الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

حماس والمسؤولية الوطنية عن الصدام في القطاع

 

      قطاع غزة وإن انسحبت من مدنه وقراه ومخيماته قوات الاحتلال الصهيوني ، وإن آلت مقاليد سلطة حكم الذات فيه لحركة المقاومة الإسلامية حماس ، وإن فشل حصار التجويع في استلاب إرادة مواطنيه وفرض اشتراطات التحالف الأمريكي والصهيوني عليهم . إلا أنه لما يزال في الواقع العملي قطاعا محتلا فاقدا السيادة الوطنية ، إذ ليس لحكومة السيد إسماعيل هنية أدنى سلطة على حدوده ، أو على معابره مع جواره ، أو على الداخلين إليه أو الخارجين منه ، أو على أجوائه  ومياهه الإقليمية . وهي في الواقع العملي لا تجاوز كونها سلطة إدارة شؤون القابعين تحت الاحتلال ، الخاضعين في أدق شؤونهم لما يقرره صناع القرار المدني والعسكري الصهيوني ورعاتهم في واشنطن . والقطاع وإن ارتفعت فوق مبانيه الرسمية الأعلام الفلسطينية ورايات حماس لا يكاد يختلف عما كانت عليه حال جيتو وارسو أيام الاحتلال النازي لبولندا حيث كان للمعتقلين فيه من اليهود البولنديين إدارة يهودية تتولى شؤونهم الخاصة تحت إشراف الجستابو النازي .

 

      وأن يكون هذا هو واقع قطاع غزة ، فمواطنوه جميعهم ، ومن غير استثناء ، مواطنون عربا تحت الاحتلال الصهيوني ، حراكهم ونشاطهم وحتى لقمة عيشهم يتحكم بها اصغر مجند أو مجندة من قوات العدو . وهم وإن تباينت بينهم المواقف والرؤى حول إدارة الصراع مع العدو لا يخرج أي منهم في نظر مجنديه ومجنداته ، ناهيك عن صناع قراراته السياسية والعسكرية ، عن كونه عربيا مرفوض وجوده في ارض آبائه وأجداده ، وهو مشروع لاجىء طال به زمن إقامته في القطاع أو قصر .

 

      وعليه فالتناقضات بين مواطني القطاع أيا كان مستواها تناقضات ثانوية لا يجوز فيها الصدام ، فيما تناقضهم الرئيسي والعدائي الذي يحتم الصدام فمع عدوهم القومي ، الذي يحتل ترابهم الوطني ويهدر حقوقهم السياسية والإنسانية . وما دامت هذه هي حقيقة التناقضات في المجتمع المحاصر والمحتلة أرضه فالصدام فيما بين اجهزة حماس وبعض المواطنين مرفوض وطنيا وقوميا . وهو صدام مدان ومستنكر سواء كان نتيجة تعصب فصائلي ، أو عصبية عشائرية ، أو ردة فعل على أخطاء منسوبة لعناصر السلطة وأجهزتها . وهو عمل إجرامي بيقين إذا كان من تدبير عميان المصالح الذين يظنون أنهم بإثارة الفتنة يعجلون باستعادة ما كان لهم من تسلط وامتيازات ونفوذ .

 

      ثم إن هذا الصدام إنما يصب في التحليل الأخير في قناة مشروع تصفية ما تبقى من الحقوق الوطنية الفلسطينية بعد تنازلات اتفاق اوسلو. وما أعقبه من تنازلات على مدى السنوات الأربع عشرة الماضية . وهو المشروع الذي تلوح نذره في أفق لقاء انابولس . وبالتالي فالملتزمون بالممانعة والمقاومة ورفض التنازلات هم الأكثر تضررا ، وهم أصحاب المصلحة الحقيقية في احتواء دواعي الفتنة والحيلولة دون تفاقم الأوضاع لما هو أكثر إضرارا بالقضية الوطنية .

 

      وفي تجارب شعبنا عبر تاريخ صراعه الممتد مع التحالف الاستعماري – الصهيوني ، كما في تجارب مختلف حركات التحرر الوطني الآسيوية والأفريقية والأمريكية اللاتينية ، ما يدل على أن القوى الملتزمة بالممانعة والمقاومة هي المسؤولة وطنيا وتاريخيا عن انتكاسة المشروع الوطني ، إن هي استجرت ، بوعي من قادتها أو بلا وعي ، إلى ممارسة ما يخدم مخطط الأعداء. وليس يعفيها من المسؤولية عن عدم احتواء نذر الفتنة أنها ليست هي المتسببة بها . فهي مسؤولة باعتبارها القوى التي أولاها شعبها ثقته ومنحها تأييده وخصها بعطائه . فضلا عن كونها صاحبة المصلحة ليس فقط بالاحتفاظ بثقة ودعم وعطاء أنصارها والمؤمنين بنهجها ، وإنما أيضا بتوسيع دائرة هؤلاء واؤلئك إن هي أرادت لمشروعها الوطني النجاح . وذلك لن يكون إن لم تمتلك كفاءة إدارة الصراع بما يعظم الجوانب الايجابية في مجتمعها وتحجيم السلبيات التي لا يخلو منها مجتمع إنساني .

 

      ويغدو منطقيا ، وهذه هي دروس التاريخ العربي والعالمي ، القول بأن قيادة حماس ، في الوطن المحتل وخارجه ، هي المسؤولة وطنيا وتاريخيا عن احتواء الآخرين ، والتصرف بما يمليه عليها موقعها القيادي في القطاع . وهي المطالبة باجتراح كل ما فيه استنهاض النوازع الخيرة في مجتمعها المحلي ، وبذل الجهود  لتوفير الأمن والأمان لرجاله ونسائه واطفاله . وفي مقدمة ما يحبط مسعى النافثين في نار الفتنة ، وما يسهم في ضبط انفعالات المتضررين من بعض ممارسات أجهزة حماس في القطاع ، العمل الجاد والمتواصل والمنفتح على الآخرين لتوسيع إطار المشاركة في تحمل المسؤولية وصناعة القرار . سواء كان ذلك بتفعيل المجلس التشريعي في القطاع ، أو بإقامة تحالف وطني من مختلف القوى على قاعدة الالتزام بالثوابت التي تأسست عليها منظمة التحرير الفلسطينية . والتصرف من منطلق القناعة اليقينية بأن الاستجابة الفاعلة للتحدي الذي يشكله العدوان الصهيوني مستحيلة التحقق عمليا إلا بحشد كل القوى صاحبة المصلحة في التحرير والعودة ، والعمل الجاد على كبح التناقضات الثانوية فيما بين هذه القوى باعتبار أن تناقضــها الرئيسي والعدائي إنما هو في جميع الحالات مع العدو المحتل والقوى الداعمة له .

 

      وسبق أن كتبت محذرا حماس من الإصابة بأمراض السلطة ، ومنبها إلى أن الدرع الواقية من مغريات التفرد بصناعة القرار ومفاسد السلطة وتداعيات الآفتين ، وآثار ذلك المدمرة للحراك الوطني والسلام الاجتماعي ،  تتمثل في وعي أن السلطة في الثقافة العربية الإسلامية وتجارب الأمة العربية منذ فجر الإسلام سلطة مدنية ، والمجتمع تعددي . وأكدت على أن حماس لتأمين ذاتها ضد ما يحاك لها أحوج ما تكون لمشاركة جميع القوى ، خاصة تلك التي لا تتفق ورؤاها السياسية والاجتماعية . ونبهت إلى أن استقلال القضاء إنما هو الوسيلة المثلى لإشاعة الشعور بأمن المواطن على نفسه وحقه في التعبير الحر عن إرادته . فضلا عن الالتزام الواضح باحترام حرية أجهزة الأعلام لدورها الرقابي على أداء السلطة .

 

      والسؤال الأخير : هل ستنجح حماس ، قيادة وأجهزة ، في احتواء دواعي الفتنة راهنا وفي المستقبل أم سيغلب الانفعال على ردات فعلها فتسقط في امتحان التاريخ ، محققة للتحالف المضاد واحدة من أهم إنجازاته ، بإجهاض حركة المقاومة الفلسطينية وإظهارها كصخرة  سيزيف في الأسطورة الاغريقة التي تتدحرج إلى القاع كلما وصل بها حاملها إلى القمة ليبدأ في رفعها من جديد ؟

 

عوني فرسخ
3 نوفمبر 2007