الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

قراءة في دلالات الأزمة الاسرائيلية – السويدية

 

هناك أكثر من دلالة يستدل عليها بالوقوف مع مجريات الأزمة الاسرائيلية – السويدية المتفاقمة على خلفية نشر صحيفة "افنون بلادت" السويدية تقرير الصحافي رونالد بوستروم حول جريمة استئصال أعضاء بشرية لشهداء فلسطينيين للاستعمال والاتجار بها.  فالاسرائيليون لم ينكروا الجريمة صراحة، ولا هم أقاموا الدعوى بالتزوير على الصحيفة والكاتب، وإنما طالبوا الصحيفة بالاعتذار ومعاقبة الكاتب واتهامهما بمعاداة السامية.  علاوة على اعتبارهم ما تضمنه التقرير فرية دموية وظلامية لامكان لها في دولة ديمقراطية، بل ومسيئ لديمقراطية السويد والصحافة السويدية كلها.  وبالمقابل لم تقف الصحيفة السويدية عند رفضها الاعتذار وانما اعتبرت المطالبة بذلك عدوانا صارخا على القيم ومبادئ الحرية القائمة في المجتمع السويدي.  فيما ذهب رئيس وزراء السويد في دفاعه عن حرية التعبير حد القول بأنه لا يحق لأحد المطالبة بعدم الالتزام بالدستور السويدي وحرية التعبير.

 

وأولى الدلالات ذات الاعتبار نشر التقرير في الزمن الراهن، إذ في لقاءات الصحافي السويدي مع أجهزة الإعلام أفاد أنه أثناء تغطيته أحداث انتفاضة أطفال الحجارة سنة 1992 في الضفة الغربية المحتلة شاهد وذوو أحد شهدائها علامات مريبة على جثمانه لدى إعادة القوات الاسرائيلية له بعد أسبوع من اغتيالها له واختطافه.  وبسؤاله عن دواعي نشره تقريره بعد سبعة عشر عاماً من الجريمة التي يؤرخ لها أجاب أنه كان قد بعث بتقرير مفصل للصحيفة السويدية التي يراسلها ولكنها اعتذرت عن نشره يومذاك، ثم قام بتضمين تفاصيل الجريمة في كتاب أصدره فيما بعد، وحيث تبين أن امكانية النشر الصحافي باتت متاحة أقدم على نشره مؤخراً.

 

ويقيناً أن حرية التعبير التي يكفلها دستور السويد كانت قائمة ومعمولاً بها عندما اقترفت الجريمة موضوع التقرير، ولكن اسرائيل كانت حينها لما تزل ينظر إليها من قبل صناع القرار السياسي والاعلامي على جانبي الأطلسي باعتبارها رصيداً استراتيجياً لقدرتها غير المحدودة على التأثير في محيطها الاقليمي بما يخدم المصالح الأوروبية والأمريكية.  وبالتالي كانت محظورة مساءلتها مهما اشتطت في عدوانها وغالت في استهانتها بقرارات الشرعية الدولية وامتهانها قيم ومبادئ الاعلان العالمي لحقوق الانسان واتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949.  غير أنه منذ فشلت آلة حربها فائقة القدرة في كسر ارادة انتفاضة أطفال الحجارة، وبعد أن فقدت أساطير تفوقها، وبالذات أسطورة الجيش الذي لا يقهر، افتقدت مقومات اعتبارها، وسقط بالتبعية الحظر الذي كان قائماً وانفسح المجال واسعاً لانتقادها وادانة ممارساتها غير الانسانية.

 

وثانية الدلالات ما يؤشر له موقف الرأي العام السويدي تجاه مبادرة السفيرة السويدية في تل أبيب باستنكار التقرير ومطالبتها الصحيفة التي نشرته بالاعتذار.  إذ أعلنت الخارجية السويدية رفضها لما ورد على لسان السفيرة، واعتبرته رأياً شخصياً لا يمثل وزارة الخارجية.  وبرغم مقام السفيرة وانتسابها لعائلة ذات نفوذ اجتماعي وفعالية اقتصادية وثقافية استفز تصريحها العديد من قادة الأحزاب والشخصيات السويدية لدرجة مطالبتها بالعودة الى بيتها في السويد "كي تعيد صياغة تربيتها على القيم السويدية الأصيلة، قبل أن تمثل السويد في المحافل الدولية".  وهذا يؤشر الى أن سقوط هيبة واعتبار اسرائيل انسحب بالتبعية على مكانة واحترام المتصهينين وما يصدر عنهم من قول وفعل، بصرف النظر عن مناصبهم الرسمية ومواقعهم الاجتماعية.

وثالثة الدلالات وضوح افتقاد فزاعة "معاداة السامية" تأثيرها كما وافلاس تجارة الهولوكوست.  فرئيس تحرير صحيفة "افنون بلادت" اكتفى بالقول إن صحيفته غير معادية للسامية، وإن كتابها اشتراكيون ديمقراطيون وغير عنصريين.  فيما لم تكترث حكومة السويد لقول وزير الخارجية الاسرائيلية ليبرمان:  إن موقف السويد لم يكن حازماً في مواجهة المحرقة النازية عند وقوعها.  إذ لم تجد في قوله ما يستحق الرد في وقت يشارك في حكومة اقترفت في العدوان على لبنان صيف 2006، وعلى قطاع غزة في الأيام الأخيرة من العام الماضي ومطلع العام الحالي، محرقة ضاهت الجريمة النازية إن لم تكن قد تفوقت عليها، فضلاً عن دعوته المتواصلة للتطهير العرقي في الأرض العربية المحتلة.

 

أما رابعة دلالات الأزمة الاسرائيلية – السويدية هي ما كشفته من قصور وتخلف النخب العربية عامة، والسياسية منها خاصة، وفريق أوسلو الفلسطيني من هذه على الأخص.  إذ على الرغم من توالي الدعوات لتوثيق الجرائم الاسرائيلية يبدو جلياً أنه لولا تقرير الصحافي السويدي دونالد بوستروم لما سمع أحد بالجريمة موضوع تقريره.  والآن فقط برز من يقولون بأن هناك ما لا يقل عن اثنتين وخمسين حالة مماثلة لم يأت أحد على ذكرها من قبل.  فضلاً عن أنه ليس فيما ذكر عن المفاوضات الماراثونية التي توالت منذ مؤتمر مدريد أن أحدا من المشاركين العرب حاول توظيف الجرائم الصهيونية بحق المواطنين العرب كأوراق ضغط فاعلة في مواجهة ممثلي العدو الصهيوني والقوى الدولية والاقليمية الداعمة له.  وفي كل الصراعات للحرب النفسية تأثير فاعل، وفي حربي فيتنام والجزائر كان لفضح الجانب غير الاخلاقي في ممارسات القوات الأمريكية والفرنسية تأثيره الجلي في الانتصار الذي حققه شعبا فيتنام والجزائر.

 

وخامس دلالات الأزمة أن العدو الصهيوني لم يفقد فقط قوة ردعه في عدوانه على لبنان وقطاع غزة، وإنما خسر أيضاً اعتباره الأخلاقي على الصعيد العالمي.  وكان لذلك انعكاسه الجلي في أوساط المثقفين والاكادميين وطلبة الجامعات وغير يسير من الاعلاميين الأوروبيين والأمريكيين.  وموقف الحكومة وقادة الأحزاب وأجهزة الاعلام السويدية في الأزمة الراهنة مثال واضح.  غير أن ما يدعو للأسف الشديد أن النخب السياسية العربية على الأغلب، وبخاصة منها المهرولين للتطبيع مع العدو الصهيوني، لا يبدو في ممارساتهم ومقولاتهم ادراكهم لهذه الحقيقة، إذ لما يزالون في غالبيتهم الساحقة يتصرفون وكأن العدو لم يفقد مكانته واعتباره ولا هو يعاني مأزق سقوط قوة ردعه وأساطير تفوقه وافتضاح طبيعته العنصرية. 

 

ثم إن تقرير الصحافي السويدي يوفر الفرصة لمطالبة عربية بتشكيل لجنة دولية للتحقيق فيما تعرضت له جثامين الشهداء الفلسطينيين.  الا أنه ليس في الأفق ما يستدل منه على تحرك رسمي او شعبي عربي بهذا الاتجاه.  والذي يبدو أنه كما ضاعت فرصة الاستفادة من قرار محكمة العدل الدولية في موضوع جدار الفصل العنصري، ليس ببعيد أن تضيع الفرصة التي وفرها الصحافي السويدي، ما لم تنهض للقيام بالمهمة هيئات المجتمع المدني العربية مستقلة الإرادة والتمويل، وفي المقدمة منها المؤهلة للقيام بذلك كل من المنظمة العربية لحقوق الانسان، واتحاد المحامين العرب، واتحاد الأطباء العرب.  والسؤال الأخير:  هل تنهض بأداء الواجب القومي أي من الهيئات الثلاث ؟

  

عوني فرسخ

3 سبتمبر 2009