الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

أوضاع العرب والمسلمين فى المغتربات

  

هذه المحاولة ليست دراسة متكاملة الأركان ولابحثاً يجمع بين طياته الأوضاع المتعددة والمختلفة للجاليات العربية والمسلمة فى أماكن تواجدها الجغرافى. ولكنه مجرد محاولة للوقوف على أوضاع العرب والمسلمين فى مغترباتهم والتى تشمل جميع القارات.

 

ولعل أول ما يجب أن تبدأ به هذه المحاولة هو تحديد الفواصل القائمة بين تلك المجتمعات أو المغتربات وعدم التعامل معها ككتلة واحدة. وأيضاً الفواصل والتمايزات الموجودة بين المجموعات العربية والمسلمة أينما كانوا فى أماكن تواجدهم ومغترباتهم.

 

فهناك اختلافات لابد من أخذها فى الاعتبار بين مجتمعات غربية تشكل مجتمعات هجرة مثل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا ومجتمعات غربية أوربية لها أشكال مختلفة فى تعاملها مع المهاجرين بشكل يختلف عما عليه الحال فى مجتمعات الهجرة الأوربية فى عمومها. كما أن هناك اختلافات داخل المجتمعات الأوربية نفسها كما هو الحال فيما يخص الاختلافات الموجودة بين فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا، - على سبيل المثال - فالتصور الفرنسى لمفهوم الاندماج يختلف كثيراً عما هو عليه الحال فى بريطانيا، كما أن الحصول على الجنسية الألمانية وبالتالى التحول إلى مواطن يختلف تماماً عما هو عليه الحال فى فرنسا وبريطانيا.. وإذا ما نظرنا إلى توصيف (عرب) ومسلمين فمن الضرورى البحث فى الفروق الموجودة والتى تحدد اهتمامات ومواقف الأشخاص المنتمين إلى هذه الدولة أو تلك أو هذا المجتمع أو ذاك.

 

فالقضايا والأوليات تختلف بين المسلم الهندى ونظيره العربى كذلك هو الحال بين العربى المغاربى والعراقى سواء فيما يخص التعامل والتأقلم مع وضع الهجرة أو التفاعل مع الأحداث وجسامتها كذلك هناك العربى المسلم والعربى المسيحى، كل هذا يؤدى بأشكال متعددة إلى اختلاف درجة الاهتمامات والأولويات.

 

وعليه فإن هذه الفوارق والاختلافات يساهم أخذها فى الاعتبار فى إيضاح صورة واقع الهجرة وما يحيط بها من قضايا.

 

هذه العناصر بما فيها من قواسم مشتركة ونقاط اختلاف تمكننا من النظر بعمق إلى ما يتفاعل داخل إطار قضايا العرب والمسلمين فى المغتربات ولعل البدء فى تحليل العناصر المتشابكة والتى تحيط بهذه القضايا يبدأ من رؤانا لما جمعناه وأسميناه الغرب.

 

ولعل التحليل الذى يطرحه الدكتور رشيد العنانى عند حديثه عن تلك الرؤية يوضح تعقيدات هذه المسألة إذ أنه يوضح أن:

 

الغرب هو المستعمر الباطش، مسير الجيوش الطامعة فى جغرافية المنطقة، ومطلق الحضارة المتحدية لتاريخها، والناهب لخيراتها بلا حساب.

 

لكن الغرب هو أيضاً مصدر الحداثة، والعلم، والمدنية، والتقنية، والتنظيم السياسى والاجتماعى الحديث... ففى عواصمه تصنع السياسات الكبرى التى شكلت وجه البلدان العربية وتحكمت – ومازالت – فى حاضرها، وإلى ذات العواصم تتجه جحافل العرب ذهاباً وإياباً، علماً، وتسيساً، وتثقفاً، ورغبة فى الالتقاط والتقليد.

 

إليه جاء من تحالفوا معه، وإليه جاء من ناضلوا ضده.. فى مدنه وجامعاته وجمعياته انتشر قوميو العرب، ويساريوهم وإسلاميوهم وملكيوهم وجمهوريوهم.. كل اتخذ فى هذه الحقبة الزمنية أو تلك موقع قدم، أو منبر صحيفة أو مقر حزب. وفى اقتصاده وثقافته وسياسته داب جريان ما يستفز فكر العرب وسياستهم وهويتهم ودينهم.

 

هى إذن علاقة ملتبسة اختلطت فيها الكراهية بالإعجاب، المقاومة بالانهيار، والكبرياء بالتسليم. مثقفوا العرب – وتلتهم بقية شرائح المجتمعات – وقفوا بين داعية إلى انتهاج نهج الغرب وتقليده نصاً وممارسة، وداعية إلى قطيعة تامة ترفع دروع المناعة الثقافية، وداعية إلى اقتباس ما يتوافق وترك ما لا يتوافق مع "الأصالة والهوية والتراث".

 

هذا الالتباس الموجود لدى العرب والمسلمين فى نظرتهم وتعاملهم مع الغرب ليس هو الالتباس الوحيد، إذ أن هناك التباس آخر لدى الغربيين فيما يخص رؤيتهم للعرب والمسلمين ويمكننا رؤية هذا الالتباس فى شكله الفج فيما يطرحه جاك شاهين حين يذكر.

 

(لقد دفعت الصورة المزيفة عن الإسلام والعرب المجتمع الأمريكى إلى التعصب الأعمى ضد المسلمين والعرب وصولاً إلى الرهاب منهم، أو ما سمى بالاسلاموفبيا، وصولاً إلى العنف، وكانت الهستيريا ضد المسلمين والشرق أوسطيين التى أعقبت انفجار أوكلاهوما سيتى، وتوجيه أصابع الاتهام المباشر إلى "إرهابيين عرب ومسلمين من الشرق الأوسط" التعبير الأكثر دلالة على مدى التشويه الذى يرسم صورة العرب والمسلمين فى الفكر الشعبى الأمريكى، إذ لم يتردد أى أمريكى فى الإسراع باتهام العرب والمسلمين بارتكاب عملية التفجير واعتبارهم مذنبين.... "ولو ثبت فى النهاية أن المجرم أمريكى "أصيل" فبعد دقائق قليلة فقط على الانفجار ظهر "الخبير فى شئون الإرهاب" أمرسون مجدداً على شاشة الـس. إن. إن ليؤكد من دون أى تردد أن الانفجار من صنع "الإرهابيين الإسلاميين". وسارعت إحدى كبريات محطات التلفزة إلى بث خبراً مفاده أن رجالاً يلبسون الكوفيات العربية شوهدوا يفرون من موقع الحدث. وسارعت قوى الشرطة إلى اعتقال العديد من الأشخاص "ذوى الملامح الشرق أوسطية" وحدثت مواجهات عدائية أطلقت النار على بعض المساجد وتعرضت عائلة عراقية للهجوم. وبدا أن معظم الأمريكيين من غير المسلمين والعرب مقتنعون بأن الهجوم من عمل "أصوليين مسلمين غرباء تسللوا إلى أمريكا" ليقوموا بتفجيرات كتفجير مبنى التجارة العالمى لسبب واحد هو كره هؤلاء المسلمين للغرب!)

 

هذه الحالة تستمد استمرارها من التباسات لدى الطرفين كما يوضح المثالان السابقان.

 

وعليه فليس من المجدى إلقاء التبعية فى ذلك الالتباس أو التشوه فى الرؤية على طرف دون الآخر. إذ أن هذا لن يؤدى إلى فهم حقيقى لقضايا الاغتراب وما يحيطه من مشاكل تحتاج لنظرة هادئة تبحث عن الفهم بأكثر مما تبحث عن إعلان موقف. فعبر تعميق فهمنا بما يحيط بقضايا العرب والمسلمين فى مغترباتهم يمكننا السعى للبحث عن مواقف أكثر فاعلية متخطين حالة موقف إبراء الذمة التى نعانى منها فى الكثير من قضايانا ومحاولاتنا للتعامل معها.

 

وقد يستلزم ذلك البحث أولاً فى محور تال عن ما يمكن أن يكون الواقع المؤدى إلى الهجرة.

 

من الواضح أننا لا يمكن أن نتغاضى عن علاقة الواقع المعاش داخل الأقطار العربية والإسلامية بالهجرة والاغتراب. فالعديد من المجتمعات العربية والإسلامية أصبحت طاردة ليس فقط لأسباب اقتصادية والتى تشكل أساس منطق الهجرة والاغتراب بالنسبة لكل شعوب العالم. ولكن أيضاً لأسباب اجتماعية وسياسية مرتبطة بواقع العالم العربى والإسلامى السياسى والاجتماعى. وتنعكس آثار هذه الأسباب بشكل واضح على تدفق اعداد كبيرة إلى بلاد الاغتراب لأفراد ينتمون إلى جماعات وتجمعات سياسية أو إثنية أو دينية تهرب من واقع يشعرها بالتهديد والخوف إلى مكان يشعرها بنوع من الأمان.

 

ومن الطبيعى أن تؤثر هذه الأسباب وتداعياتها على شكل وتوجه سلوكيات المغتربين سواء كان هذا عبر الانخراط فى جماعات يرون أنها شكلت دعماً وطريقاً مكنهم من الهجرة. أو لأنها أصبحت الرحم الذى يتشكلون داخله بعد انقطاع الحبل السرى بالوطن الأم. ولعل هذا التداخل يشكل أحد أهم الأسباب الى تؤدى إلى ظهور ما يمكن تسميه بالمتحدثين باسم المغتربين.

 

وبالرغم من تعدد أشكال وأيديولوجيات هؤلاء المتحدثين باسم المغتربين إلا أن النظر لمثال واحد كحزب التحرير، لما كان ومازال له من قدرة على تعبئة العديد من المغتربين.

 

فرؤية هذا الحزب تجعلنا نستوعب وندرك شكل وتأثير الخطاب المستخدم للتعبئة. ففى أحد بيانات الحزب يتوجه بحديثه إلى المسلمين فى الغرب قائلاً:

 

أيها المسلمون فى بلاد الغرب:

 

اليوم يمنع الحجاب، وغداً تمنع اللحى، والعمائم، والمساجد والصلاة. نعم، فإن منع الحجاب فى بلاد الغرب بداية لسلسلة من الإجراءات القمعية لا نهاية لها إلا طمس الهوية الإسلامية للمسلمين وتغريبهم.

 

اعلموا، إن الذى جعل الحجاب تعصباً، وعملاً مخالفاً للقوانين العلمانية، وسلوكاً مناهضاً لقيم الحضارة الغربية، قادر على جعل المساجد، والصلاة، والصيام، والاحتفال بعيد الفطر والأضحى، تعصباً أيضاً، وعملاً يناقض الدستور العلمانى، ومظهراً يخالف قيم المجتمع الغربى.

 

لقد خذلكم الغرب بنقضه عهد الأمان الذى يوجب عليه مرعاة الخصوصية الثقافية والدينية للمسلمين المقيمين فى أمان فى ديارهم. وخذلكم حينما ضرب بقيمه الديمقراطية من حرية وتسامح عرض الحائط حين يتعلق الأمر بكم.

 

ولقد خذلكم حكامكم بسكوتهم وصمتهم. وكأن الأمر لا يعنيهم أو كأنكم لستم من رعاياهم ومواطنيهم، فلم تحرك سفارات الحكام فى بلاد المسلمين ساكناً، ولم تحتج أو حتى تستنكر.

 

أيها المسلمون فى بلاد الغرب:

 

إن غياب الخليفة العادل التقى الذى يرعى شئوونكم، ويهتم بأمركم، وينصركم ويدب عنكم، هو الذى جعلكم نهبة لكل ناهب وهدفاً لكل رام، وصدق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حيث قال... كما هو مخرج فى الصحاح - : "إنما الإمام جنّة" أى كالجنة وهى الترس الذى يستر من ورائه ويمنع وصول مكروه إليه. فآزروا أيها المسلمون فى بلاد الغرب، إخوانكم المسلمين لإعادة الخلافة فى البلاد الإسلامية وعندها لن تكونوا نهباً لكل طامع، بل إن خليفة المسلمين سيهتم بأمركم ويدب عنكم وتعيشون سعداء لا يمسكم أحد بسوء حيث كنتم.

 

أيها المسلمون فى بلاد الغرب:

 

إننا ندعوكم للعمل سوية من أجل نصرة هذا الدين، فلتجمعوا شملكم ولتوحدوا كلمتكم من أجل اجتياز هذه المرحلة الصعبة الى تمرون بها فى بلاد الغرب.

 

واعلموا، أن الواجب الشرعى يتطلب منا الوقوف فى وجه هذه الحملة التى أثيرت          ضد اللباس الشرعى فى بلاد الغرب، فلننصر المسلمات، ولنشد من أزرهن، ولنجعل موقفنا واحداً وكلمتنا واحدة هى: لا مساومة على أحكام الإسلام. واعلموا أنكم (إن تطيعوا الله ورسلوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً إن الله غفور رحيم).

 

15 شعبان 1424هـ. الموافق 11/10/2003م.

  

وأياً كان الموقف السياسى أو الأيديولوجى من هذا الحزب ومن خطابه التعبوى فإن واقع المغتربين يحتم علينا أن ندرس وبإمعان أشكال الخطاب الذى يطرح نفسه كممثل لعموم المسلمين عرباً وعجماً فى الغرب وتداعيات هذا الخطاب وأثره على الغربيين بكل تنوعاتهم، خصوصاً المتربصين منهم والداعين لوصم كل العرب وكل المسلمين بالإرهاب والتشدد كما سبق وأوضح جاك شاهين فى المثال السابق ذكره عن موقف الأمريكيين من تفجيرات مركز التجارة.

 

المعتدلون من الفقهاء والمنشغلين والمشتغلين بالشأن الدينى لا يختلف وقع خطابهم على الغرب من وقع خطاب المتشددين "إن إقامة الدولة المسلمة التى تحكم بشريعة الله وتجمع المسلمين على الإسلام، وتوحدهم تحت رايته، فريضة على الأمة الإسلامية يجب أن نسعى إليها.. وعلى الدعاة إلى الإسلام أن يعملوا بكل ما يستطيعون للوصول إليها، وأن يهيئوا الرأى العام المحلى والعالمى لتقبل فكرهم وقيام دولتهم".

 

"إن الإنسان يضحى بنفسه من أجل دينه، ويضحى بوطنه من أجله دينه، فالدين مقدم على الإنسان".

 

وإذا تمكنا من دراسة التيارات التى تسعى لتمثيل المسلمين والعرب فى الغرب بشكل تحليلى دون خضوع مخل لانحيازاتنا الأيديولوجية قد نتمكن من أن نرى الإمكانيات والعوائق أمام قدرة المغتربين على الاندماج فى مجتمعاهم الجديدة ومن ثم إمكانية أن يكونوا فاعلين ومؤثرين فيما يدور داخل هذه المجتمعات وبالتالى مواقفها من قضايا الوطن الأصلى وهذا يدفع بالضرورة للنظر إلى أهم محاور هذه القضية.

 

الاندماج

 

ولعل فكرة الاندماج ذاتها يحيط بها الكثير من التشوش، فهى أحياناً تفهم كما لو كانت انسلاخاً عن الوطن الأم أو حتى خيانة لقضاياه. وهذه مسألة تحتاج إلى تمحيص خصوصاً إذا ما استوعبنا حجم الأعداد من المغتربين الذين قرروا البقاء بشكل دائم فى مجتمعات (الغربة) مما يستلزم السعى لفهم معنى وأهمية فكرة الاندماج.

 

 

وقد يكون من المفيد أن نوضح بشكل ما ما يحيط "مفهوم" الاندماج من تشابكات.

 

ففى دراسة بعنوان – المهاجرون العرب والشرق أوسطيون فى أوربا.

 

المؤلفان: أحمد الشاهى وريتشارد لولس.

 

نجد فى هذه الدراسة طرحاً مهماً عن ماهية الاندماج حيث يقول – ماركو مارتينيلو-:

 

(إن اندماج المهاجرين فى السوق يكفل لهم انخراطاً ليناً وعفوياً فى المجتمعات التى يعيشون فيها، عن طريق نشر موسيقاهم، أو الأكل التقليدى الذى يروجونه عن طريق مطاعم ناجحة وغير ذلك.

 

لكن المشكلة فى هذا النوع من الاندماج أنه يبقى ناقصاً ومقصوراً على المجالا المحددة فى الثقافة الشعبية التى تتواءم مع المجتمعات "خصوصاً الموسيقى والأكل" ولا يتسع ليشمل تطوير الاندماج السياسى والاجتماعى، إذ بالإمكان أن ينجح المهاجرون موسيقياً و "طعامياً" فى التواصل مع المجتمعات المضيفة، لكنهم يفشلون فى التواصل معها سياسياً وثقافياً ودينياً، وهنا يرى مارتينيلو أن على الدولة التدخل لاستكمال دور السوق حيث تقوم بوظيفة الدمج السياسى أيضاً).

 

وإذا ما كان الكاتب يدعو لتدخل الدولة الغربية من أجل تفعيل مهمة الدمج السياسى فإن هناك دور إضافى يجب أن تقوم به المنظمات والتجمعات العربية والإسلامية الموجودة فى المجتمعات الغربية فى عملية الدمج حتى لا يترك المجال كله للسياسات الحكومية والتى لن تكون بالضرورة متفهمة أو داعمة لما يراه المغتربون.

 

عليها مواجهة خطر التفتيت والتعامل مع هذ المكونات البشرية على اسس عرقية وطائفية ومذهبية وذلك بخلق المناخ العادل والارتقاء بالوعى المعرفى، والممارسة الديمقراطية لحل ما يعترض هذه المكونات الوافدة والمكونات الصلية من عقبات.

 

ولعل النموذج الفرنسى يوضح لنا أهمية وجود هذا الدور إذ ان ما يحدث فى فرنسا منذ فترة ويحدث الآن فى بريطانيا أن الإدارة الفرنسية تسعى لتخليق ما تسيمه الإسلام "الفرنسى" أو "العاقل" وهذا قد أدى إلى وجود تصارع بين من يؤيدون هذه الرؤية الفرنسية للاندماج ومن يرون أنها محاولة لإفراغ إيمانات المغتربين من محتواها (الحقيقى) وهنا أيضاً قد يكون من المفيد التعامل مع هذا الواقع بنفس مبدأ السعى للفهم قبل التسرع بالحسم واتخاذ المواقف. وحتى تصبح المواقف ذات قدرة على التأثير بقوة فيما يدور من صراع.

 

وإذا ما انتقلنا من الحالة الفرنسبة ونظرنا لما يدور فى المجتمع البريطانى والذى يتعامل بسلاسة أكبر مع فكرة التعددية الثقافية، وأن المجتمع البريطانى يعتبر نفسه مجتمع متعدد الثقافات نجد أن هذا التميز أصبح محل تساؤل عندما بدأ الكثير من البريطانيين يرون أن قبولهم التعددية لم يؤدى إلى منع ظهور أفراد متطرفين يمارسون أعمالاً تدميرية من أبناء الجاليات المسلمة والعربية والمفترض أنهم مندمجون فى المجتمع البريطانى.

 

هذ الأمثلة وغيرها تستدعى النظر مجدداً فى تحليل وطرح الأسئلة المتعلقة بفكرة الاندماج وأهميته كنقطة انطلاق لاستثمار تواجد المغتربين بشكل أفضل وأمثل.

 

مما سبق يمكننا أن نرى أن مفهوم الاندماج يمكن أن يكون فى شكله الأمثل مرتكزاً على تصور يحاول أن يستفيد من التجارب الإنسانية فى المغتربات. فالاندماج لا يجب أن يعنى زوال وذوبان الجاليات وتلاشيها فى المجتمع بل من الممكن أن يكون وسيلة لتطوير وتوظيف الكفاءات المتواجدة ضمن الجاليات من خلال الولوج إلى المجتمع والتعلم مه ونقل المعرفة إلى الجاليات لتصبح أبواب العمل والمشاركة مفتوحة للجاليات فى داخلها وخارجها ويسهم ذلك فى رفع مستوياتها المادية والمعنوية.

 

ولعل المقارنة بين الجاليتين الباكستانية والهندية فى بريطانيا يمكن أن يعطينا بعض المؤشرات.

 

فانفتاح الهنود أكثر فى بريطانيا ووصولهم إلى مستويات سياسية ومادية وتجارية أعلى أدى إلى تحسن مستوى الجالية فى عمومها وانخفض معدل الفقر فيها وارتفعت الطبقة العاملة والمتعلمة بالرغم من أن الجالية الهندية لم تتلاشى بل بقيت متكاتفة متواجدة بتقاليدها ومعتقداتها وطرق حياتها، مما يجعلنا نرى إمكانية الاندماج دون أن يؤدى ذلك بالضرورة إلى الدوبان أو التلاشى.

 

ونموذج الجالية الهندية فى بريطانيا يمكن الاقتداء به أو على الأقل دراسته والاستفادة من إيجابياته حتى تتحول الجاليات العربية والمسلمة من مجرد قوة عمل اقتصادية إلى قوة عمل سياسية. تعمل بجدية ومثابرة داخل القنوات السياسية المفتوحة للجميع بأماكن تواجدهم وفق قواعد العمل المعمول بها داخل تلك المؤسسات. وهم بذلك سيكونون بالإضافة إلى كونهم حجر أساس فى البناء الداخلى عمقاً استراتيجياً لأوطانهم الأصلية فى قضاياها المصيرية.

 

فالانتماء إلى الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدنى متاحة للجميع. والعمل الجاد من خلالها يوفر أرضية جيدة للمغتربين يمكنهم البناء عليها. ويقدم آليات ودروس ونماذج يمكن الاستفادة منها سواء فى مكان الاغتراب أو عند العودة إلى الوطن الأصلى.

 

هناك ظاهرة لابد من إعطائها قدراً من الاهتمام والعمل الجاد للتخلص من ثقافة القبيلة. التى تتحكم فى مسار وسلوك الكثير من المهاجرين.

 

فتجمعات المغتربين العرب والمسلمين فى أماكن تواجدهم بدلاً من أن يكونوا كالآخرين كتلة مترابطة بتنوعها واعية لمصالحها المشتركة سياسياً واقتصادياً وثقافياً. كونوا وانتظموا فى روابط ونوادى وجمعيات قطرية منكفئة على نفسها، عاشقة لذاتها. جاهلة بما يدور حولها. مبتعدة عن قضايا الوطن الذى اختاروه مقاماً. مؤقتاً أو دائماً.

 

المؤتمر القومى الإسلامى إذا أراد فعلياً تفعيل الجاليات العربية والإسلامية واستثمارها والاستفادة منها فعليه تكوين وحدات دراسية لمتابعة أحوال هذه الجاليات بشكل علمى والوقوف على مدى جاهزيتها واستعدادتها. وجديتها وأن تخرج هذه الدراسة بمقترحات عملية قابلة للتنفيذ وأن يعمل المؤمر القومى الإسلامى على تفعيل هذه المقترحات مع أفراد الجاليات المستعدون لمثل هذه الأعمال بجهد إعلامى وتثقيفى يؤهلهم لاستكمال المسيرة.

 

وقد يكون من المهم فى ختام هذا الطرح أن نشير إلى دور المؤسسات والتجمعات فى الوطن الأم وإمكانيات تفاعلها مع التجمعات فى المغتربات إذ أن التفاعل بينهما يمكن أن يؤدى إلى الوصول لتصورات مشتركة تفيد الطرفين. فالمغتربون يمكن أن يشكلوا جماعات ضغط تساهم ولو بشكل محدود ومتدرج فى الضغط من أجل تطوير واقع حقوق الإنسان فى الوطن الأم فى نفس الوقت يمكن للمؤسسات الوطنية أن تكون داعماً للتواصل الإيجابى بين المغتربين وبلادهم الأصلية خصوصاً فيما يتعلق بالأجيال الجديدة التى تفتقد الكثير من التواصل الممنهج والعاقل كى لا تصبح الأوطان الأصلية مجرد صورة تذكارية يعلوها التراب.

 

مرة أخرى المؤتمر القومى الإسلامى ربما بحكم تكوينه وتوجهه يكون من أكثر وأهم التنظيمات المؤهلة للعمل بجدية للرفع من مستوى وعى هذه الجاليات وتبصيرها بما يجب عليها ان تعمله داخل أوطان الغربة تنظيماً وعملاً، وأن تدعمها للعمل من أجل حماية مصالحها وأوضاعها. ونسج علاقات صحيحة مع المواطنين الأصليين، فهذه العلاقة لا تنتج بالضرورة إلا سلامة القصد والمقصد.

 

محمد زيـان
3 مارس 2009