الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

تمايز المواقف الاوروبية تجاه الحقوق الفلسطينية

 

شكل قرار الاتحاد الاوروبي بشأن القدس وحدود وعاصمة "الدولة" الفلسطينية تراجعا عن المشروع السويدي الذي كان يطالب بوقف الاستيطان ، بما في ذلك ما يوصف بأنه "نمو طبيعي" ، خاصة في القدس الشرقية ، واقامة دولة فلسطينية مستقلة وكاملة السيادة في عموم الارض المحتلة سنة 1967 ، وبحيث تكون القدس الشرقية عاصمة لها . وهو التراجع الذي استدعاه تحقيق اجماع وزراء خارجية الدول الاوروبية السبعة والعشرين على صيغة واحدة ، بعد أن عارضت دول رئيسية في مقدمتها بريطانيا وفرنسا وايطاليا وبولندا ورومانيا وتشيكيا مواقف الدول الاسكندنافية المؤيدة للمشروع السويدي ، المؤسس على رفض عملية التهويد الكثيفة الجارية فصولها في القدس الشرقية ، ومجمل الممارسات الصهيونية في الارض المحتلة سنة 1967 . وفي ذلك دلالة على تمايز المواقف الاوروربية من تهويد القدس الشرقية ، واعتبار القدس الموحدة عاصمة ابدية لاسرائيل كدولة يهودية .

 

والجدير بالتذكير به بداية أن اسرائيل هي في واقعها "دولة يهودية" عنصرية منذ اعلان قيامها عشية انتهاء الانتداب البريطاني يوم السبت 14 مايو / آيار 1948 . إذ استهل "مجلس الدولة المؤقت الاسرائيلي " اعلانه بقيام الدولة بالقول : "أرض اسرائيل هي مهد الشعب اليهودي ، هنا تكونت هويته الروحية والدينية والسياسية " . وبعد احدى عشرة دقيقة من صدور الاعلان الصهيوني صرح أمين السر الصحافي للرئيس ترومان قائلا : "علمت هذه الحكومة أن دولة يهودية قد أعلنت في فلسطين ، وبأن الاعتراف قد طلبته الحكومة المؤقتة لهذه الدولة، وقد اعترفت الولايات المتحدة بالحكومة المؤقتة كسلطة الامر الواقع لدولة اسرائيل الجديدة " . فالاعلان الصهيوني قد اعتبر فلسطين " ارض اسرائيل" فيما تضمن الاعتراف الامريكي وصف الكيان الصهيوني بانه "دولة يهودية " . وقد تمثلت "يهودية الدولة" باعتمادها رموزا يهودية بدءا  من العلم الذي توسطته نجمة داود والنشيد الوطني . ثم بقانون العودة الذي اختص اليهود وحدهم بالجنسية الاسرائيلية بمجرد دخولهم البلاد . كما تمثلت العنصرية بالاجراءات والقرارات والانظمة التي طبقت بحق الاقلية العربية " .

 

وكان بن غوريون قد اصدر اواخر مارس / آذار 1948 تعليمات شفوية لقادة الهاجاناه باعتماد اجراءات "التطهير العرقي" بحق المواطنين العرب ، من منطلق قناعته بانه لن تكون هناك دولة يهودية بوجود اقلية كبيرة ومعادية في وسطها ، وأن دولة كهذه لن تكون قادرة على البقاء . كما يقرر بني موريس ، أبرز المؤرخين الاسرائيليين الجدد ، الذي وثق للمجازر وعمليات اغتصاب العربيات لحمل اكبر عدد ممكن من المواطنين العرب على الرحيل عن مدنهم وقراهم . وفي حديث صحفي قبل نحو عامين صرح بني موريس : "إن خطأ بن غوريون القاتل يومذاك انه لم يقم باتمام عملية التهجير ، وينفذ عملية طرد كاملة بدلا من عملية طرد جزئية ، لكان أمًن  استقرار دولة اسرائيل لاجيال " . وفيما قاله بني موريس دلالة على أن ما هو مستهدف من إعلان شعار "الدولة اليهودية" في العامين الآخيرين ، المؤيد من ادارة اوباما . انما هو استكمال ما لم يستكمله بن غوريون من تطهير عرقي سنة 1948 .

 

وان تكون يهودية الدولة قد اعتمدت في بيان اعلان قيام الكيان الصهيوني ، والاعتراف الامريكي الفوري بقيامها ، ففي ذلك ما يعني ان كل الذين اعترفوا باسرائيل على مدى السنوات الواحدة والستين الماضية ، بوعي منهم او بلا وعي ، قد اقروا بالصيغة اليهودية لدولة "اسرائيل" ، كما بطابعها العنصري . غير أن هناك تمايزا كيفيا بين هؤلاء ، وبين من يقرون استكمال عملية التطهير العرقي التي لم يتمها بن غوريون ، وذلك بالموافقة على إعتبار اسرائيل "دولة يهودية " ، وبالتالي تأييد عملية التطهير العرقي المكثفة في القدس الشرقية ، أو بالسكوت عليها . وفي هذا تمايزت الدول الاسكندنافية التي ايدت المشروع السويدي عن تلك الاوروبية التي عارضته .

 

وفي الوقت الذي نثمن فيه مواقف السويد والدول الاوروبية التي ايدت مشروعها ، وإن هي اضطرت للتراجع عنه من منطلق الحرص على وحدة الموقف الاوروبي ، لا نرى أن رفض قرار الاتحاد الاوروبي بالصيغة التي جاء بها يحول دون السعي لتعميق وتوسيع التفاعلات مع مؤسسات المجتمع المدني الاوروبية المنفتحة على الشعب العربي الفلسطيني في وطنه المحتل من النهر الى البحر ، والمؤيدة ولو بمقدار حقوقه الوطنية والانسانية المشروعة ، بل وتوظيف  ذلك في التصدي للمارسات العنصرية ضد مواطني القدس العرب ، وحرمانهم من ممارسة حقوقهم التي يكفلها لهم القانون الدولي ، وبخاصة إقامة الدعاوى امام المحاكم الاوروبية المختصة ضد مقترفي الاجراءات العنصرية المخالفة للقانون الدولي ، واتفاقيات جنيف الخاصة بمسؤوليات دولة الاحتلال ، وتولي منظمات حقوق الانسان متابعة قضايا العدوان على حقوق المقدسيين العرب المشروعة ، كما في هدم المنازل ، واخراج اصحابها منها ، والحرمان من الوصول للمسجد الاقصى ، كما حصل مؤخرا مع سماحة مفتي القدس الشيخ عكرمة صبري ، واعتقال مسؤول ملف القدس حاتم عبدالقادر ، والتضييق على تواصلهم مع الضفة الغربية .

 

فضلا عن انه في غاية الاهمية ايجاد آليات التواصل مع المواطنين العرب في القدس الشرقية المحتلة ، وتقديم الدعم المالي لهم الذي توفره الهيئات العربية ، من خلال هيئات المجتمع  المدني الاوروبية المتميزة بمواقف ايجابية تجاه الحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة . وبحيث يحتل تدعيم صمود المقدسيين العرب المقام الاول في الاستجابة الوطنية والقومية للتحدي الذي تجسده دعوة الاعتراف باسرائيل دولة يهودية . ذلك لان صمود المقدسيين العرب ، وافشال مخطط ترحيلهم القسري ، ما يرسى حجر الاساس في تعزيز صمود المواطنين العرب في الارض المحتلة سنة 1948 ، وإفشال ما هم مستهدفون له من تطهير عرقي .

 

وإذ نؤكد على اهمية التفاعل مع هيئات المجتمع المدني الاوروبية ، المتحررة من المشاعر العنصرية والولاء الصهيوني ، في ايصال الدعم لعرب القدس ، فإننا لا نتجاهل مطلقا قدرتهم الفذة على الممانعة والصمود ، واستعدادهم غير المحدود للتصدي للغزاة الصهاينة دفاعا عن حقوقهم المشروعة ، كما تجلى مؤخرا بتصديهم بصدروهم العارية لقطعان المستوطنين الذين حاولوا اقتحام الحرم القدسي الشريف ، ثم في التصدي للذين حاولوا طرد اسرة الكرد من بيتها في حي الشيخ جراح . ما يؤشر الى فجر انتفاضة مقدسية تجعل من كل بيت مستهدف حرما قدسيا آخر .

 

عـوني فـرسـخ
31 ديسمبر 2009