الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

منع دراسة النكبة وفرض الهولوكوست: الدلالة والتوقعات

 

أصدرت حكومة نتنياهو مؤخراً قراراً بمنع تدريس الطلبة العرب في الأرض المحتلة النكبة وتدريسهم الهولوكوست، حسب الرواية الصهيونية للمحرقة النازية. وصدور القرار بعد واحد وستين عاماً من قيام الكيان الصهيوني يستدعي أكثر من سؤال حول دلالته وتأثيره على ثقافة الأقلية العربية في الأرض المحتلة عام 1948، وبخاصة الأجيال الفتية المستهدفة بالقرار الصهيوني:  هل صدوره فرع عن اجراءات التهويد المكثفة الجارية بهدف استكمال متطلبات اعتبار اسرائيل "دولة يهودية"، وهو الطموح المؤيد من الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي ؟  أم أن القرار، بل واجراءات التهويد المكثفة المغالى بها، مؤشر ضعف الكيان الصهيوني وقد خسر قوة ردعه واعتباره المعنوي، وتحوله من رصيد استراتيجي في نظر رعاته على جانبي الأطلسي الى عبء تاريخي عليهم، حيث من المتعارف عليه سياسياً أن التطرف سلاح الضعيف واليائس ؟  وهل انه سوف يحفز الوعي الوطني والقومي عند الأجيال العربية المستهدفة بفعل قانون التحدي والاستجابة ؟

 

        وبالعودة لواقع العرب الذين بقوا في الأرض المحتلة غداة نكبة 1948 يتضح أنهم انتقلوا بين عشية وضحاها من كونهم جزءاً لا يتجزأ من الأكثرية في وطنهم ليصبحوا أقلية قومية في دولة لا تتمايز أكثريتها عنهم بالأصل واللغة والدين والثقافة والقيم وأنماط سلوك فقط، وإنما أيضاً بكونها دولة عنصرية قامت على بعض أرض وطنهم، إذ اعتمدت الصفة الحصرية في مجموعة القوانين الأساسية التي توالى صدورها منذ اصدار "اعلان الاستقلال" باعتبارها دولة مواطنيها اليهود.  فكل القوانين صيغت بألفاظ يهودية صرفة، كما هي كل من قانون العودة، والعلم والنشيد الوطنيين، وشعار الدولة، وقانون التربية والتعليم، والطوابع.  وليس في أي منها ما يستدل منه على اعتراف بالأقلية العربية التي اعتبر افرادها "اسرائيليين" دون أن يختاروا ذلك.  وهذا ما يقر به موشي دايان في مذكراته حيث يقول: "ليس من عربي طلب أن يكون اسرائيلياً، لقد أصبحوا كذلك فقط لأنهم ينتمون الى الدولة التي فرضت عليهم".

 

        ويقدر الباقون ما بين 150 – 160 ألفاً، 20% منهم لاجئون منعوا من العودة لقراهم التي هدمت فيما بعد.  ولدى مناقشة القيادة الصهيونية موضوع الأقلية العربية مال غالبيتها الى القول بأن العرب سينخرطون في حياة الدولة، وإن كانت ستمر أجيال قبل أن يصبحوا مخلصين لها.  غير أن القيادة عنصرية الفكر والثقافة لم تعامل المواطنين العرب باعتبارهم بعض النسيج المجتمعي الاسرائيلي الذي كان يجري تشكله من ذوي أصول ولغات وثقافات متعددة، وانما أخضعتهم ما بين 1948 – 1966 لحكم عسكري وجملة من الممارسات تراوحت بين التدمير والاقتلاع والسيطرة والاخضاع، وبين التهميش الاقتصادي والثقافي بهدف تأصيل الفقر والجهل والتخلف.

 

        ومع أنه جرى الفصل منذ بداية الاحتلال ما بين نظامي التعليم لكل من اليهود والعرب، إلا أن الأقلية العربية لم تتمتع بأي استقلال ثقافي.  إذ استخدم نظام التعليم لتدجين الطلبة العرب وإعادة تشكيل وعيهم بأن فرضت عليهم مناهج تشيد بالانسان اليهودي، وتقلل من قيمة العربي، بالتركيز على بطولات اليهود ومعاركهم المدعى بها، مقابل المغالاة بإبراز سلبيات تاريخ العرب والمسلمين، ووصف العرب بأنهم متخلفون ولا يستطيعون أن يتقدموا كالشعوب الأخرى.  وبينما خصص لتاريخ الحركة الصهيونية 40% من مناهج التاريخ خصص 1% للتاريخ العربي.  وقد استهدفت البرامج تأصيل الشعور لدى الطلاب العرب بعدم استطاعة الأمة العربية مقاومة الصهيونية، وبأن لا حق للعرب في "أرض اسرائيل"، وأن الفلسطينيين ليسوا عرباً وانما هم من أصول يونانية قدموا من كريت.  كما منعت المدارس العربية من التعاطي بالأمور الجارية، خاصة مصادرة الأراضي، وانعدام المساواة، والطابع العنصري للدولة، بهدف تجذير "ثقافة الصمت" وقبول الأمر الواقع.

 

        إلا أن الصامدين في أرضهم أثبتوا قدرة غير محدودة على الممانعة والرفض، بل وحققوا من خلال صراعهم مع الأجهزة والمؤسسات الصهيونية تطوراً متناميا في وعيهم السياسي والاجتماعي، وتعاظمت لدى نخبهم وجمهورهم القدرة على التصدي والجرأة في المطالبة بحقوقهم المشروعة، ودعم النضال الوطني في الضفة والقطاع المحتلين.  وبحيث لم يعد تكاثرهم الطبيعي وحده هو المقلق لصناع القرار وأجهزة الإعلام وقيادات الأحزاب الصهيونية، وإنما أيضاً حراكهم السياسي والاجتماعي ووضوح التزامهم الوطني واحساسهم بالانتماء القومي.  مما يؤكد فشل محاولات التدجين والاسرلة، وخيبة ظنون القيادة الصهيونية باندماجهم في دولتها مع الأيام.

 

        ولا أحسب أن سيكون لقرار منع تدريس النكبة أي تأثير عند ناشئة هذا القطاع من الشعب العربي الفلسطيني الذي عانى ولا يزال الغربة وإن هو لم يفارق ترابه الوطني.  إذ أنه ليس محروماً فقط من حق المواطنة، وانما ينظر إليه أيضاً من قبل غالبية الصهاينة باعتباره مجموعة بشرية مرفوض وجودها، ومرشحة للطرد والتهجير القسري.  فضلاً عن جملة القوانين والممارسات العنصرية التي يعاني من آثارها وتذكره صبح مساء بالنكبة التي فرضت عليه.

 

        ويقينا ان المحرقة النازية "الهولوكوست" جريمة نكراء بحق الانسانية جمعاء، وليس فقط بحق ضحاياها اليهود منهم وغير اليهود.  ولكن ما هو مسكوت عنه تاريخياً، وبخاصة من قبل الصهاينة ورعاتهم على جانبي الأطلسي، كون الحركة الصهيونية ودولة اسرائيل هما الأكثر استفادة من المحرقة النازية، فيما كان عرب فلسطين وما زالوا الأكثر تضرراً إذ تسببت قبل الحرب العالمية الثانية، بهجرة 60 ألف يهودي ألماني الى فلسطين.  وكذلك نتيجة التواطؤ الدولي- الصهيوني بعدها على رفض اعادة الأحياء من الضحايا اليهود الى ديارهم في أوروبا وقد زال الخطر النازي وانما تهجيرهم بدل ذلك الى فلسطين.

 

        ثم إن تدريس "الهولوكوست" لطلبة عرب، هم أبناء النكبة ويعيشون تداعياتها، لابد وان يستدعي عند غير يسير منهم المقارنة بين ما القوانين والممارسات النازية وبين القوانين والممارسات الصهيونية:  فقانون التعليم النازي سنة 1933 قرر الفصل بين الطلبة الاريين وسواهم.  والفصل قائم في النظام التعليمي في اسرائيل منذ قيام الدولة.  وقانون منع اليهود من العمل في المؤسسات الحكومية النازية، يقابله حصر العمل في المؤسسات الاسرائيلية على اليهود دون العرب. وقوانين نورمبرغ التي حرمت اليهود من حق المواطنة سنة 1935 يقابلها عدم تمتع العرب بحق المواطنة في اسرائيل.  والأمر المؤكد ان تنتهي المقارنة الى تعميق وعي الطالب العربي بالطبيعة العنصرية للكيان الصهيوني الذي لا يقل عنصرية عن النظام النازي.

 

        وفي ضوء ما سبق يتضح أن القرار الصهيوني الذي دفع إليه فشل الأمس واليوم مرشح لأن يأتي بنتائج عكسية.  ذلك لأن المشروع الصهيوني بات يعاني مأزق كونه غير تاريخي يواجه أمة عرفت بقدرتها الفذة على دحر الغزاة وتطهير ترابها من دنسهم.

 

عوني فرسخ

28 سبتمبر 2009