الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

حوار حول معاداة " السامية " في أمريكا

 

في صيف 1980 زرت المفكر القومي العربي د. نديم البيطار حيث التقيت زميله في جامعة توليدو البروفسور باسيل، وخلال الحديث المتشعب توجه إلي قائلاً:  اطمئن لن يتواصل الدعم الأمريكي لدولة اسرائيل، إذ ستشهد البلاد بروزاً لظاهرة " معاداة السامية" على نحو أشد مما شهدته أوروبا ما بين الحربين.  وفي اليوم التالي قصدت مكتبه استزيده ايضاحاً فراح يحدثني عن مؤشرات الخطر في سياسة ادارة ريجان، المتمثلة بسباق التسلح مع الاتحاد السوفياتي، والانتشار العسكري الواسع, ومحاباة الشرائح العليا ضريبياً، واطلاق حمى الاستهلاك، الأمر الذي يدفع في تقديره لأزمة مالية قد تصل مستوى انهيار بورصة نيويورك سنة 1929 . ولسوف يحمل الجمهور المتضرر المسؤولية لليهود، لدورهم الكبير في امتلاك وادارة المصارف والشركات المالية. وأضاف مؤكدا: أقدر أن يلاقوا ما قد يفوق " الهولوكوست " النازية، لغلبة العنف في الثقافة الأمريكية.

 

        وما أن أنهى استعراضه حتى توجهت إليه سائلاً: وهل تظن أن نكون سعداء بذلك إن حدث ؟ رد من فوره متسائلاً:  كيف لا وأنتم تعادونهم ؟.. قلت بهدوء متعمد:  الذي تسبب بالعداء التحالف الاستعماري – الصهيوني بإقامته استعمار استيطاني عنصري إجلائي في فلسطين على حساب الوجود الطبيعي والتاريخي لشعبها العربي. ولو قرأت التاريخ بمعزل عن الاسقاطات الصهيونية لتبينت أن الصهاينة كانوا المستفيدين الوحيدين من " معاداة السامية " في أوروبا، بينما كان شعب فلسطين ولا يزال الأكثر تضرراً .

 

        وبعد صمت لم يطل تابعت قائلاً: لقد حفزت " معاداة السامية " الفكر والعمل الصهيوني قبل هرتزل وعقد المؤتمر الصهيوني الأول بعدة سنوات . ففي روسيا وجوارها برز الدعاة الصهاينة الأوائل، وتشكلت حركة " أحباء صهيون " التي قادت عملية الهجرة والاستيطان الأولى في فلسطين سنة 1882. وفي انجلترا وفرنسا شعرت النخب اليهودية المالية والفكرية بالقلق على مركزها ونفوذها المتناميين تحسباً من بروز " معاداة السامية " كنتيجة لكثافة تدفق فقراء يهود شرقي القارة نحو الغرب طلباً للأمان والنقلة الاجتماعية. ولدفع الخطر الداهم أقدم أمثال روتشيلد على تمويل الهجرة، وشراء أراضي الاقطاعيين في فلسطين، واقامة المستعمرات الاستيطانية عليها. وهكذا التقى ما اعتبر " اليسار " الصهيوني مع أقطاب اليمين في تنفيذ الاستراتيجية الاستعمارية بإقامة حاجز بشري غريب يفصل بين جناحي الوطن العربي، ليكون اداة القوى الدولية والاقليمية المعادية للمصالح والطموحات العربية.

 

        فسأل وكأنه أراد استفزازي: ألا ترى فيما تقوله عن التقاء اليسار واليمين على عمل مشترك بشكل دائم البرهان العملي على العبقرية اليهودية التي تفتقدون لها؟  فرددت من فوري:  ذلك صحيح لو كان ما يدعى " اليسار " الصهيوني يساراً بحق، اما وهو يقوم بدور استعماري استيطاني في خدمة قوى الاستغلال والهيمنة الدولية فليس له من اليسار غير الاسم.  فضلاً عن أن الرموز الصهيونية التاريخية لم تتردد في الاتفاق مع مقترفي الجرائم بحق فقراء اليهود والتواطؤ معهم . فقد ورد في مذكرات هرتزل أنه سعى للقاء بيليف، وزير داخلية روسيا القيصرية المسؤول عن مذابح اليهود سنة 1881، وأنه حصل منه على رسالة تتضمن موافقة القيصر وحكومته على تأسيس دولة يهودية في فلسطين. ويعيد هرتزل تلك الموافقة الى إقناعه الوزير الروسي بأن الصهيونية تخدم غرضه عندما تعمل على تهجير يهود روسيا الى فلسطين . ومن بعد ذلك بثلاثين عاماً وقعت " الوكالة اليهودية " ، بقيادة وايزمان وبن غوروين ، مع النظام النازي اتفاقية " هاعفرا "، وأقرها المؤتمر الصهيوني الثامن عشر . سنة 1933.  وبموجبها هجر الى فلسطين 54 ألف شاب وفتاة من يهود ألمانيا ، واستورد الصهاينة معدات وسلع ألمانية لقاء أموال اليهود المهاجرين كاسرين بذلك المقاطعة الاقتصادية المفروضة على المانيا النازية يومذاك.

 

        وبعد اطراقة سأل بجدية ملحوظة: ما دامت " معاداة السامية " تخدم الصهاينة فلماذا تمارسونها ؟  وتابع قائلا :  خطابكم الاسلامي شديد العداء لليهود شكل من أشكال " معاداة السامية " وعند التعمق يتضح أنه إنما يخدم متهمي ثقافتكم بالعنصرية وعداء الآخر؟  قلت: ما تقوله لا أنكره ، ولكن هذا ليس الخطاب الاسلامي الحق ، ولا يجوز أن تحسب مقولات بعض الغلاة على الاسلام والمسلمين . ذلك لأن القرآن الكريم هو المرجع الأساس للموقف الاسلامي ، وليس فيه آية واحدة تعادي اليهودية كدين أو اليهود كبشر، وكل ما هنالك ايات تستنكر ممارسات اليهود الخاطئة، والتي أدان الكثير منها السيد المسيح . فضلاً عن أن القرآن الكريم أدان كل من يخرج على الصراط المستقيم لاي دين انتسب . ثم إن التاريخ العربي الاسلامي حافل بالشواهد على تمتع اليهود بالحريات الدينية والمدنية ومشاركتهم في مختلف الأنشطة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية في سائر أنحاء الوطن العربي والعالم الاسلامي ، ولم يعانوا من عزلة اختيارية أو عزل قسري . وتواصل ذلك حتى بروز الحركة الصهيونية التي بادرت ولا تزال بالعدوان .

 

        وبعد ثمانية وعشرين عاماً على لقائي بالبروفسور باسيل، جاءني صديق بنسخة من الرسالة التي بثتها شبكة الانترنت حول قيام ادارة بنك " ليمان برذرز " بتحويل 400 مليار دولار الى فرعه في " اسرائيل " .  فتوجهت للصديق متسائلاً:  اليست الانترنت مراقبة، وهل كان يسمح ببث هذه الرسالة واشباهها لو لم يرد الرقيب الأمريكي اذاعتها لغاية مستهدفة من اشهار بروز " معاداة السامية " في الولايات المتحدة الأمريكية. ولعل مما يدل على احتمال ذلك محاولة هنري كيسنجر القاء مسؤولية الأزمة المالية العالمية على عوائد البترول العربية، وهو لا يجهل أن هذه العوائد لا تذكر حين تقارن بالدخل القومي لأي من الدول السبع العظمى.  فضلاً عن أن عوائد النفط العربية يعاد توظيف القسط الأكبر منها في أسواق المال الأمريكية والأوروبية.

 

        وعدت مخاطباً صديقي قائلا : لن تختلف آثار " معاداة السامية " إن برزت في أمريكا عن النتائج الكارثية لسابقتها الأوروبية . إذ سوف توظف في مجالين:  تهجير أكبر قدر ممكن من يهود أمريكا بعد أن نضبت أو كادت مصادر الهجرة الأخرى. ولتعزيز الموقف الصهيوني ليتجاوز مأزق ما بعد نكسة صيف 2006. فيما سيكون شعب فلسطين وأمته العربية الأكثر تضرراً . وعليه فاحتمال ذلك يحتم العمل المتكامل على أربعة محاور : دعم المقاومة بكل الوسائل المتاحة باعتبارها الأسلوب الأنجح في مواجهة التحدي الاستعماري – الصهيوني، بتهديدها أمن اسرائيل ومنع استقرارها، بما قد يحد من مخاطر الهجرة المستهدفة . ووقف الهرولة للتطبيع الذي لم ينتج سوى تعزيز شعور الصهاينة بأنه لا يجدي مع العرب سوى القوة واشعارهم بعدم الاستعداد للتساهل بأي من الأهداف الصهيونية . ووقف مسلسل المفاوضات العبثية التي لم تخدم غير توسع الاستيطان واشاعة الأوهام وادامة اكذوبة " عملية السلام " . والتعاطي الواعي مع القوى الاقليمية في مرحلة غاية في الدقة فيما يتصل بالصراع العربي – الصهيوني .

 

عوني فرسخ

31 أكتوبر 2008