الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

السودان في عيون صهيونية

 

تناولنا الاسبوع الماضي الجزء الخاص بمصر فى محاضرة آفي ديختر وزير الأمن الصهيوني ، التي القاها فى 4 سبتمبر الماضي 2008 فى معهد ابحاث الامن القومى الاسرائيلي .

واليوم نتناول الجزء الخاص بالسودان ، وفيما يلى اهم ما جاء به :

 

ان اضعاف الدول العربية الرئيسية بشكل عام ، واستنزاف طاقاتها وقدرتها هو واجب وضرورة من اجل تعظيم قوة اسرائيل واعلاء منعتها فى مواجهة الاعداء ، وهو ما يحتم عليها استخدام الحديد والنار تارة والدبلوماسية ووسائل الحرب الخفية تارة اخرى

والسودان بموارده ومساحته الشاسعة ، كان من الممكن ان يصبح دولة اقليمية قوية منافسة لدول مثل مصر والعراق والسعودية .

كما انه يشكل عمقا استراتيجيا لمصر ، وهو ما تجسد بعد حرب 1967 عندما تحول الى قواعد تدريب وايواء لسلاح الجو المصرى وللقوات الليبية ، كما انه ارسل قوات مساندة لمصر فى حرب الاستنزاف عام 1968.

وعليه فانه لا يجب ان يسمح لهذا البلد ان يصبح قوة مضافة الى قوة العالم العربى

ولابد من العمل على اضعافه وانتزاع المبادرة منه لبناء دولة قوية موحدة

فسودان ضعيف ومجزأ وهش افضل من سودان قوى وموحد وفاعل

وهو ما يمثل من المنظور الاستراتيجى ضرورة من ضرورات الامن القومى الاسرائيلى

ولقد تبنى كل الزعماء الصاينة من بن جوريون وليفى اشكول وجولدا مائير واسحاق رابين ومناحم بيجين وشامير وشارون واولمرت خطا استراتيجيا واحدا فى التعامل مع السودان هو : العمل على تفجير ازمات مزمنة ومستعصية فى الجنوب ثم دارفور

وانه حان الوقت للتدخل فى غرب السودان وبنفس الآلية والوسائل لتكرار ما فعلته اسرائيل فى جنوب السودان

وان النشاط الصهيونى فى دارفور لم يعد قاصرا على الجانب الرسمى ، بل يسانده فى ذلك ، كل المجتمع الاسرائيلى بمنظماته وقواه وحركاته وامتدادته فى الخارج .

وان الدور الامريكى فى دارفور يسهم بشكل فعال فى تفعيل الدور الاسرائيلى

وامريكا مصرة على التدخل المكثف فى السودان لصالح انفصال الجنوب وانفصال دارفور على غرار ما حدث فى كوسوفو .

وان اسرائيل نجحت بالفعل فى تغيير مجرى الاوضاع فى السودان ، فى اتجاه التأزم والتدهور والانقسام ، وهو ما سينتهى عاجلا ام آجلا الى تقسيمه الى عدة كيانات ودول مثل يوغوسلافيا .

وبذلك لم يعد السودان دولة اقليمية كبرى قادرة على دعم الدول العربية المواجهة لاسرائيل .

*  *  *

وقبل ان نعرض نص المحاضرة ، نراجع  معا ما جاء فى وثيقة صهيونية اخرى حول نفس الموضوع ، نشرتها مجلة كيفونيم لسان حال المنظمة الصهيونية العالمية عام  1982تحت عنوان " استراتيجية اسرائيل فى الثمانينات " ، ونشرناها نحن بعنوان : "الوثيقة الصهيونية لتفتيت الامة العربية "، حيث جاء فيها ما يلى :

ان مصر المفككة والمقسمة الى عناصر سيادية متعددة ، على عكس ماهى عليه الآن ، سوف لاتشكل أى تهديد لاسرائيل بل ستكون ضمانا للزمن والسلام لفترة طويلة ، وهذا الامر هو اليوم فى متناول ايدينا .

ان دول مثل ليبيا والسودان والدول الابعد منها سوف لايكون لها وجود بصورتها الحالية ، بل ستنضم الى حالة التفكك والسقوط التى ستتعرض لها مصر . فاذا ما تفككت مصر فستتفكك سائر الدول الاخر ، ان فكرة انشاء دولة قبطية مسيحية فى مصر العليا الى جانب عدد من الدويلات الضعيفة التى تتمتع بالسيادة الاقليمية فى مصر ـ بعكس السلطة والسيادة المركزية الموجودة اليوم ـ هى وسيلتنا لاحداث هذا التطور التاريخى . ان تفتيت لبنان الى خمس مقاطعات اقليمية يجب أن يكون سابقة لكل العالم العربى بما فى ذلك مصر وسوريا والعراق وشبه الجزيرة العربية.

و السودان أكثر دول العالم العربى الاسلامى تفككا فانها تتكون من أربع مجموعات سكانية كل منها غريبة عن الأخرى ، فمن أقلية عربية مسلمة سنية تسيطر على أغلبية غير عربية افريقية الى وثنيين الى مسيحيين .

*  *  *

 

والآن فلنقرأ معا نص المحاضرة

 

يتساءل البعض فى اسرائيل :  لماذا نهتم بالسودان ونعطيه هذا القدر من الأهمية ؟ ولماذا التدخل فى شئونه الداخلية فى الجنوب سابقا وفى الغرب دارفور حاليا طالما أن السودان لا يجاورنا جغرافيا ، وطالما أن مشاركته فى إسرائيل معدومة أو هامشية وارتباطه بقضية فلسطين حتى نهاية الثمانينات ارتباطا واهيا وهشا ؟ 

وحتى لا نطيل فى الإجابة يتعين أن نسجل هنا عدة نقاط محورية  تكفى لتقديم إجابات على هذه التساؤلات التى تطرح من قبل ساسة وإعلاميين سواء فى وسائل الإعلام وأحيانا فى الكنيست :

1. إسرائيل حين بلورت  محددات سياستها واستراتيجيتها  حيال العالم العربى انطلقت من عملية استجلاء واستشراف للمستقبل وأبعاده وتقييمات تتجاوز المدى الحالى أو المنظور .

 

2. السودان بموارده ومساحته الشاسعة  وعدد سكانه كان من الممكن أن يصبح دولة إقليمية قوية منافسة لدول عربية رئيسة مثل مصر والعراق والسعودية . لكن السودان ونتيجة لأزمات داخلية بنيويه , صراعات وحروب أهلية فى الجنوب استغرقت ثلاثة عقود  ثم الصراع الحالى فى دارفور ناهيك عن الصراعات حتى داخل المركز الخرطوم  تحولت الى أزمات مزمنة . هذه الأزمات فوتت الفرصة على تحوله الى قوة إقليمية مؤثرة تؤثر فى البنية الأفريقية والعربية. 

كانت هناك تقديرات إسرائيلية حتى مع بداية استقلال السودان فى منتصف عقد الخمسينات أنه لا يجب أن يسمح لهذا البلد رغم بعده عنا أن يصبح قوة مضافة الى قوة العالم العربى لأن موارده إن استمرت فى ظل أوضاع مستقرة ستجعل منه قوة يحسب لها ألف حساب . وفى ضوء هذه التقديرات  كان على إسرائيل أو الجهات ذات العلاقة أو الاختصاص أن تتجه الى هذه الساحة وتعمل على مفاقمة الأزمات وإنتاج أزمات جديدة حتى يكون حاصل هذه الأزمات معضلة يصعب معالجتها فيما بعد .

 

3. كون السودان يشكل عمق استراتيجى  لمصر , هذا المعطى تجسد بعد حرب الأيام الستة  1967  عندما تحول السودان  الى قواعد تدريب وإيواء لسلاح الجو المصرى  وللقوات البرية هو وليبيا . ويتعين أيضا أن نذكر بأن السودان أرسل قوات الى منطقة القناة أثناء حرب الإستنزاف  التى شنتها مصر منذ عام 1968 ـ 1970 .

كان لابد أن نعمل  على إضعاف السودان وانتزاع المبادرة منه لبناء دولة قوية موحدة رغم أنها تعد بالتعددية الأثتية والطائفية ـ لان هذا من المنظور الاستراتيجى الإسرائيلى  ضرورة من ضرورات دعم وتعظيم الأمن القومى الإسرائيلى .

 

وقد عبرت عن هذا المنظور رئيسة الوزراء الراحلة ( جولدا مائير ) عندما كانت تتولى وزارة الخارجية وكذلك ملف إفريقيا فى عام 1967 عندما قالت : " إن إضعاف الدول العربية الرئيسية  واستنزاف طاقاتها وقدراتها واجب وضرورة من أجل تعظيم قوتنا وإعلاء عناصر المنعة لدينا فى إطار المواجهة مع أعداءنا . وهذا يحتم علينا استخدام الحديد والنار تارة والدبلوماسية ووسائل الحرب الخفية تارة أخرى " .

وكشفت عن أن إسرائيل  وعلى خلفية بعدها  الجغرافى عن العراق والسودان مضطرة لاستخدام وسائل أخرى  لتقويض أوضاعهما  من الداخل  لوجود الفجوات والتغيرات  فى البنية الاجتماعية والسكانيه   فيهما .

(وراح ديختر يورد المعطيات عن وقائع الدور الإسرائيلى فى إشعال الصراع فى جنوب السودان انطلاقا من مرتكزات  قد أقيمت فى أثيوبيا وفى أوغندا وكينيا والزائير سابقا  الكونغو الديموقراطية  حاليا )

 

وقال ان جميع رؤساء الحكومات فى إسرائيل من بن جوريون وليفى أشكول وجولدا مائير واسحاق رابين ومناحم بيجين ثم شامير وشارون وأولمرت  تبنوا الخط الاستراتيجى  فى التعاطى مع السودان  الذي يرتكز (  على تفجير بؤرة وأزمات مزمنة ومستعصية فى الجنوب وفى أعقاب ذلك فى دارفور ) .

هذا الخط الاستراتيجى كانت له نتائج ولاتزال أعاقت وأحبطت الجهود لإقامة  دولة سودانية متجانسة قوية عسكريا واقتصاديا قادرة على تبوأ موقع صدارة فى البيئتين العربية والأفريقية .

فى البؤرة الجديدة فى دارفور تداخلنا  فى إنتاجها وتصعيدها ، كان ذلك حتميا وضروريا حتى لا يجد السودان المناخ والوقت لتركز جهودها باتجاه تعظيم قدراته . ما أقدمنا عليه من جهود على مدى ثلاثة عقود يجب أن لا يتوقف  لأن تلك الجهود هى بمثابة مداخلات ومقدمات التى أرست منطلقاتنا . الاستراتيجية التى تضع نصب اعينها أن سودان ضعيف ومجزأ وهش أفضل من سودان قوى وموحد وفاعل .

نحن بالإضافة  الى ذلك نضع فى  إعتبارنا وفى صميم اهتمامنا حق سكان الجنوب فى السودان فى تقرير المصير والإنعتاق من السيطرة . من واجبنا الأدبى والأخلاقى أن ندعم تطلعات  وطموحات سكان الجنوب  ودارفور. حركتنا فى دارفور لم تعد قاصرة على الجانب الرسمى وعلى نشاط أجهزة معينة . المجتمع الإسرائيلى بمنظماته المدنية وقواه وحركاته وامتداداتها فى الخارج تقوم بواجبها لصالح سكان دارفور .

الموقف الذي أعبر عنه بصفتى وزيرا إزاء ما يدور فى دارفور من فظائع وعمليات إبادة ومذابح جماعية هو موقف شخصى وشعبى ورسمى .

من هنا نحن متواجدين فى دارفور لوقف الفظائع وفى ذات الوقت لتأكيد خطنا الإستراتيجى من أن دارفور كجنوب السودان من حقه أن يتمتع بالاستقلال وإدارة شؤونه بنفسه ووضع حد لنظام السيطرة المفروض عنوة من قبل حكومة الخرطوم .  

لحسن الطالع أن العالم يتفق معنا من أنه لابد من التدخل فى دارفور سياسيا واجتماعيا وعسكريا . الدور الأمريكى فى دارفور دور مؤثر وفعال ومن الطبيعى أن يسهم أيضا  فى تفعيل الدور الإسرائيلى ويسانده كنا سنواجه مصاعب فى الوصول الى دارفور لنمارس دورنا المتعدد الأوجه بمفردنا وبمنأى عن الدعم الأمريكى والأوروبى .

صانعوا  القرار  فى البلاد كانوا من أوائل المبادرين الى وضع خطة للتدخل الإسرائيلى فى دارفور 2003 والفضل يعود الى رئيس الوزراء السابق إرييل شارون . أثبتت النظرة الثاقبة  لشارون والمستمدة من فهمه  لمعطيات الوضع السودانى خصوصا والوضع فى غرب أفريقيا صوابيتها . هذه النظرة وجدت تعبيرا لها فى كلمة قاطعة ألقاها رئيس الوزراء السابق خلال اجتماع الحكومة فى عام 2003 ( حان الوقت  للتدخل فى غرب السودان وبنفس الآلية والوسائل وبنفس أهداف تدخلنا فى جنوب السودان ).

لابد من التفكير مرة أخرى بأن قدر هام وكبير من أهدافنا فى السودان قد تحقق على الأقل فى الجنوب وهذه الأهداف تكتسب الآن فرص التحقيق فى غرب السودان فى دارفور .

وعندما سئل ديختر ما هى نظرته الى مستقبل السودان على خلفية أزماته المستعصية فى الجنوب وفى الغرب والإضطراب السياسى وعدم الاستقرار فى الشمال وفى مركز القرار الخرطوم ؟ .  هذا السؤال طرحه نائب وزير الدفاع السابق جنرال الإحتياط إفرايم سنيه .

رد ديختر على هذا السؤال : ( هناك قوى دولية تتزعمها الولايات المتحدة مصرة على التدخل المكثف  فى السودان لصالح خيارات تتعلق بضرورة أن يستقل جنوب السودان وكذلك إقليم دارفور على غرار استقلال إقليم كوسوفو . لا يختلف الوضع  فى جنوب السودان وفى دارفور  عن وضع كوسوفو . سكان هذين الإقليمين يريدون الإستقلال وحق تقرير المصير قاتلوا الحكومة المركزية من أجل ذلك .

وأريد أن أنهى تناولى للمحور السودانى  فى هذه المحاضرة تأكيد أن استراتيجيتنا التى ترجمت على الأرض فى جنوب السودان سابقا وفى غربه حاليا استطاعت  أن تغير مجرى الأوضاع فى السودان نحو التأزم والتدهور والإنقسام . أصبح يتعذر الآن الحديث عن تحول السودان الى دولة إقليمية كبرى وقوة داعمة للدول العربية  التى نطلق عليها دول المواجهة مع اسرائيل . السودان فى ظل أوضاعه المتردية والصراعات المحتدمة فى جنوبه وغربه وحتى فى شرقه غير قادر على التأثير بعمق فى بيئته العربية والأفريقية لأنه متورط  ومشتبك فى صراعات ستنتهى إن عاجلا أو آجلا  بتقسيمه الى عدة كيانات ودول مثل يوغوسلافيا التى انقسمت الى عدة دول البوسنة والهرسك وكرواتيا وكوسوفو  ومقدونيا وصربيا  ويبقى السؤال عالقا  متى ؟.

بالنسبة لجنوب السودان الدلائل كلها  تؤكد أن جنوب السودان  فى طريقه الى الإنفصال لأن هذا هو خياره الوحيد . هو بحاجة الى كسب الوقت لإقامة مرتكزات دولة الجنوب . وقد يتحقق ذلك قبل موعد إجراء الاستفتاء عام 2011 إلا إذا طرأت تغيرات داخلية واقليمية إما أن تسهم فى تسريع تحقق هذا الخيار أو فى تأخيره .

*  *  *

المشروع الصهيونى فى العراق

 

 بعد مصر والسودان نتناول اليوم ما ورد عن العراق فى محاضرة وزير الأمن الداخلى الصهيوني " آفى ديختر " ، التى القاها  يوم 4 سبتمبر 2008 ، فى معهد ابحاث الامن القومى الاسرائيلى . والتى كان اهم ما جاء فيها :

ان تحييد العراق عن طريق تكريس أوضاعه الحالية ليس أقل أهمية وحيوية عن تكريس وإدامة تحييد مصر .

وان كان تحييد مصر قد تحقق بوسائل دبلوماسية لكن تحييد العراق يتطلب استخدام كل الوسائل المتاحة وغير المتاحة حتى يكون التحييد شاملا كاملا .

وان المعادلة الحاكمة لاسرائيل فى البيئة العراقية تنطلق من مزيد من تقويض حزمة القدرات العربية فى دولها الرئيسية من أجل تحقيق المزيد من الأمن القومى لإسرائيل .

العراق الذي ظل فى منظورنا  الاستراتيجى التحدى الاستراتيجى الأخطر  بعد أن تحول الى قوة عسكرية هائلة , فجأة تلاشى كدولة وكقوة عسكرية بل وكبلد واحد متحد , العراق يقسم جغرافيا وانقسم سكانيا وشهد حربا أهلية شرسة ومدمرة أودت بحياة بضع مئات الألوف

وان تحليلنا النهائى و خيارانا الاستراتيجى هو أن العراق يجب أن يبقى مجزأ  ومنقسما ومعزولا داخليا بعيدا عن البيئة الإقليمية .

وليس بوسع أحد أن ينكر أننا حققنا الكثير من الأهداف فى العراق أكثر مما خططنا  وأعددنا له .

فنحن لم نكن بعيدين عن التطورات هناك منذ عام 2003

وما زال هدفنا الإستراتيجى هو عدم السماح لهذا البلد أن يعود الى ممارسة دور عربى واقليمى ، لأننا سنكون أول المتضررين .

ونحن نستخدم فى ذلك كل الوسائل غير المرئية على الصعيد السياسى والأمني لتحقيق اهدافنا.

وذروة اهداف اسرائيل هو دعم الاكراد بالسلاح والتدريب والشراكة الامنية من اجل تاسيس دولة كردية مستقلة فى شمال العراق تسيطر على نفط كركوك وكردستان .

ولقد كان من المستحيل ان تنجح اسرائيل فى تحقيق ما حققته الولايات المتحدة فى العراق الا باستخدام عناصر القوة لديها  بما فيها السلاح النووى .

وان استمرار وجود الولايات المتحدة فى العراق لعقد او عقدين سيكون ضمانة لاسرائيل ضد عودة العراق لمواجهة اسرائيل .

وان الاتفاقية الامنية الامريكية العراقية ستتضمن بنودا تضمن تحييد العراق فى اى حرب مع سوريا او لبنان او ايران كما تضمن عدم السماح للعراق بالالتزام باى مواثيق تعادى اسرائيل مثا معاهدة الدفاع العربى المشترك .

*   *   *

 

وقبل ان نعرض نص المحاضرة ، نراجع  معا ما جاء فى وثيقة صهيونية اخرى حول العراق ، نشرتها مجلة كيفونيم لسان حال المنظمة الصهيونية العالمية عام  1982تحت عنوان " استراتيجية اسرائيل فى الثمانينات " ، ونشرناها نحن بعنوان : "الوثيقة الصهيونية لتفتيت الامة العربية "، حيث جاء فيها ما يلى :

ان العراق لاتختلف كثيرا عن جارتها ولكن الأغلبية فيها من الشيعة والاقلية من السنة ، ان 65% من السكان ليس لهم أى تأثير على الدولة التى تشكل الفئة الحاكمة فيها 20% الى جانب الأقلية الكردية الكبيرة فى الشمال .

ولولا القوة العسكرية للنظام الحاكم وأموال البترول ، لما كان بالامكان ان يختلف مستقبل العراق عن ماضى لبنان وحاضر سوريا .

ان بشائر الفرقة والحرب الأهلية تلوح فيها اليوم ، خاصة بعد تولى الخمينى الحكم ، والذى يعتبر فى نظر الشيعة العراقيين زعيمهم الحقيقى وليس صدام حسين .

ان العراق الغنية بالبترول والتى تكثر فيها الفرقة والعداء الداخلى هى المرشح التالى لتحقيق أهداف اسرائيل .

ان تفتيت العراق هو أهم بكثير من تفتيت سوريا وذلك لأن العراق أقوى من سوريا

ان فى قوة العراق خطورة على اسرائيل  فى المدى القريب أكبر من الخطورة النابعة من قوة أية دولة أخرى .

وسوف يصبح بالامكان تقسيم العراق الى مقاطعات اقليمية طائفية كما حدث فى سوريا فى العصر العثمانى .

وبذلك يمكن اقامة ثلاث دويلات ( أو أكثر ) حول المدن العراقية .

دولة فى البصرة  ، ودولة فى بغداد  ، ودولة فى الموصل ، بينما تنفصل المناطق الشيعية فى الجنوب عن الشمال السنى الكردى فى معظمه .

 

*  *  *

 

نص المحاضرة

ليس بوسع أحد أن ينكر أننا حققنا الكثير من الأهداف على هذه الساحة بل وأكثر مما خططنا له وأعددنا فى هذا الخصوص . يجب استحضار ما كنا نريد أن نفعله وننجزه فى العراق منذ بداية تدخلنا فى الوضع العراقى منذ بداية عقد السبعينات من القرن العشرين , جل وذروة هذه الأهداف هو دعم الأكراد لكونهم جماعة أثنية مضطهدة من حقها أن تقرر مصيرها بالتمتع بالحرية شأنها شأن أى شعب .

فى البداية كان المخططون فى الدولة وعلى رأسهم " أورى ليبرانى " المستشار الأسبق لرئيس الوزراء ثم سفيرنا فى تركيا وأثيوبيا  وإيران  قد حدد إطار وفحوى الدعم الإسرائيلى الأكراد . هذا الدعم كان فى البداية متواضعا , دعم سياسى و إثارة قضية الأكراد وطرحها فوق المنابر . لم يكن بوسع الأكراد أن يتولوها  فى الولايات المتحدة وفى أوروبا وحتى داخل بعض دول أوروبا . كان دعم مادى أيضا ولكنه محدود .

التحول الهام بدأ عام 1972 . هذا الدعم اتخذ أبعادا أخرى أمنية , مد الأكراد بالسلاح عبر تركيا وإيران واستقبال مجموعات كردية لتلقى التدريب فى إسرائيل بل وفى تركيا وإيران .

هكذا  أصبح هذا الدعم المحرك لتطور مستوى العلاقات الاستراتيجية بين إسرائيل والأكراد , وكان من المنتظر أن تكون له نتائج مهمة لولا أن ايران  الشاه والعراق  توصلا الى صفقة فى الجزائر عام 1975 , هذه الصفقة وجهت ضربة قوية الى الطموح الكردى . لكن وفق شهادات قيادات إسرائيلية ظلت على علاقة بزعيم الأكراد مصطفى البرزانى . الأكراد لم يتملكهم اليأس , على العكس ظلوا أكثر إصرارا على الإستمرار فى صراعهم ضد السلطة فى بغداد .

بعد إنهيار المقاومة الكردية كنتيجة للاتفاق مع إيران توزعت قياداتهم على تركيا وسوريا وإسرائيل . إسرائيل وانطلاقا من إلتزام أدبى وأخلاقى كان من واجبها أن تظل الى جانب الأكراد وتأخذ بأيديهم الى أن يبلغوا الهدف القومى الذي حددوه , تحقيق الحكم الذاتى فى المرحلة الأولى ومرحلة الإستقلال الناجز بعد ذلك . 

لن أطيل فى حديثى  عن الماضى , يجب أن ينصب حديثى على أن ما تحقق فى العراق فاق ما كان عقلنا الاستراتيجى يتخيله .

الآن فى العراق دولة كردية فعلا , هذه الدولة تتمتع بكل مقومات الدولة أرض شعب دولة وسلطة وجيش واقتصاد ريعى نفطى واعد , هذه الدولة تتطلع الى أن تكون حدودها ليست داخل منطقة كردستان , بل ضم شمال العراق بأكمله , مدينة كركوك فى المرحلة الأولى  ثم الموصل وربما الى محافظة صلاح الدين الى جانب جلولاء وخانقين . 

الأكراد حسب ما لمسناه  خلال لقاءات مع مسؤولين إسرائيليين  لايدعون مناسبة دون أن يشيدوا بنا وذكروا دعمنا ويمثنوا  مواقفنا  والإنتصار الذي حققوه فى العراق فاق قدرتهم على استيعابه .

وبالنسبة لنا لم تكن أهدافنا تتجاوز دعم المشروع القومى الكردى لينتج كيان كردى أو دولة كردية . لم يدر بخلدنا لحظة أن تتحقق دفعة واحدة  مجموعة أهداف نتيجة للحرب التى شنتها الولايات المتحدة  وأسفرت عن احتلاله . العراق الذي ظل فى منظورنا  الاستراتيجى التحدى الاستراتيجى الأخطر  بعد أن تحول الى قوة عسكرية هائلة , فجأة العراق يتلاشى كدولة وكقوة عسكرية بل وكبلد واحد متحد , العراق يقسم جغرافيا وانقسم سكانيا وشهد حربا أهلية شرسة ومدمرة أودت بحياة بضع مئات الألوف .

إذا رصدنا الأوضاع فى العراق منذ عام 2003 فإننا سنجد أنفسنا أمام أكثر من مشهد :

1. العراق منقسم على أرض الواقع الى ثلاثة كيانات أو أقاليم رغم وجود حكومة مركزية .

2. العراق ما زال عرضة لإندلاع جولات جديدة من الحروب والإقتتال  الداخلى بين الشيعة والسنة وبين العرب والأكراد .

3. العراق بأوضاعه  الأمنية والسياسية والاقتصادية  لن يسترد وضعه ما قبل 2003  .

نحن لم نكن بعيدين عن التطورات فوق هذه المساحة منذ عام 2003 , هدفنا الإستراتيجى مازال عدم السماح لهذا البلد أن يعود الى ممارسة دور عربى وإقليمى  لأننا نحن أول المتضررين . سيظل صراعنا  على هذه الساحة فاعلا طالما بقيت القوات الأمريكية التى توفر لنا مظلة وفرصة لكى تحبط أية سياقات لعودة العراق الى سابق قوته ووحدته . نحن نستخدم كل الوسائل غير المرئية على الصعيد السياسى والأمني . نريد أن نخلق ضمانات  وكوابح ليس فى شمال العراق بل فى العاصمة بغداد . نحن نحاول أن ننسج علاقات مع بعض النخب السياسية والإقتصادية حتى تبقى بالنسبة لنا ضمانة لبقاء العراق خارج دائرة الدول العربية  التى هى حالة حرب مع اسرائيل , العراق حتى عام 2003 كان فى حالة حرب مع إسرائيل . وكان يعتبر الحرب مع إسرائيل من أوجب واجباته . إسرائيل كانت تواجه تحدى استراتيجى حقيقى فى العراق , رغم حربه مع ايران لمدة ثمانية أعوام واصل العراق تطوير وتعزيز قدراته التقليدية والإستراتيجية بما فيها سعيه لحيازة سلاح نووى .

هذا الوضع  لايجب أن يتكرر نحن نتفاوض مع الأمريكان من أجل ذلك , من أجل قطع الطريق أمام عودة العراق ليكون دولة مواجهة مع اسرائيل.

الإدارة الأمريكية حريصة على ضمان مصالحنا وعلى توفير هذه الضمانات عبر وسائل مختلفة .

1. بقاء القوات الأمريكية فى العراق لفترة لا تقل عن عقد الى عقدين  حتى فى حالة فوز باراك أوباما  الذي يحبذ سحب القوات الأمريكية حتى نهاية عام 2009.

2. الحرص على أن تشمل الاتفاقية  الأمنية بين الولايات المتحدة والحكومة العراقية أكثر من بند يضمن تحييد العراق فى النزاع مع إسرائيل وعدم السماح له بالإنضمام الى أية تحالفات أو منظومات أو الإلتزام بمواثيق تتأسس  على العداء ضد إسرائيل كمعاهدة الدفاع العربى المشترك أو الإشتراك فى أى عمل عدائى ضد إسرائيل إذا ما نشبت حرب فى المنطقة مع سوريا أو لبنان أو إيران .

الى جانب هذه الضمانات هناك أيضا جهود وخطوات نتخذها نحن بشكل منفرد  لتأمين ضمانات قوية  لقطع الطريق على عودة العراق الى موقع الخصم .  استمرار الوضع الحالى فى العراق ودعم الأكراد فى شمال العراق ككيان سياسى قائم بذاته , يعطى ضمانات قوية ومهمة للأمن القومى الإسرائيلى  على المدى المنظور على الأقل .

نحن نعمل على تطوير شراكة  أمنية واستراتيجية مع القيادة الكردية رغم أن ذلك  قد يثير غضب تركيا  الدولة الصديقة . نحن لم ندخر جهدا فى سبيل إقناع الزعامة التركية  وعلى الأخص رجب أردوغان وعبد الله جول بل والقادة العسكريين أن دعمنا للأكراد  فى العراق لا يمس وضع الأكراد فى تركيا .

أوضحنا هذا أيضا للقيادة الكردية  وحذرناها من مغبة الإحتكاك بتركيا أو دعم أكراد تركيا بأى شكل من اشكال الدعم , أكدنا لهم أن الشراكة مع إسرائيل يجب أن لا تضر بالعلاقة مع تركيا وأن ميدان هذه الشراكة هو العراق فى الوقت الحالى , وقد يتسع المستقبل لكن شريطة أن يتجه هذا الأتساع نحو سوريا وإيران .

مواجهة التحديات الاستراتيجية فى البيئة الإقليمية  يحتم علينا أن لا نغمض العين عن تطورات الساحة العراقية وملاحقتها , لا بالوقوف متفرجين بل فى المساهمة بدور كى لا تكون تفاعلاتها ضارة ومفاقمة للتحديات .

تحييد العراق عن طريق تكريس أوضاعه الحالية ليس أقل أهمية وحيوية عن تكريس وإدامة تحييد مصر , تحييد مصر تحقق بوسائل دبلوماسية لكن تحيي العراق يتطلب استخدام كل الوسائل المتاحة وغير المتاحة حتى يكون التحييد شاملا كاملا .

لا يمكن الحديث عن استخدام خيار القوة لأن هذا الشرط غير قائم بالنسبة للعراق . ولأن هذا الخيار مارسته القوة الأعظم فى العالم, الولايات المتحدة , وحققت نتائج تفوق كل تصور , كان من المستحيل على اسرائيل أن تحققه إلا بوسيلة واحدة وهى استخدام عناصر القوة بحوزتها بما فيها السلاح النووى .

تحليلنا النهائى أن العراق يجب أن يبقى مجزأ  ومنقسما ومعزولا داخليا بعيدا عن البيئة الإقليمية , هذا هو خيارانا الاستراتيجى . ومن أجل تحقيقه سنواظب على استخدام الخيارات التى تكرس هذا الوضع , دولة كردية فى العراق تهيمن على مصادر إنتاج  انتاج النفط فى كركوك وكردستان .

هناك إلتزام من القيادة الكردية بإعادة تشغيل خط النفط من كركوك الى خط IBC  سابقا عبر الأردن  وقد جرت مفاوضات أولية مع الأردن وتم التوصل الى اتفاق مع القيادة الكردية , وإذا ما تراجع الأردن فهناك البديل التركى أى مد خط كركوك ومناطق الإنتاج الأخرى فى كردستان  تتم الى تركيا واسرائيل , أجرينا دراسات لمخطط أنابيب للمياه والنفط مع تركيا ومن تركيا الى إسرائيل .

المعادلة الحاكمة فى حركتنا الاستراتيجية فى البيئة العراقية تنطلق من مزيد من تقويض حزمة القدرات العربية فى دولها الرئيسية من أجل تحقيق المزيد من الأمن القومى لإسرائيل .  

 

محمد سيف الدولة

29 مايو 2009

Seif_eldawla@hotmail.com

-----------------

 

الصلح مع العدو والانشقاق الوطني