الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

انيس صايغ: حين يقترن البحث العلمي بالالتزام الوطني

 

حين كان الحديث عن فلسطين حديثاً عقائدياً مجرداً مهمته التذكير بالثوابت والمبادئ، او خطاباً تعبوياً يستثير المشاعر ويحرك الكوامن، حمل هذا الفلسطيني- السوري – اللبناني قلمه وفكره والتزامه وأبحر باتجاه الابحاث والدراسات يسعى من خلال شخصيته العلمية والصارمة والدقيقة الى تعريف شعبه الفلسطيني والعربي بنفسه وعدوه.

       

كان احمد الشقيري مؤسس منظمة التحرير افلسطينية، واخوانه، اول المتجاوبين مع فكرة انيس صايغ في اواسط الستينات، فكان مركز الابحاث الفلسطيني، وقد اسسه هذا الاستاذ الجامعي ابن العائلة المعروفة برموزها العلمية البارزة، وكانت مهمته ان يشحذ وعي الفلسطينيين ويعزز معرفتهم بمغتصبي ارضهم، ليفتح بذلك جبهة جديدة في ميدان العلم والثقافة  والبحث تضاف الى جبهات أخرى في ميادين الفداء والتعبئة العقائدية والسياسية والشعبية.

       

وكعادته ادرك العدو خطورة ما يقوم به انيس صايغ اكثر مما ادركها مواطنوه وابناء جلدته، فلم تمر سنوات عّدة إلاّ ووجد انيس صايغ طرداً ملغوماً ينفجر بين يديه فينال منهما، كما من بصره، ولكنه لم ينل من بصيرته وعزيمته ابداً.

       

ولم يكن من قبيل الصدف ان يكون  مركز الابحاث الفلسطيني اول  اهداف جيش العدو الصهيوني حين غزا بيروت، فداهمه وصادر محتوياته ووثائقه الفريدة والهامة، التي اعتبرها اخطر عليه من السلاح والمتفجرات.

       

وبعد اشهر على الغزو لم يكتف العدو بالمداهمة والمصادرة، بل اوعزت الموساد الى عملائها بارسال سيارة مفخخة لتفجير المركز نفسه في محلة كركاس في رأس بيروت ، فكان التفجير  عقوبة متأخرة لهذا المركز ورسالة تهديد لكل محاولة مستقبلية تسعى لاقامة مركز للبحث  يدخل العقل الفلسطيني في عصر تكمن قوته الرئيسية في المعرفة، وفي مواجهة عدو يتباهى انه يعرف عنا اكثر مما نعرف عن انفسنا.

       

كان انيس صايغ في مركز الابحاث الذي اطلقه، وفي الموسوعة الفلسطينية التي اشرف على اعدادها، يجسد مرحلة في الثقافة الفلسطينية العربية المعرفية تعتمد ثلاثية البحث العلمي، والالتزام الوطني والقومي، ومعرفة العدو عن قرب، فازدهرت، من بعده، مراكز الابحاث والدراسات الفلسطينية والعربية، وتوسعت المدارك الفلسطينية والعربية ببنى العدو ونسيجه، ومكامن القوة والضعف فيه، حتى بتنا نرى  في كل صحيفة عربية واسعة الانتشار، خبراء في الشؤون الاسرائيلية، وفي جنباتها صفحة خاصة لنشر ما تكتبه صحافة العدو.

       

لكن الحديث عن انيس صايغ كمؤسس، بل كمؤسسة، لا ينصف وحده الرجل الذي وهب، كاشقائه ، حياته من اجل القضية الفلسطينية والعربية،  فهو ايضا مناضل صلب ذو موقف جريء لا يهادن فيما يعتبره حقاً ولا يساوم في ما يعتبره من ثوابت شعبه وامته، وقد دفع ثمنا غالياً  بسبب صلابته وعنفوانه واحساسه العالي بالكرامة، لأن فاقد الكرامة الشخصية لا يستطيع ان يكون ممتلكاً لكرامة وطنية او قومية.

       

وبقدر ما كان انيس صايغ رائدا في المؤسسات البحثية والعمل الموسوعي الضخم، كان من اوائل الذين اشرفوا على اصدار دوريات فكرية ملتزمة ذات منحى اكاديمي، فكانت "شؤون فلسطينية" الباكورة، ليتبعها "بالمستقبل العربي"، ثم "بشؤون عربية" الصادرة عن جامعة الدول العربية، فشكلت تلك الدوريات، وما تزال، بستاناً فكريا غنياً بثمار ثقافية يانعة يتعرف ابناء الامة من خلالها على براعمهم الفكرية الواعدة، بل تتواصل عبرها اجيال واجيال.

       

كان انيس صايغ بين الفلسطينيين عموما، وفلسطيني لبناني خصوصاً، مرجعاً وأباً وسنداً بل سعى مع كوكبة من اترابه البررة كشفيق الحوت ورفعت النمر رحمهما الله، وابو ماهر اليماني امد الله في عمره، في تأسيس لقاء ثقافي فلسطيني في لبنان منذ اوائل التسعينات ليسّد فراغاً كبيراً في الواقع الفلسطيني في البلد الذي شهد توترات في علاقاته الفلسطينية، فاقام جسورا للتواصل مع رجال السياسة والفكر اللبنانيين والعرب، محولاً الحوارات المفتوحة معهم الى ساحات نقاش يفهم الفلسطينيون من خلالها هواجي الاخرين، ويتعرف الاخرون عبرها على معاناة الفلسطينيين.

 

إنشغالات انيس صايغ الثقافية لم تمنعه يوما من اعلان مواقفه السياسية المبدئية، بل كان يسارع للتحرك كلما احس بانحرافات تهدد المسار الوطني لشعبه، كما كان أمره قبل عامين، وعشية مؤتمر انابوليس الشهير، حين شارك في تأسيس المؤتمر الوطني الفلسطيني ليشكل صوتاً للثوابت الفلسطينية.

       

ولأن لأنيس صايغ دائما طريقته الخاصة في العمل، وابداعاته في التعبير، كان يقتحم الجديد بالاكثر جدة، والجريء بالاكثر جرأة ، والجيد بالاكثر جودة، فحين رحل رفيقاه رفعت النمر وشفيق الحوت لم يشأ ان يكرمهما كما جرت العادة باصدار كتاب يتضمن ما كتب عن شخصيهما، بل طلب من كل من رافقهما في مؤسسات عملوا فيها ، او محطات عاشوا فيها ، ان يكتب عن تلك المؤسسات والمحطات انطلاقا من قناعته بان التكريم الحقيقي للانسان هو في الاضاءة  على محطات عاشها فعاشت معه، وعلى مؤسسات اعطاها من حياته فاعطته وهجاً وبريقاً واثراً ملموساً.

       

واليوم، ومع رحيل انيس صايغ، هل ينهض من بين اصدقائه من يقوم ببعض ما كان يقوم به، ابو البحث الفلسطيني، فيعد كتاباً، وربما موسوعة، عن مؤسسات اطلقها انيس او ساهم في اطلاقها.

 

معـن بشـور

30 ديسمبر 2009