الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

قراءة في التفاعلات التاريخية مع المسيحيين العرب

 

من مظاهر الواقع العربي المأزوم نكوص البعض عن التفاعلات التاريخية المتميزة مع المسيحيين العرب. وفي مرحلة من ابرز معالمها السعي الامريكي الصهيوني لتقسيم الأقطار العربية واثارة الفتن الطائفية والعرقية فيها، يغدو مهما الوقوف مع المغالاة في تفسير بعض النصوص بما يتناقض مع عدل الاسلام ورحمته، والممارسات الغالبة منذ فجر الاسلام، بحيث تميزت الحواضر العربية كيفيا في التعامل مع الآخر، بشهادة غالبية المستشرقين.

 

ومن النصوص موضوع الجدل حول تفسيرها "غير المغضوب عليهم ولا الضالين " من سورة الفاتحة، والقول بأن المقصود بذلك اليهود والنصارى. وذلك ما راجعني بشأنه اكثر من مفكر ومثقف عربي؛ وفي الرد على المتسائلين ذكرتهم بأن القرآن الكريم يشرح بعضه بعضا،  وموقفه من أهل الكتاب غاية في الايجابية، إذ ليس من آية تعادي اليهودية والنصرانية كدينين، أو اليهود والنصارى كبشر، وانما هناك آيات تنتقد السلوكيات الخاطئة مع التمييز بين الصالحين والضالين بقوله تعالى : " ليسوا سواء من أهل الكتاب امة قائمة يتلون آيات الله أناء الليل وهم يسجدون * يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات واؤلئك من الصالحين " . (آل عمران ، الآيتان 113 و 114 ) . والضالون والمغضوب عليهم الذين يدينهم القرآن الكريم ليسوا من دين واحد، فضلا عن أنه لا يصح ايمان المسلم إن لم يعتقد بقدسية ما أوحي لابراهيم  وموسى وعيسى عليهم السلام.

 

ولقد أرسى القرآن الكريم أسس التآلف الاجتماعي وعدم التمييز العنصري على أساس التمايز الديني بقوله تعالى: "وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم" (المائدة الآية 5) وبالتفاعل الايجابي فيما بين مكونات المجتمع الذي نشأ بعد الفتح تبلورت ضمن حدود الوطن العربي أمة ذات طبيعة تركيبية تضم التنوع ضمن اطار الوحدة، وثقافة عربية اسلامية للمسيحيين العرب دور في تبلورهما.

 

ولقد تعددت الاجتهادات في تفسير آيات الذكر الحكيم، وفي دلالات الاحاديث النبوية الشريفة، وفي ذلك يقول حسن البنا "الدين آيات واحاديث ونصوص يفسرها العقل والرأي في حدود اللغة وتوابعها، والناس في ذلك جد مختلفين " ؛ ومما يميز الاسلام انه لا يفرض تفسيرا او مذهبا بعينه، ويذكر للامام مالك قوله : "إن تعدد المذاهب رحمة بالعباد من رب العالمين " ، فيما يقرر احمد امين، المختص بالدراسات الاسلامية، إن تفسير القرآن الكريم متأثر بالواقع الاجتماعي والثقافي الذي يصدر فيه.

 

والقول بأن أهل الكتاب هم المقصودون بغير المغضوب عليهم والضالين منسوب للمجتهد ابن تيمية ، الذي عاش زمن تحالف الافرنج والمغول وموالاة بعض الجماعات لهم . وليس مستغربا ان يميل للتشدد في تفسيره بتأثير الواقع المأزوم. وهو واقع وإن بدا مشابها للواقع العربي الراهن ، إلا أن مرحلة التحرر الوطني التي تعيشها الامة العربية تتطلب الحرص على الوحدة الوطنية ، باعتبارها الدرع الواقية في مواجهة القوى المعادية وأدواتها الاقليمية والمحلية .

 

ثم إن السلف الصالح حدد قواعد التفاعل مع شركاء المسيرة والمصير ، استناداً لعهود الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وقادة الفتح ، التي في ضوئها صاغ الفقهاء نظام "أهل الذمة " مقراً لغير المسلمين حرياتهم الدينية والمدنية مع احتفاظهم بتمايزهم ، بحيث لم يهمشوا في أي نشاط اقتصادي او اجتماعي او ثقافي . ويعتبره د. ادمون رباط " فتحا في عالم الفكر وابتكارا عبقريا " لا سابقة له في التاريخ  . ولا مجال لمقارنة ما وفره للمسيحيين  واليهود من حقوق بالممارسات العنصرية في المهاجر الامريكية والأوروبية والاسترالية  تجاه العرب عامة ، والمسلمين منهم خاصة.

 

وبصدور "التنظيمات" العثمانية بموجب " خط كلخانة " سنة 1856 انتهى العمل بنظام "اهل الذمة" ، واعتبر المواطنون متساوين في الحقوق والواجبات . وهذا ما يلتقي على القول به بعض ابرز قادة الفكر والعمل الاسلامي المعاصرين ، كراشد الغنوشي ومحمد سليم العوا . والثابت أن الحريات الدينية متوفرة للزردشتية في ايران والهندوسية والبوذية في اندونيسيا وماليزيا .

 

وكما استهدفت غزوات الفرنجة المسماة "الحروب الصليبية" العرب مسلمين ومسيحيين كذلك فعلت القوى الاستعمارية والارساليات التبشيرية الأوروبية والعنصريون من المستشرقين .  فما قاله ايرنست رينان بحق الاسلام والمسلمين ليس أكثر عنصرية وافتقاداً للموضوعية مما قاله المبشر الأمريكي واطسون وابنه شارلز – أول رئيس للجامعة الأمريكية في القاهرة – بحق الكنيسة القبطية والاقباط .  وفي كل معارك التحرر الوطني العربية التقى الشيوخ والقساوسة والخوارنة على منابر المساجد والكنائس في الدعوة للمقاومة .  كما كان ، ولا يزال، للمسيحيين من مختلف الطوائف أدوار قيادية في الأحزاب الوطنية والقومية .  ولقد استقبلت المملكة العربية السعودية وأقطار الخليج العربية خلال نصف القرن الأخير عشرات آلاف المسيحيين العرب ، من مختلف الطوائف ، الذين احتلوا مواقع متميزة في القطاعين العام والخاص .  كما اقيمت في معظمها الكنائس ومدارس الارساليات بدعم من الحكام ، ويحتفل فيها بعيد الميلاد ورأس السنة الميلادية دون أدنى حساسية .

 

والذي لا يجوز نسيانه أن بروز الغلاة في تفسير النصوص من الكتاب والسنة يعود في أهم أسبابه لاستغلال الجماعات إسلامية الشعارات في سعي الادارات الأمريكية لاستعادة المواقع التي خسرتها الدول الاستعمارية ، وتوظيف الأنظمة لها في تصفية القوى الناصرية واليسارية .  وعلى مدى العقود الاربعة الماضية تعددت المؤثرات السلبية على الفكر العربي ، خاصة الديني منه ، ومن أبرز معالمها نكوص المواقف تجاه المسيحيين العرب .  فضلاً عن انعكاسات استشراء الحملات المضادة للاسلام في أوروبا وأمريكا .

 

غير أن الرهان معقود على ما عرفت به الأمة العربية من قدرة فذة على النهوض من الكبوات . وفي تبني المؤتمر القومي – الاسلامي الدعوة للوحدة العربية والتحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة والتجدد الحضاري ما يبعث الامل في النفوس ، لا سيما وبين رموزه عدد من قادة العمل والفكر الاسلامي . فضلا عن مشاركة العديد من نخب المسيحيين العرب في الحراك السياسي والابداع الفكري والفني ، ما يؤشر الى ان القوى الحية في الامة لما تزل وفية لتراث السلف الصالح الذي يعود له فضل احتفاظ الامة العربية بخاصية امتلاك التعدد ضمن اطار الوحدة .

 

عوني فرسخ
29 ديسمبر 2007