الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

مجزرة غزة والمراجعة العربية المطلوبة

 

يبدو جليا أن بوش وألومرت لم يأخذا في حسابهما أن تصعيد ارهاب الدولة الصهيوني ضد الصامدين في قطاع غزة ، سيؤدي لتفجير غضبة شعبية متصاعدة في مشرق الوطن العربي ومغربه تنذر بتصفية ما تبقى من مفاعيل مرحلة التغول الأمريكي والعربدة الصهيونية بعد نكسة التحالف المضاد في الحرب على لبنان صيف 2006 ،  مما يضع المنطقة على عتبات نقلة نوعية في الاستجابة العربية للتحديات .  وهذا ما توضحه الوقفة مع ردات الفعل العفوية على حرب الأرض المحروقة التي جرى تصعيدها على قطاع الصمود والمقاومة ، والرئيس الأمريكي لما يزل يتابع جولته المستفزة لمشاعر الجمهور العربي كما عكست ذلك الفضائيات والصحافة العربية .

 

        ففي الضفة الغربية المحتلة المؤشرات كثيرة على تداعي قواعد الأمر الواقع ، الذي عملت أجهزة التحالف المضاد على صنعه .  فالرئيس محمود عباس خالف ما عرف به في حالات العدوان السابقة ،  إذ طالب برفع الحصار عن قطاع غزة ، وأجرى اتصالات مع أولمرت أسهمت في إعادة سلطة الاحتلال إمداد قطاع غزة بالوقود الضروري لتشغيل محطات الكهرباء .وإن كان هذا تراجعا تكتيكيا من صناع القرار الصهيوني إلا أنه ما كان ليتحقق لولا تحسبهم ورعاتهم الامريكيين من عواقب تطور ردة الفعل الشعبية العربية . فضلا عن أن مشاركة مختلف الفصائل في المظاهرات التي عمت مدن الضفة دون أن تتصدى لقمعها أجهزة السلطة ، كما فعلت في مواجهة المظاهرة التي شهدتها رام الله احتجاجاً على زيارة الرئيس بوش . ففي ذلك مؤشر على تراجع تكتيكي من قبل سلطة الرئيس محمود عباس ما كان ليحصل لولا الغضبة الشعبية التي اجتاحت مدن الضفة ومخيمات اللجوء في لبنان والأردن وفلسطين ، منذرة بسقوط الحواجز المانعة لتلاقي قواعد فتح مع بقية الفصائل على مواقف مشتركة ، وبداية تنبهها الى أن التناقضات فيما بين شركاء المسيرة والمصير ، أياً كانت دواعيها ، تناقضات ثانوية لا تحتم الصدام ،  فيما التناقض مع العدو ، ورعاته على جانبي الأطلسي ، هو التناقض الرئيسي والعدائي الأولى بالمواجهة والتصدي .

 

        وما تحقق على صعيد الحراك الوطني الفلسطيني ، وإن كان لما يزل يفتقر للقاعدة الصلبة من الوحدة الوطنية المؤسسة على الالتزام بالثوابت التي قامت على النضال لتحقيقها منظمة التحرير الفلسطينية ، وما برحت احتمالات الالتفاف عليه واردة ، إلا أنه يؤشر لفشل الغاية المستهدفة من تصعيد العدوان على القطاع .  فقوة الردع التي أراد قادة آلة الحرب الصهيونية استعادتها لم تتحقق ، واستثارة مواطني القطاع ضد سلطتهم المنتخبة ديمقراطياً لم تقع . بل وعلى العكس من ذلك تزايد الالتفاف الشعبي الفلسطيني حول حماس والتزمها الملتزمة بالمقاومة خياراً استراتيجياً ،  فيما بات الرئيس محمود عباس واركان سلطته أمام تحدي الانخراط في حوار جاد وصادق لاستعادة الوحدة الوطنية ، واعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وأجهزتها بمشاركة مختلف القوى ، وإلا خسروا ما تبقى لهم من قبـــول غير يسير من قواعدهم .

 

        وليس من عاصمة عربية إلا وشهدت مظاهرات واعتصامات وحوارات مفكرين ومثقفين ، مؤكدة التضامن مع مواطني القطاع والرموز الملتزمة بالمقاومة خياراً استراتيجياً ، ومطالبة صناع القرار الرسمي وهيئات المجتمع المدني باتخاذ كل ما قد يسهم برفع الحصار الرسمي العربي عن القطاع ، والمساهمة في دعم صمود مواطنيه ، ووقف كل اجراءات الصلح والتطبيع مع الكيان الصهيوني .  والغضب الشعبي العربي ، وإن لم يبلغ بعد المستوى المؤثر في المواقف الرسمية العربية المرتهنة لواشنطن ، إلا أن فيه ما يؤكد أن القضية الفلسطينية لما تزل القضية المركزية لجماهير الأمة العربية .  كما أنه  الدليل على أن كل اجراءات الصلح والتطبيع التي تمت ، وتلك المطلوبة أمريكياً ، ليست في نظر جماهير الأمة العربية سوى الزبد الذي يذهب جفاء ولا يمكث في الأرض التي ، برغم ثقافة العولمة ، لما تزل تتكلم عربي .

 

        وكما خاب مسعى تصعيد العدوان في تحقيق ما استهدفه التحالف الأمريكي – الصهيوني ومناصروه الدوليون والاقليميون على الصعيد الفلسطيني الخاص ، فإنه على عتبات الفشل على الصعيد العربي العام .  فالغضب الشعبي ، وإن لم يحدث التغيير المطلوب في دوائر صناعة القرارات الرسمية العربية ، إلا أنه يؤشر لما تختزنه الأمة من قدرات ، ان جرى تفعيلها أحدثت تغييراً ملموساً في ميزان القدرات والأدوار المختل لصالح التحالف الاستراتيجي الأمريكي – الصهيوني .  مما يعني في التحليل الأخير أن الأمة العربية ليست بلا حول ولا قوة كما يذهب المسكونون بثقافة الهزيمة .  الأمر الذي يفرض على مختلف القوى ، الرسمية والشعبية العربية ، مراجعة مواقفها في ضوء قراءة موضوعية للواقع .

 

        وكل من تابع حوارات الفضائيات العربية حول تصعيد حرب الأرض المحروقة على قطاع الصمود والمقاومة ، لابد أنه تبين أن غالبية المشاركين فيها ، خاصة المصريين منهم ، يعتبرون النظام بمصر المسؤول الأول عن  تدارك المأساة . كما عن قناعتهم بأن فقدان مصر دورها القومي التاريخي علة افتقاد النظام الاقليمي العربي المنعة تجاه التدخلات والضغوط الأمريكية .  فضلاً عن أنه بحكم العلاقة التاريخية بين مصر وقطاع غزة بدا جليا تطلع مواطني القطاع لمصر باعتبارها عمقهم الاستراتيجي .  وإذا كان يذكر الرئيس مبارك وأركان نظامه تحركهم الذي اضطر سلطه الاحتلال الصهيوني لاعادة امداد القطاع بالوقود الضروري لتشغيل محطات الكهرباء .  إلا أن المسؤولية القومية لنظام القطر صاحب الدور التاريخي في حياة أمته تستدعي مبادرته الى تفعيل قرار الجامعة العربية بفك الحصار العربي عن قطاع غزة ، وفتح معبر رفح دون اعتبار للاتفاقية التي سبق لسلطة الرئيس عباس أبرامها ، باعتباره يصل القطاع بأرض مصر وليس لاسرائيل صلة به.

 

        ويظل تفعيل وتطوير الحراك الشعبي العربي السبيل الذي لا سبيل سواه لدفع الانجاز المتحقق إلى الأمام .  والمسؤولية التاريخية عن ذلك تقع على عاتق قوى المقاومة الفلسطينية الممانعة العربية فهي المطالبة باستثمار الانجاز المتحقق بالدفع نحو تحقيق المراجعات الجذرية لمواقف القوى العربية جمعاء من الصراع المفروض على الأمة العربية من بوابتها الفلسطينية . كما أنها مسؤولة عن استثمار أزمة الادارة الأمريكية في العراق ، والنظام الصهيوني في فلسطين المحتلة من النهر الى البحر ، وهذا هو التحدي الذي تفرضه بداية فشل العدوان وتوفر الظروف الموضوعية لمراكمة انجاز المقاومة وتعزيز دورها القيادي .
 

عوني فرسخ

30 يناير 2008