذى دفع الكثير من مثقفى هذه الأمة إلى الهجرة إلى الغرب والأحتكاك بأنمــاط الحياة الغربية ممـا شـكل لــدى البعض من هؤلاء المثقفين رغبــة فى تعميق التواصل مع هذا العــالم  " الجديد" بما فى ذلك إحتمال العيش الدائم أو شبه الدائم.

هذه الأحداث تظهر مدى الأرتباط بين نزوح العرب والمسلمين إلى الغرب وبين تشابكات الواقع السياسى فى العالمين الإسلامى والعربى، مما  يؤكد لنا إرتباط حالات النزوح بما تلي ذلك من أحداث مرت أو عصفت بالواقع الأسلامى والعربى كحرب لبنان وما تلاها ،واندلاع الحرب العراقية الإيرانية ، ثم إندلاع الحرب فى إفغانستان وما أدت إليه من تزايد تأثير وتأثر الجماعات الأسلامية المنظمة فى المحيط الذى يعملون ويتواجدون فيه، وما تبعه من هجرة العديد من أعضاء هذه المنظمات إلى الغرب "أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية " بعدما سدت أمامهم أبواب العودة إلى أوطانهم بنهاية الحرب ضد الأتحاد السوفيتى السابق فى إفغانستان.

هذا التشابك بين السياسات الأقليمية و العالمية وواقع الهجرة العربية والأسلامية للغرب لا ينفى إطلاقا وجود أسباب إقتصادية وإجتماعية مرتبطة بالواقع العربى والأسلامى دفعت بالعديد من هؤلاء المواطنين إلى ترك أوطانهم بحثا عن حياة أفضل وأكثر إنسانية. و قد تم هذا النمط من الهجرة بشكل فردي على مدى القرن الماضي .

و هذا يعني ان واقع المغتربين في بلاد المهجر يصعب حصره فى مجرد أنهم عرب أو مجرد أنهم  مسلمون، بل هم فيما يبدو الأثنين معا حتى وإن رأى بعض أفرادهم أنهم ليسو إلا هذا أوذاك.  فالمناخ العام فى الغرب أصبح مرتبكا بحيث يصعب عليه ممارسة هذا التمييزبين العربي و المسلم حتى وهو يمارس تمييزا تجاه المغتربين بشكل عام.

من هنا فإن التعامل مع ثنائية الدين والقومية عبر مؤسسة المؤتمر القومي الأسلامي - قد تكون الأهم - وتساعد على تفعيل وعى ودور المغتربين فى أماكن تواجدهم و ذلك بتجاوز آثار الماضي دون إلغاء الاستفادة الواعية من تجاربه و المدركة لطبيعة المجتمعات التي تعيش فيها و معرفة نواياها و برامجها.  و الأمل معقود على المؤتمر القومي الإسلامي على العمل في أن تنتقل قناعة و إدراك هؤلاء المغتربين في مواقع عملهم أو مواطنهم الجديدة من مرحلة مجرد القبول للآخر و تفهم أفكاره الى مرحلة التعاون الصريح و المجدي و الصادق بين مختلف مكونات المجتمع ، بإعمال الفكر و بذل جهد إعلامي و تثقيفي لنصل بذلك الى وحدة التيارين الاسلامي و العربي أولا و عملهما المشترك مع التيارات الأخرى والأرتقاء بمستوى ودرجة تفاعلهم مع القضايا التى يعيشها المجتمع الذى يعيشون فيه بالدرجة الأولى ثانيا .

       إنطلاقا من هذه اللمحة التاريخية ومن ذلك الماضي الحضارى المشترك الذى تداخلت فيه وتوحدت مصالح الشعوب الأسلامية بمكوناتها العربية والغير عربية، وما حققته من صهرموفق لتراث الأنسانية وصياغته من جديد و دفعت بهذا الجهد و الإبداع فى شكل ثقافة متقدمة تفاعلت مع قضايا العصر وحاولت الاجابة عن أهم نساؤلاته.

وبالنظر إلى الأهمية المتزايدة التى يمثلها موضوع الجاليات العربية والأسلامية فى العالم الغربى عموما.  واستنادا إلى التحولات التى تحدث لهذه الجاليات فى مختلف أماكن تواجدها من كونها مجرد قوة عمل إقتصادية إلى قوة محتملة للمشاركة في العمل العام و هموم و إهتمامات الوطن الجديد الذي يعيشون فيه.  وهذا يجعل منها بالضورة قاعدة متقدمة للأمتين العربية والأسلامية. و يجعل من أفرادها مغتربون قادرون  بحكم التكوين والشعورعلى إدراك ما لا يدركه غيرهم من غير ذوي الأصول العربية و الإسلامية في فهم مشاكل الأوطان الأم والاستعداد للمساهمة فى حل ما تجابهه هذه الأوطان من مشاكل وفق ما تسمح به ظروفهم و قدراتهم و ارتباطاتهم.

و إذا ما إتخذنا هذا المدخل نقطة إنطلاق لفهم وتحليل واقع المغتربين العرب والمسلمين فى الغرب، يمكننا طرحها من خلال المحاور التالية:

1- العرب المسلمون بين الكم والثقل داخل الغرب.

2- السعى لتوثيق الوجود الأسلامى والعربى وتطوره فى الغرب.

3- إسلام وعروبة المغترين وقطريتهم.

4- الوجود الأسلامى والعربى وقضايا الأوطان الأصلية، والغياب الغير مبرر للمسلمين     والعرب عن التفاعل الحقيقى مع قضايا أماكن تواجدهم.

العرب والمسلمون بين الكم والثقل داخل الغرب

تمثل الجاليات العربية والأسلامية فى العالم الغربى عمقا إستراتيجيا للعرب والمسلمين ولقضاياهم المصيرية. شريطة أن تتحول هذه الجاليات من مجرد قوة عمل إقتصادية إلى قوة عمل سياسية ، تعمل داخل الأطر السياسية المتفق عليها داخل أماكن تواجدهم، لأن أى خروج عن الألتزام بقواعد العمل سيخرجهم من دائرة التأثير إذا لم يذهب أبعد من ذلك ويدخلهم فى دوائر أخرى لاتخدم مصالحهم ولا مصالح أوطانهم الأصلية.

المسلمون والعرب فى الولايات المتحدة وكندا يتجاوز عددهم الستة ملايين وفى فرنسا والمانيا وبريطانيا وبلجيكا حيث يتواجد ما يربو على ثلاثة عشر مليونا، ولكن هذا الكم من المسلمين والعرب مازال بعيدا عن دوائر التأثير المباشر فى قضايا العرب والمسلمين المحلية داخل أماكن تواجدهم بالدرجة الأولى، وهذا البعد إمتد إلى عدم قدرتهم على التأثير على دوائر الفعل السياسي داخل هذه البلدان من أجل صياغة سياسة متوازنة تجاه  مصالح أوطانهم الأصلية .

الحالة السابقة إلى حد ما مختلفة مع مسلمى وعرب أمريكا الللاتينية الذين أصبحوا جزءا من المعادلة الوطنية داخل مجتمعاتهم التى تواجدوا بها. واضحوا شركاء فى صناعة وصياغة القرار السياسى فى العديد من البلدان، و قد يحتاجون الى وقت ليس بالبعيد لنرى و نشهد مدى تعاطفهم مع أهداف أوطانهم الأم أضحى من أولوياتهم .

أما أمريكا الشمالية فيقدر عدد المهاجرين العرب والمسلمين فيها بحوالى ثلاثة ملايين عربى ومثلهم من المسلمين غير العرب، وكانت موجات الهجرة تمثلت بشكل أساسى فى ثلاث موجات الأولى كنتيجة لممارسات القمع، وانتهاك الحقوق التى تمارسها الخلافة العثمانية فى آخر أيامها على بلاد الشام، والثانية بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية وبروز الولايات المتحدة الأمريكية كقوة تناصر السلام وحقوق الأنسان، وإشاعة الديمقراطية فى العالم أجمع. أما الموجة الثالثة فكانت نتيجة لهيمنة مؤسسات الأستبداد التى تمارس القمع، وتؤمم الحقوق، وتدوس الكرامات عقب إنهيار مشاريع النهضة والوحدة والعدل الأجتماعى.  وهذا بالتأكيد لايخفى الدوافع الأقتصادية والرغبة فى تحسين مستوى المعيشة والتطلع الى حياة يراها المغترب أفضل.

تحاول هذه الجاليات العربية والأسلامية فى أمريكا الشمالية وكندا أن تثبت وجودها وتحصل على قبولها وإندماجها فى الشعوب التى هاجرت إليها إلى حد ما ،  وبادرت هذه الجاليات بتنظيم نفسها فى شكل جمعيات وروابط ونوادى تخدم إحتياجاتهم الأجتماعية والدينية والثقافية الى جانب إنخراطهم فى الأحزاب السياسية، وتشارك المرأة إلى جانب الرجل فى مختلف هذه النشاطات و الأمل معقود على قدراتهم الخلاقة في أن يكونوا عناصر فاعلة و مؤثرة في مجتمعاتهم.

فالمهاجر العربي و المسلم الى الولايات المتحدة  و كندا يجد نفسه في مجتمع يجذب المهاجرين و يمنحهم الفرصة كمواطنين أسوة بغيرهم.  نعم هناك مكونات في المجتمع الأمريكي و الكندي تمثل قوة اقتصادية و سياسية و تعمل بقدر ما تمثله داخل هذا المجتمع على إشاعة أسلوب حياتها و أخلاقياتها و نمط عيشها و لكنها في نفس الوقت لا تحرم الآخرين من ممارسة أنماط معيشتهم و ممارسة معتقداتهم بالحرية المتعارف عليها.  و يلاحظ أن تحسنا ملموسا قد طرأ على الجالية العربية في أمريكا مع بداية الربع الأخير من القرن العشرين ، إلا ان ظاهرة تجمع المهاجرين العرب في ولايات ميتشجان و الينوي و كاليفورنيا يخشى أن يؤدي هذا الى  تكوين تجمعات عربية منغلقة على نفسها  خاصة اذا ما أخذنا في الإعتبار أن ظاهرة هذه التجمعات يراها بعض الأمريكيين أنها تعرقل بعض الشئ إندماج جموع المغتربين في المجتمع الامريكي .

أما في القارة الأوروبية فالمسلمون و العرب قد يصل عددهم الذى يربو على الثلاثة عشر مليونا أغلبهم بالترتيب في فرنسا / ألمانيا / بريطانيا / هولندا / ايطاليا و باقي الدول الأوروبية بأعداد قليلة.  القارة الأوروبية نتيجة لظروف تاريخية و تراكمات ثقافية لم تعد بيئة جذب للمغتربين بل أضحت بيئة طاردة حيث ينمو شعور لدى فئات من السكان الأصليين بأن هؤلاء المهاجرين يشكلون - بما يحملون من منظومة سلوكية و أخلاقية  تختلف عن منظومتهم - عبأ غير مرغوب فيه و قد يشكل خطرا على تماسك مجتمعهم.  وهذا الشعور ينمو كلما تعطلت عجلة النمو الاقتصادي و إزدادت البطالة أو برزت أية مشاكل غير معتادة مبررين أسباب هذه الحالات بوجود أعداد كبيرة من المغتربين بينهم يزاحمونهم في خيرات بلادهم و يعبثون باستقرار بلادهم و أمنه.

و إذا لم تعمل مفردات هذه المجتمعات مجتمعة بوعي و إدراك لمعالجة أسباب الأزمات المتكررة و انعكاساتها على الجميع، و حلها بما يخدم مصالح المجتمع فإن الأمور قد تتطور الى مشاحنات و مصادمات تكون وبالا على الجميع .

فما يجري من مشاحنات صغيرة في هولندا او فرنسا او بريطانيا او الدنمارك قد تترك أثرا ضخما  على الأوروبيين الذين بدأوا يرددون أن الإرث المديد من التسامح الليبرالي قد بلغ منتهاه تحت ضغوط الهجرة العالمية و الاستقطاب الحادث في عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر و في ظل الحرب على الإرهاب، و على المغتربين في أماكن تواجدهم إدراك هذه الحالة و التعامل معها بالحد من تصعيد درجة الاحتقان بل و العمل على تخفيض تلك المعدلات الى حدودها الدنيا بما يمكن الجميع من فهم معادلة التعايش المشترك بين جميع مفردات المجتمع و ان هذه المعادلة هي صمام الأمان للجميع.

فبريطانيا مثلا و هي من البلدان التي كانت تعد الأكثر تسامحا بين الدول الأوروبية ، و تتباهي بريطانيا بأنها البلد الأوروبي المتعدد الثقافات، و تعد هذا التعدد ثراء ثقافيا و ليس انتقاصا من الثقافة البريطانية بمفرداتها المتعددة الانكليزية و الاسكتلاندية و الويليزية و الأيرلندية.

و مع هذا تبدو في الأفق علامات غير مشجعة تنم على تنامي عناصر ذات طابع عنصري تنادي برفض الثقافات الأخرى و خاصة الاسلامية و العربية .  وهذه  الحالة تتطلب من الجالية بجناحيها العربي و المسلم  التصدي لهذا التوجه و إجهاضه بحزمة من الأعمال تظهر للشعب البريطاني أهداف هذا التوجه وأساليبه و إثبات ان الجتمع البريطاني هو مجتمع متعدد الثقافات بحق.

يمثل العرب و المسلمون حوالي %4 من سكان بريطانيا ، و بامكانهم لو استفادوا من الظروف و الامكانيات التي يتيحها المجتمع لمواطنيه و هم ضمن هؤلاء لتمكنوا من تنظيم أنفسهم داخل منظمات المجتمع  ، و قد يكون من العسير تحديد رؤية مستقبلية لدور الجاليات العربية و المسلمة على المسرح البريطاني دون الاشارة الى ضرورة تعامل هذه الجاليات مع الأحزاب السياسية البريطانية و مع مؤسسات المجتمع المدني و هي كثيرة و متعددة .

فالإنتماء الى الأحزاب السياسية و مؤسسات المحتمع المدني يوفر بعض الأرضية التي يمكن البناء عليها لتطوير دور الجاليات العربية و المسلمة في المستقبل و يقدم ايضا آليات و دروس و نماذج لا غنى عنها لتحقيق حضور عربي فاعل في المجتمع البريطاني .

السياسات العامة للحكومة البريطانية تمس مصالح و أوضاع الجاليتين العربية و المسلمة كما تمس أي شريحة أخرى من المجتمع البريطاني.  فالمواطن العربي و المسلم بالاضافة الى المقيم يتأثر كغيره من المواطنين بسياسة الحكومة في كافة الحقول السياسية و الاقتصادية و الصحية و الاجتماعية و غيرها.  إلا ان هناك بعض السياسات التي تمسه كعربي و كمسلم بصورة خاصة كسياسة بريطانيا إزاء القضايا العربية او إزاء قطر عربي معين ، أو كأقلية عرقية.  لذلك على هذه الجاليات ان تعمل بجد من خلال الأحزاب بالدرجة الأولى و من خلال مؤسسات العمل المدني لتحقيق الأهداف التالية :

              خلق أقلية عربية مسلمة ذات وزن إنتخابي يمكنها من التأثير في مواقف و سياسات الأحزاب و برامجها الانتخابية على نحو يحفظ لهذه الجالية حقوقها و مصالحها.

              التأثير على الأحزاب البريطانية لإتخاذ مواقف أكثر تفهما لمصالح المواطنين العرب و المسلمين و أكثر تعاطفا مع القضايا العربية و الاسلامية.

              محاولة إقناع الأحزاب العربية في الوطن الأم بنسج صلات و علاقات حزبية و فكرية مع الأحزاب الأوروبية التي تتقارب معها فكريا و في توجهها الاقتصادي وقناعاتها الاجتماعية.

              إظهار الوجه الحضاري للعرب و المسلمين و العمل على تغيير الصور النمطية و الأفكار الثابتة و البعيدة عن الحقيقة و التي تعمل بعض أجهزة الإعلام على تكريسها في ذهن المواطن البريطاني و في مؤسساته الرسمية و المدنية.

ما يجب عمله داخل المجتمع البريطاني من قبل المغتربين العرب و المسلمين هو حالة و أسلوب قد تتغير بعض الشئ في بلدان أوروبية أخرى طبقا لظروف كل مجتمع و لكنها في خطوطها العريضة تشمل كل البلدان الأوروبية ذات الكثافة السكانية من المغتربين العرب و المسلمين .

هذا التوصيف يتطلب ضرورة إيلاء أهمية كبرى لهذه الجاليات الكبيرة العدد و إرساء سبل للتعاون و الفهم المشترك معها لخدمة قضاياها و قضايانا المصيرية و ذلك عبر مد الجسور معها عبر القنوات الثقافية و الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و التربوية  و دعمها حتى يتناسب ثقلها العددي مع درجة تأثيرها في مجريات قضايا الوطن التي تعيش فيه و إرتباطاته الخارجية.

  السعى لتوثيق الوجود الأسلامى والعربى وتطوره فى الغرب

للأسف كثيرا ما يوصف العرب وإلى حد ما المسلمين بأنهم ظواهر صوتية، وبغض النظر عن مدى صدق هذا التوصيف من عدمه فإن المثقفين العرب و المسلمين داخل هذه المجتمعات الغربية فى حاجة إلى تنظيم تجمعات ثقافية مهمتها دراسة ظهور التواجد الأسلامى والعربى وتطوره وتشابكاته الإيجابية منها والسلبية حتى تترك هذه الأجيال خبرة تراكمية تستطيع الأجيال القادمة أن تستفيد من هذه الخبرات وتطورها لمصلحتها ولمصلحة أوطانها الحالية والأصلية.   و هذا العمل الجليل يتطلب بالإضافة الى تكوين جمعيات لتوثيق الوجود الاسلامي و العربي بجميع مظاهره ، والى خلق آليات كفيلة بتفعيل ما تصل اليه هذه الدراسات عن طريق منظمات الصداقة مع أهل البلدان المضيفة و مع الأحزاب ، و قد تشمل هذه الفعاليات حفلات تعارف و لقاءات سياسية و إقامة معارض في كل التخصصات بالإضافة الى لقاءات ذات أبعاد ثقافية و الى حلقات متخصصة لدراسة مشاكل وهموم الشارع بكل مكوناته وتكوين قناعة مشتركة للعمل الجاد لايجاد حلول للمشاكل التي تعترض جميع المواطنين الاصليين والمغتربين .

عروبة المغتربين وإسلامهم وقطريتهم

ربما ما من أحد أساء إلينا بالقدر الذى أسأنا به إلى أنفسنا، فالمسلمون والعرب فى أماكن تواجدهم ونتيجة لأسباب عدة لم يدركوا واقعهم الجديد الذى يعيشونه والذى يدفعهم إلى الأنسلاخ عن بعض أخلاقيات القبيلة فى التفاخر والمكابرة الغير واقعية والتى لاتحتل ولا تمثل  عنصرا فى المعادلة التى يتحتم عليهم إختيار عناصرها بعناية ووعى حتى يدركوا واقعهم ويعياشونه.

وبدلا من أن يكونوا كتلة متنوعة و لكنها مترابطة واعية لمصالحها المشتركة سياسيا وإقتصاديا وثقافيا. إنتظموا فى روابط ونوادى، وجمعيات وملتقيات قطرية منكفئة على نفسها، عاشقة لذاتها، تعيد حكايات أمجادنا، وتراثنا، وقد تصل حدة المنافسة على من الأفضل والأحسن بين هذه التجمعات الى حروب داحس والغبراء  بدلا من تجميع هذه الطاقات بتنوعها القطري و المذهبي و الديني  وصهرها فى بوتقة تحمل خبرة التاربخ و تتطلع إلى مستقبل متجدد  و واعد فى نفس الوقت للمشاركة  مع أبناء الوطن الأصليين حيثما يقيمون في بناء تلك الأوطان الجديدة التى إختارها المغتربون دون الأبتعاد القسرى المتجاهل لصالح الأوطان الأصلية.

ويفترض ان لاتقتصر هذه المشاركة في الحياة السياسية فقط - بالرغم من أهميتها - بل يجب ان تمتد الى المشاركة في الحياة العامة بكل جوانبها‘ وأن يشعر المغتربون أن وطنهم الجديد هو وطنهم الدائم حتى لو كانت فكرة التواجد في هذا الوطن الجديد - الى حين تحسن الأوضاع – في الوطن الأم تداعب أحلامهم وأمانيهم.

فالاستسلام لكل هذه الأحلام سيحد من تفجير طاقاتهم العلمية والمهنية التي استحال عليهم تحقيقها في الوطن الأم ‘ خاصة اذا ما أخذنا في الاعتبار أن معظم المغتربين دوافع غربتهم سياسيه هربا من الحرب أو القمع وبعضهم للبحث عن فرص عمل تحسن من أوضاعهم المعيشية وتوفر لهم حياة كريمة .  هذا الاغتراب المؤقت في بريطانيا و باقي اوربا بدرجات عكس الاغتراب الدائم في امريكا خلق حالة وأدت هذه الحالة الى التردد في المشاركة في الحياة العامة للمجتمع المضيف  في أحسن الأحوال و العزوف عن ذلك في أسوئها.

الوجود الأسلامى والعربى وقضايا الأوطان الأصلية

الصراع العربى الصهيونى، وعلى مدى العقود الستة الماضية من الزمان، كان ومازال يعبر عن صراع الأمة مع أعدائها ومعترضى طريق تحررها الوطنى ونهوضها القومى. فالقضية الفلسطينية كانت ومازالت القضية المركزية فى إدارة هذا الصراع، وفلسطين الجغرافيا صارت ميدان النزال والأختبار لقدرات قوى الأمة على التقدم والمواجهة.

أضيف إلى هذا الصراع ميادين صراع أخرى إحتلال العراق، وحصار سوريا ومحاولة تفتيت السودان. وقضايا أخرى متعددة ترقى إلى مستوى الصراع المبرمج والقابل للاشتعال وفقا للظروف الدولية. الصومال مثلا يعاني الحروب الأهلية لحساب الغير و ليس لحساب الصومال .

المسلمون والعرب يطالبون المجتمع الدولى الرسمى والتجمعات الأهلية فى أماكن تواجد هذه الجاليات العربية والأسلامية إلى نصرة قضايانا والتأثير على الدوائر الرسمية صاحبة القرار فى هذه البلدان، فى إنتهاج سياسات على الأقل متوازنة وليست منحازة إلى خصومنا.

وفى الكثير من الحالات تجد هذه الجاليات أن التجاوب فيما تطلبه ليس بالقدر الذى تتمناه وهذا ربما راجع بدرجة ما إلى التجاهل الكامل للجاليات العربية والإسلامية للقضايا التى لا تعتبرها هذه الجاليات قضايا تهمها سياسيا أو إنسانيا، ويعتبرها الآخرون قضايا مركزية لهم. و على هذه الجاليات إذا أرادت تعاطف وتأثير المجتمعات التى تتواجد فيها أن تتفهم قضياهم وتتفاعل معها بنفس القدر الذى يتفاعلون هم معها، وأن تؤثر فى مسارها بما يخدم مصالحهم ومصالحها. وبذلك قد تفوز الجاليات العربية و السملمة بغنم تعاطفهم وتبنيهم لقضاياها.

وبالتالى حرصنا على قضايا أوطان المهجر والدفاع عنها والدعم لها ربما تكونان حجرالزاوية فى بناء علاقة صحية مع المجتمعات الجديدة، وهذه العلاقة الصحية لاتنتج بالضرورة إلا سلامة القصد والمقصد.

المؤتمر القومي الاسلامي بحكم التكوين و التوجه قد يكون من أكثر التنظيمات المؤهلة الى العمل بجدية لدعوة هذه الجاليات و تنظيمها و دعمها و دفعها للعمل من أجل حماية مصالحها و أوضاعها ، و الحفاظ على نمط حياتها و منظومة سلوكها ، بالإضافة الى البحث الدائم على تنمية مساحات من الفهم المشترك مع المواطنين الأصليين و احترام عقائدهم و اختياراتهم .

-------------------

*ورقة عمل طرحت للنقاش ضمن فعاليات المؤتمر القومي الاسلامي الذي عقد بالدوحة (قطر) في الفترة 21 – 22 ديسمبر 2006 .