الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

الواقع العربي في ذكرى عبد الناصر الأربعين

 

في الثامن والعشرين من سبتمبر أيلول 1970 فاضت روح الرئيس جمال عبد الناصر، بعد تحقيقه انجازاً قومياً، في القمة الطارئة التي دعا لها لوقف اقتتال الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية، وتجنيب الأمة تداعياته الخطرة، وقد لاحت نذر تدخل اسرائيل، بتأييد أمريكي، في صراع أخوة، هم برغم تفاقم خلافاتهم، شركاء مسيرة ومصير.  وعلى مدى السنوات الأربعين التالية تواصل القصف الاعلامي المضاد له شخصياً، وللحركة القومية العربية بقيادته.  وبرغم عملية غسيل الدماغ المبرمجة التي تعرض لها المواطن العربي، وثقافة الهزيمة الشائعة، لما يزل عبد الناصر صاحب الحضور الأبرز في الجدل السياسي ما بين المحيط والخليج، كما في الدراسات الأجنبية المعنية بالواقع العربي في العصر الحديث.

 

        ولم يكن الرئيس عبد الناصر مجرد ضابط نفذ انقلاباً عسكرياً ناجحاً، ولا تميز فقط بشخصيته الكارزمية، وانما عرف أيضاً بكونه مثقفاً عضوياً ملتزماً بقضايا مجتمعه دائم الحوار مع الواقع لتجاوزه.  والثابت أنه الذي صاغ "المبادئ الستة" التي أعلنها "الضباط الأحرار" صباح 23 يوليو/ تموز 1952.  والتي عبرت عن نقاط التقاء الحركات الرديكالية المصرية في أواخر العهد الملكي، كما كانت تعكسها أدبيات الوطنيين والاشتراكيين والإخوان المسلمين والشيوعيين.  بحيث يمكن القول بأن التحالف الذي تعذر تحقيقه في الشارع السياسي تحقق بعمق في تنظيم "الضباط الأحرار".  كما قال عادل حسين في ندوة "ثورة 23 يوليو، قضايا الحاضر وتحديات المستقبل" التي عقدت بالقاهرة سنة 1987.

 

        وقد عرفت مصر تاريخياً بأنها كلما نمت قدراتها وطنياً مارست دوراً قومياً يتمثل بالتصدي للقوى الدولية التي تستهدف الوطن العربي.  وذلك ما تجلى بقيادة معركة الأحلاف، والوقوف الى جانب ثورة الجزائر، وافشال مشروع ايزنهاور.  ما عزز دور عبد الناصر كقائد قومي، مستقطب لجماهير الأمة ما بين المحيط والخليج، مقيماً معها ما أسماه منح الصلح "الديمقراطية غير المؤسسية" المتمثلة بانحيازه لقضاياها، وتأييدها له في كل معاركه.  فضلاً عن أنه جعل من القاهرة مركز دعم والهام حركات التحرر الوطنية الأفريقية والآسيوية والأمريكية اللاتينية.  ما استعدى عليه قوى الاستغلال والهيمنة الغربية التي لم تكن لتغفر له التزامه بالفكر والعمل القومي العربي، في وطن يحتل موقعاً استراتيجياً، غني بثرواته، وتهديد مصالح شركاتها عابرة القارات غير محدودة فيه.

 

        وتحت اشراف عبد الناصر وضع دستور 1956، عاكساً حواره مع الواقع المستجد.  إذ نص على أن مصر دولة عربية، وشعبها جزء من الأمة العربية، ودينها الاسلام.  كما أنه تجاوز الليبرالية باعتماده "الديمقراطية الاجتماعية"، بحيث غدت الدولة مؤسسة اجتماعية توجه أدوات الانتاج بما يتفق ومبادئ العدالة، وتحقيق التنمية من خلال قطاع عام متنامي الدور، دون الغاء دور القطاع الخاص غير المتعارض مع خطة التنمية.  وفي تقويم دستور 1956 كتب د. عصمت سيف الدولة يقول: "بكل المقاييس النظرية كان دستور 1956 أكثر ديمقراطية من أي دستور سابق، لأنه أضاف الى ما سبق ولم ينتقص شيئاً مما كان للشعب من قبل".  ولم يؤسس تجاوز الليبرالية لنظام ديكتاتوري فاشي.  وهذا ما يؤكده استاذ القانون الدستوري جورج باردو، الذي يعد أحد أفضل المختصين الفرنسيين، بقوله: "لا، ليس هذا فاشية، بل هو قيصرية تقنية تضع بيد الزعيم سلطات رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء".

 

        ومع أن عبد الناصر فارق الدنيا والقوات الصهيونية تحتل سيناء وضفة قناة السويس الشرقية إلا أن مصر كانت قد تجاوزت هزيمتها العسكرية سنة 1967 بحرب الاستنزاف، التي يعتبرها حاييم هيرتزوغ أول حرب خسرتها اسرائيل.  ومع أن الواقع المصري الخاص والقومي العربي العام، عشية وفاة عبد الناصر كان يعكس تداعيات النكسة، إلا أنه برغم ذلك نقيض الواقع العربي الراهن على مختلف الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، عدا واقع المقاومة التي كانت حينها تواجه خطر التصفية لولا أن حال دون ذلك النظام الرسمي العربي في قمته الطارئة.  في حين أن المقاومة هي اليوم الرقم الصعب في الصراع مع التحالف الأمريكي – الصهيوني، بعد أن افقدت الكيان فعالية قوة ردعه، وأسقطت أساطير تفوقه المدعى بها، وفرضت عليه ردعا متبادلاً في جنوبي لبنان وقطاع غزة المحاصر كابحاً لعدوانه.  فيما النظام الاقليمي العربي فاقداً المنعة تجاه المداخلات والضغوط الدولية والاقليمية، وعاجزاً عن التصدي لما يتهدد وحدة التراب الوطني والنسيج المجتمعي لأكثر من قطر عربي.  فضلاً عن تغطيته غير المبررة لما يسمى "المفاوضات المباشرة" الهادفة الى تصفية ما تبقى من حقوق وطنية فلسطينية مشروعة.

 

وفي تحديد المسؤولية التاريخية عن الواقع العربي المأزوم هناك من يعتبرون عبد الناصر المسؤول الأول عن بؤس الواقع العربي الراهن.  ويتوزعون بين القائلين بأن ما يعانيه النظام الاقليمي العربي انما هو نتاج مفاعيل نكسة 1967 التي أقر بمسؤوليته عنها، وبين المدعين بأنه بتجاوزه الليبرالية أسهم في تعطيل الحراك السياسي على المستوى القومي، كما أنه بنهجه الاقتصادي – الاجتماعي اجهض احتمالات التكامل العربي ووحدة الصف في مواجهة التحديات الخارجية.  وفي المقابل يتزايد عدد المفكرين والمحللين السياسيين الذين يقررون بأن النكوص عن المبادئ القومية العربية، كما تجسدت في فكر وعمل عبد الناصر، انما هو علة الواقع المأزوم والقصور عن تجاوزه.  بدليل أن الشعوب العربية بعد مستجدات ما بعد عبد الناصر لم تستعد الديمقراطية والحريات الليبرالية في زمن الانفتاح  والخصخصة واقتصاد السوق، والهرولة للتطبيع مع الكيان الصهيوني، وانما خسرت باعتماد ذلك التنمية المستقلة والسيادة الوطنية، والضمانات الاجتماعية، ولم تربح سوى الليبرالية المتوحشة، والفساد المستشري، والتخلف عن كثير من الشعوب التي كانت مصر وعدة أقطار عربية تتقدمها في مجالات التنمية الاقتصادية والواقع الاجتماعي، ومستويات التعليم والمعرفة.

 

        ومع أن الحركة القومية العربية تزايدت انحساراً بعد عبد الناصر، إلا انها قدمت البرهان على امتلاك الأمة العربية تراثاً حضارياً، وقدرة على الممانعة والمقاومة، إن وجدت من يفعلها.  وكما دللت على أن الشعوب العربية كافة لديها الاستعداد للتفاعل الإيجابي مع من يفعل تراثها وقدراتها المعطلة.  ولقد تنبه الفكر القومي العربي الى أن دور القائد الكارزمي الذي جسده عبد الناصر لم يعد موضوع رهان المستقبل، وانما هي "الكتلة التاريخية"، المؤلفة من كل ألوان الطيف السياسي والفكري العربية، الملتزمة بقضايا الأمة، وحدها المؤهلة لوضع نهاية الواقع العربي المأزوم، واستعادة الفعالية القومية التي أجهضت بالردة عن النهج الناصري.

 

عـوني فرسـخ

28 سبتمبر 2010