الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

لك أن تحلم يا ليبرمان وتتمنى

 

من حق وزير خارجية الدولة العبرية أفيغودور ليبرمان أن يحلم ويتمنى كما يشاء، ومن حقه أن يتخيل وأن يتهيأ ما يريد، وله أن يعيش أحلام اليقظة وخيال المنامات، فله أن يحلم بشطب القضية الفلسطينية من قاموسه، ولو أن يتخيل فلسطين وقد استحالت أرض إسرائيل، وأنها أصبحت خالية من غير اليهود، وباتت دولةً إسرائيلية يهودية نقية، فقد عودنا منذ سنوات، قبل أن يكون وزيراً للخارجية على تصريحاتٍ غريبة، وأطوارٍ متقلبة، فهو القادم مثل كثيرٍ غيره من روسيا، يحلم بأن يطرد أصحاب الحق، وأهل الأرض من وطنهم، فأعلن عدم اعترافه بعملية السلام، وتنكر لاتفاقية أوسلو التي لم تحقق شيئاً وقد مضى على توقيعها ستة عشر عاماً، ورفض توصيات مؤتمر أنابوليس واعتبرها غير ذات جدوى، ودعا إلى إعادة النظر في بنود خارطة الطريق، وسافر إلى دول أوروبا وأمريكا اللاتينية ثم إلى دول أفريقيا يروج لأفكاره ويدعو لها، وأخذ يخطط لرسم قواعد جديدة للدبلوماسية الإسرائيلية، تقوم على إنكار الحقوق الفلسطينية في الدولة والعودة والوطن، وهاجم بعض الدول الأوروبية، ودعا إلى إسرائيل قوية بعيداً عن الولايات المتحدة الأمريكية، ورفض أي فيتو أمريكي يفرض على دولة إسرائيل، معتبراً ذلك تدخلاً في الشؤون الإسرائيلية.

ولكن ليبرمان ليس وحده الذي يحلم في المجتمع الإسرائيلي بشطب القضية الفلسطينية ونسيانها، وإنكار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، فكثيرٌ من الساسة الإسرائيليين ومن المواطنين يحلمون بأن تنشق الأرض وتبتلع الفلسطينيين وينتهي الأمر كله، بل منهم من يحلم بتدمير المسجد الأقصى وإزالته من الوجود، وبناء هيكل سليمان مكانه، ومنهم من يخطط لهذا كله وغيره، فالمتطرفون اليمينيون الإسرائيليون يسيطرون على الشارع الإسرائيلي، ويفرضون رؤاهم ومواقفهم، وهم الذين اختاروا نتنياهو رئيساً لحكومتهم، وأعطوا جل أصواتهم لحزب إسرائيل بيتنا الذي يترأسه أفيغودور ليبرمان، وهم الذين يفكرون في الوطن البديل للفلسطينيين، وأنه ينبغي ترحيلهم من أرض إسرائيل وليقيموا دولتهم في الأردن، ولهذا فإن ليبرمان ليس بالرجل الشاذ عن المجتمع الإسرائيلي، بل هو واحدٌ منهم، يفكر مثلهم، ويتمنى ذات الأماني، ولكن الفرق بينه وبين أي مواطنٍ إسرائيلي آخر، هو أن صوته عالي وصاخب، ويستطيع أن يصدح به في كل مكان، وهناك من يسمع صوته، ويردد كلامه، ويروج له، فالسياسة الإسرائيلية واحدة، تتغير أشكالها لكن تبقى أهدافها موحدة.

وكما أن من حق ليبرمان وغيره من الإسرائيليين أن يحلموا وأن يتمنوا، فإن من حق الفلسطينيين أن يحلموا ويتمنوا استعادة أرضهم كلها، وعودة أرض فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر إلى الحضن العربي، ومن حقهم أن يحلموا بعودة لاجئيهم إلى وطنهم، إلى بساتينهم وحقولهم وممتلكاتهم في حيفا ويافا واللد والرملة، ومن حقهم أن يحلموا بفلسطين خالية من الصهاينة الذي استوطنوا فلسطين وطردوا أهلها منها، فكم يتمنى الفلسطينيون لو يستطيعون أن يشطبوا اسم إسرائيل من الخارطة السياسية للعالم، وألا يكون لها وجودٌ على الأرض، فهذا حلم مغروسٌ في النفوس، باقٍ مع الأيام، تتوارثه الأجيال الفلسطينية، وعلى العالم الحر ألا يحاسب شعبنا الفلسطيني على أحلامه التي هي انعكاسٌ لحقه، وإنما عليه أن يجرم العدو الإسرائيلي الذي يحاول أن يحقق أحلامه بالدماء والمجازر.

ولا يبتئسن أحدٌ من الفلسطينيين من هذه التصريحات، ولا يتسربن اليأس إلى قلبه، ولا توهن الكلمات عزمه، ولا توهي غطرسة القوة يقينه، فكم تمنى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحق رابين أن يستيقظ يوماً فيجد أن غزة قد ابتلعها البحر، فها هو رابين قد رحل وبقيت غزة، بل عادت غزة حرةً إلى أهلها وأبناءها، وكم تمنى شارون أن يسحق الفلسطينيين، وأن يرحل من بقي منهم خارج فلسطين، وأن يخلق لهم وطناً بديلاً عن وطنهم، ولكنه ذوى وسقط بلا موتٍ ولم يحقق شيئاً من أحلامه وأمنياته، رغم القوة المفرطة التي استخدمها ضد الشعب الفلسطيني، وكم تمنى قادة العدو الإسرائيلي أن يدمروا إرادة الشعب الفلسطيني، وأن يلقوا في نفوسهم الوهن والضعف، فما جنوا غير مزيدٍ من الثبات واليقين، ومزيدٍ من المقاومة والصمود، ولا يعتقدن الإسرائيليون أن هذه أحلام ليبرمان ستقيهم من غدٍ قادم، وأن تصريحاته الجوفاء ستنقلب إلى حقائق ووقائع، فما نراه أن كبيرهم يقودهم إلى تهلكةٍ هم أنفسهم يرون أنها قادمةٌ لا محالة، وعلى الإسرائيليين أن يدركوا أن الفلسطينيين لا ينتظرون من الإسرائيليين أن يدرجوا قضيتهم في قاموسهم السياسي، بل إن الفلسطينيين قادرين على أن يبقوا قضتهم حاضرة، ووطنهم باقٍ في الذاكرة والواقع، وأن مقاومة الشعب الفلسطيني بكل صورها ستبقي القضية الفلسطينية حاضرة في كل مكان، وفي كل الأوقات، فالفلسطينيون يعرفون كيف يحافظون على قضيتهم، وكيف يتمسكون بحقوقهم، وكيف يدافعون عنها، ولا يضيرهم اعتراف ليبرمان بها أو إنكاره لها، ويخطئ الإسرائيليون إذا اعتقدوا أنهم يستطيعون بقوة سلاحهم فرض واقعٍ على الشعب الفلسطيني، فقوة الإسرائيليين مهما بلغت فلن تنال من إرادةِ شعبٍ يقينه ليس حلماً، وإيمانه ليس أماني.

لذا فإن على ليبرمان أن يعلم يقيناً أن حلمنا ستشرق عليه الشمس، وسيغدو يوماً ما حقيقة، وستعود إلينا بلادنا وأرضنا، وسنعود إلى بياراتنا ومنازلنا وقرانا حتى ولو كانت مدمرة، وأياً كان كانت أسماؤها، فسنعيد إليها أسماءها الأصيلة، وألقابها العربية النقية، ومهما ارتكب الإسرائيليون بحقنا من مجازر فلن ننسى حقنا، ولن نتخلى عن حلمنا، وستبقى كل أمٍ فلسطينية ترضع طفلها حب فلسطين، وحتمية تحريرها والعودة إليها، وسيورث آباؤنا أولادهم اليقين بأن فلسطين هي أرضنا ووطننا ومقدساتنا، ففلسطين أرض العرب والمسلمين عمرها عمر الزمن، وستبقى لأهلها ما بقي الزمن، وستعود إلينا ما بقي القرآن، وأن إسرائيل طارئة على هذا العالم، وأن قوى الاستعمار التي جاءت بها قد ولت ورحلت، فإنها ستندثر وستمحى من ذاكرة الشعوب، كما ستشطب من خارطة العالم، وقاموس البلدان، وستزول مستوطناتهم، وسيعودون كارهين إلى أوطانهم، ألا إن أحلامهم أضغاثٌ، ولكن أحلامنا عقيدةٌ وإيمانٌ ويقين، وإن غداً لناظره قريب، " إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً " .

 

د.مصطفى يوسف اللداوي

29 سبتمير 2009